العرب في بريطانيا | ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين

ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين

ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين
كرم نعمة سبتمبر 14, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ولد الجدل الأزلي بين الإيمان والإلحاد مع تشكّل الوعي البشري الأول؛ صراع ممتد عبر القرون، سالت فيه أحبار كثيرة وخيضت لأجله معارك فكرية طاحنة، لكنه في المحصلة التاريخية لم يفضِ إلى شيء ملموس يغير جوهر المعاناة الإنسانية. لم يربح الملحدون من إنكارهم شيئاً سوى العيش تحت سماء زجاجية باردة، في كون ميكانيكي أصم لا غاية منه، في حين غنم المؤمنون -على اختلاف مشاربهم- الجائزة الأثمن: الاطمئنان الروحي والسكينة الداخلية. واليوم، وسط أمواج القلق المتفاقم التي تتقاذف إنسان العصر الرقمي وهو يلهث حافياً كي يجد نفسه ويبرر وجوده، يبدو أن البشرية لم تعد بحاجة إلى الإيمان كمنظومة طقوسية أو مجرد أسلوب في العبادات، بل كحل مثالي وأخير لاستعادة الطمأنينة المفقودة في عالم ضاقت فيه الحلول المادية.

هذا التوق الروحاني لدى العقول الكبرى هو ما يلتفت إليه الكاتب البريطاني توماس أوبونغ -المتخصص في تفكيك السلوك البشري والفلسفة العملية- في مقاله المنشور على منصة “ميديوم”، حيث يعيد تعريف القناعات الإيمانية لأذكى عقول البشرية تحت عنوان “كان آينشتاين يؤمن بالله”. يذكرنا أوبونغ بأن إيمان آينشتاين لم يكن التزاماً برؤية لاهوتية تقليدية، بل كان خشوعاً معرفياً أمام عبقرية الخلق، ومحاولة واعية لمنح التفكير العلمي سياقاً أخلاقياً وروحياً يحميه من الجفاف والانزلاق نحو العدمية.

وعندما نمعن النظر في سيرة ألبرت آينشتاين، نجد أن هذا الرؤيوي الفذ لم يجد حرجاً في إعلان إيمانه بنظام كوني بديع. وفي برقيته الشهيرة عام 1929، قال بوضوح: “أنا أومن بإله سبينوزا، الذي يكشف عن نفسه في التناغم القانوني للوجود”. لم يكن آينشتاين يرى في الذات الإلهية كياناً مشغولاً بمعاقبة البشر أو مكافأتهم على تفاصيل حياتهم اليومية، بل كان يختبر ما أسماه “الشعور الديني الكوني”؛ ذلك المزيج من المهابة والذهول الذي يعتري العالِم وهو يرى القوانين الفيزيائية الصارمة تتجلى في الوجود بنسق رياضي معجز لا مكان فيه للمصادفة العبثية. هذا الشعور بالذات، يمثل حجر الأساس في فهم الإيمان ليس كفعل إكراه لاهوتي، بل كحاجة عقلية ونفسية ملحة للاعتراف بوجود هندسة عاقلة تقف وراء هذا المدى الشاسع.

إن الانطلاق من تجربة آينشتاين يقودنا إلى منطقة أرحب في الدفاع عن فكرة الإيمان؛ فنحن هنا لسنا معنيين، بأي حال من الأحوال، بموضوع تقديس البشر، أو منح صكوك الغفران لرجال الدين والمؤسسات الطائفية واللاهوتية التي كثيراً ما شوّهت جوهر الفكرة الروحية واختزلتها في أدوات للسيطرة السياسية أو الاجتماعية. كما أننا نضع العبادات والطقوس في خانتها الصحيحة كخيار شخصي وحر لكل إنسان يمارسها بالطريقة التي تناسب نداءه الداخلي وتمنحه سلاماً ذاتياً. ما نتحدث عنه وننبّه عليه هو “الإيمان بوصفه مرساة نفسية وملاذاً وجودياً”؛ الاعتراف الواعي بأن خلف هذا الوجود عقلاً كلياً متفوقاً يمنح حياتنا الضئيلة مغزى، ويحمي الكائن البشري من السقوط الحر في هاوية العبث.

