العرب في بريطانيا | الله وطن الإنسان.. تأمل في الغربة والعودة إلى ا...

الله وطن الإنسان

الله وطن الإنسان

الله وطن الإنسان

رشيد غلام سبتمبر 25, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

الإنسان في هذا الوجود عابر سبيل، لا ابن دار ولا ربيب تراب. ألقته يد القدر في هذه الدنيا ليمضي لا ليبقى، وليعبر لا ليسكن. يحمل في جنبات روحه حنينًا لا يعرف له اسمًا، وشوقًا لا تملؤه الدنيا بما فيها؛ لأنه خُلق لما هو أسمى من الدنيا، وأبقى من كل فانٍ.

وطنه ليس أرضًا يمشي عليها، ولا سقفًا يظلله، بل وطن قلبه هو الله؛ بأمره بدأت رحلته، وإليه تنتهي خطواته، وعنده وحده مرجعه ومستقره. فما هذه الحياة إلا غربة طويلة في ديار الغرباء، وتيه قصير في صحراء العَرَض الزائل، يقاسي فيه الإنسان تعب الجسد ووحشة الروح؛ لأنه لم يُخلق ليستقر في هذا المكان، ولم يوضع في هذه الدار إلا ليرحل.

إنه ابن الآخرة، لا ابن هذه الأرض، وجوهره من عالم آخر لا ينتمي إلى هذا الطين. ومروره في هذه الدنيا ليس إلا ظلًا عابرًا على وجه الماء، أو حلمًا قصيرًا في ليل طويل. وسيره كله رجوع إلى موطنه الأول، ومصيره عودة إلى مَن أنشأه وسوّاه.

فلا راحة لقلب لم يلق ربه، ولا سكينة لروح لم تصل إلى مبدئها. وإنما يطمئن الإنسان حين يعود إلى الله، ويستريح حين يصل إلى موطنه الحق، وينطفئ لهيب الغربة فيه حين يجد ضالته في لقاء ربه عز وجل. حينها فقط يدرك أن كل ما مر به كان سفرًا، وأن الراحة الكبرى لا تكون إلا في الوصول.

جغرافيا الروح

«وطن الإنسان هو الله تعالى»؛ ليست هذه العبارة كلامًا عن جغرافيا الأرض، بل عن جغرافيا الروح. إنها تقول إن في داخل كل إنسان وطنًا لا تراه العيون، ولا ترسمه الحدود، ولا تحكمه جوازات السفر.

إنه وطن من نور خفي، يسكنه الإنسان حين تعجز المدن عن احتوائه، ويأوي إليه حين تتقلب عليه الأزمان، ويهاجر إليه حين لا تسعه الأرض، ويأنس به في كل وحشة.

ولا يُختزل انتماء الإنسان في رقعة من التراب أو حقبة من الزمن؛ لأن التراب يزول، والزمن يمضي، والحدود تتغير، والأوطان الأرضية تولد وتموت. أما الإنسان، ففيه شيء أعمق من الطين وأبعد من التاريخ. فيه روح تتنفس من نافذة أخرى، وتشتاق إلى أصل لا يفنى.

لذلك لا يُقاس انتماؤه بمكان ولادته، ولا بتاريخ جواز سفره، بل بما يسكن قلبه، وما تسجد له روحه، وما يهفو إليه فؤاده في صمت الليل، وما يلجأ إليه عندما تنوبه نائبة لا عاصم منها:

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

وطن لا ترسمه الحدود

دواخل الإنسان هي وطنه الحقيقي: فطرته، وقيمه، وحبه، وصفاء نيته، وشوقه إلى الحق والجمال والسلام.

هناك، في ذلك العمق الهادئ، حيث يناجي الإنسان سره الأعمق، يعرف من أين جاء وإلى أين يعود. وهناك أيضًا يكتشف أن كل انتماء صغير إلى الأرض إنما هو ظل لانتماء أكبر، وأن كل حنين إلى مكان إنما هو صدى لحنين إلى الله عز وجل، وشوق إلى الأصل والمحل الأرفع.

وحين نقول: «وطن الإنسان هو الله»، فإننا لا نقصد أن الله مكان يحل فيه الإنسان، بل نقصد أنه الأصل والغاية، والملجأ والسكينة، والمرجع الذي بأمره خُلقنا وإليه نُرد.

الله هو الوطن الذي لا يُغتصب، ولا يُقسَّم، ولا يزول، ولا يمنعك عنه مانع. في ذكره تطمئن القلوب، وفي قربه يجد الإنسان ما لا تجده الجوارح في المدن. الأرض تسكنها الأجساد، أما الروح فتسكن إلى الله، ولا تستقر حقًا إلا حين ترجع إلى ربها ويهدأ فيها تعب الرحلة.

الدنيا محطة عبور

الدنيا ليست وطنًا نهائيًا، بل محطة عبور. وكل أوطان الأرض، مهما عظمت، ليست سوى خيام على طريق رحلة العودة.

أما الوطن الأبدي فهو الله؛ مَن عرفه لم تضره الغربة، ومَن تقرب إليه لم يوحشه الابتعاد. ولذلك يستطيع الإنسان أن يعيش في أقصى الأرض، وقلبه حاضر في وطنه الداخلي، مطمئنًا بالله، ساكنًا إليه، عائدًا إليه.

قد تتسع المدن للإنسان، لكنها لا تملأ فراغ روحه. وقد تمنحه الأوطان اسمًا وجوازًا وبيتًا، لكنها لا تجيب عن سؤاله الأعمق: إلى أين تنتهي هذه الرحلة؟

لا تجيب عن ذلك إلا العودة إلى الله؛ لا بوصفها هروبًا من الحياة، بل بوصفها المعنى الذي يمنح الحياة وجهتها، ويجعل المرور فيها سفرًا له غاية، لا تيهًا بلا نهاية.

أنت روح لا تحدها الأسماء

أنت لست ابن حدود، ولا ابن زمن، ولست مجرد تاريخ ميلاد أو اسم مختار يميزك عن غيرك. فحتى الصفات التي تُلحق بك تتغير في عالم السوق والتجارة؛ فمرة تكون عميلًا، ومرة وكيلًا، ومرة مواطنًا، وفق الوظيفة والمقام. وقد تُنسب إلى وطن أو عمل أو حالة، لكن شيئًا من ذلك لا يستوعب حقيقتك كلها.

أنت روح تحمل في داخلها وطنًا خفيًا. وكل الأوطان الصغيرة تنتهي، إلا وطن الروح؛ إنه الله.

وإليه، في النهاية، ترجع القلوب، كما تعود الطيور إلى أعشاشها، وكما يعود العبد إلى خالقه ومولاه.

اترك تعليقا

التعليقات

  1. يقول المثل رب نقمة في طيتها نعمة لقد كان اخيارك للمنفى اختيار موفق من الموفق
    سبحانه بالإضافة للوعكة الصحية التي المت بك وانت مغترب عن وطنك الترابي اثرا على شفاء روحك التي كدت تفقدها في عالم الغناء اتمنى ان تحدو حدو سامي يوسف فرسالته الفنية سامية

↑