وتكتسب هذه المرساة الإيمانية قيمتها القصوى اليوم، ونحن نعيش ذروة الصدام والصراع الصامت بين الإنسان والآلة الذكية. ففي العصر الذي تقدم فيه التكنولوجيا والخوارزميات إجابات “جاهزة” ومبرمجة عن كل شيء، وتكاد تجرد الإنسان من فرادته عبر تحويل مشاعره وأفكاره وسلوكياته إلى مجرد بيانات رقمية قابلة للتنبؤ والتسليع، يجد الإنسان نفسه في مواجهة اغتراب من نوع جديد. الآلة قادرة على محاكاة ذكائنا، وحساب خطواتنا، وتوليد نصوصنا، لكنها تقف عاجزة ومقفرة أمام سؤال “المعنى”. هنا يبرز الإيمان كخط الدفاع الأخير عن الخصوصية البشرية؛ إنه المساحة الوحيدة التي لا يمكن للخوارزميات اختراقها أو نمذجتها، لأنه ينبع من تجربة حية وعميقة من التسليم، والدهشة، والاتصال بالمطلق، وهي تراكيب وجدانية تعسر على التوليد الآلي والرموز البرمجية الجافة.

في هذا العالم المزدحم بالآلات الذكية، ضاقت الحلول الفلسفية والسياسية التي وعدت البشرية بالرفاهية المطلقة، فإذ بها تخلف مجتمعاً يعاني من عُزلة خانقة وتزايد غير مسبوق في معدلات الاكتئاب والقلق الوجودي. لقد تحول الكائن البشري من “صانع للآلة” إلى “ترس في ماكينتها”، يلهث بلا توقف لتلبية شروط الاستهلاك السريع، ما أحدث فجوة روحية هائلة لا يمكن لسرعات المعالجات أو شاشات الهواتف ردمها. الإيمان هنا يأتي كحل مثالي ومضاد حيوي لهذا التنميط؛ إنه يعيد تذكير الإنسان بأنه ليس مجرد رقم إحصائي أو أصل تجاري في سوق البيانات، بل هو كائن يحمل نفخة من روح كوني علوي، ما يعيد إليه كرامته الوجودية ويمنحه السكينة وسط ضجيج عالم ميكانيكي مفرط في ماديته.

يحتاج إنسان اليوم، المنهك من وطأة المنافسة مع الآلات ومن حروب الواقع الافتراضي، إلى أن يغمض عينيه ويشعر بأنه ليس وحيداً ولا منسياً في هذا الكون الشاسع. إن العقل البشري، مهما بلغ من الفطنة والذكاء التجريبي، يظل قاصراً ومذعوراً أمام فكرة أنه مجرد “غبار كوني عابر” بلا وجهة أو غاية. هنا تحديداً يتدخل الإيمان ليعيد صياغة المشهد ويضمد جراح الروح المنهكة، إنه يمنح الروح توازنها، ويهدئ روع النفس أمام الموت والغياب والأسئلة المعلقة التي تعجز الفيزياء الصارمة عن إجابتها.

لقد أثبتت التجربة الإنسانية الطويلة عبر العصور أن العلم والتكنولوجيا يمكنهما أن يفسرا لنا بدقة كيف يسير الكون وكيف تعمل أجهزتنا، لكنهما يعجزان بالكامل عن إخبارنا لماذا نحن هنا، وما الغاية من وجودنا. ومن دون الإجابة عن هذا “السؤال”، يظل الإنسان -رغم كل ترفه التقني- كائناً قلقاً، مغترباً، ومرتعباً من المستقبل. إن الإيمان، بمعناه السامي والعميق البنيوي الذي اختبره آينشتاين وتحدث عنه أوبونغ، ليس قيداً على التفكير الحاد، بل هو تحرير وتتويج له؛ إنه الاعتراف المتواضع بنسبية وعينا أمام مطلق الكون، وهو الملاذ والحل الوحيد المتبقي لإنسان يصر، بكل كبرياء، على أن يظل مطمئناً في عالم يضج بالخوف والآلات.


 

اترك تعليقا