العرب في بريطانيا | ألمانيا الخائفة..المخيفة

ألمانيا الخائفة..المخيفة

ألمانيا الخائفة..المخيفة
جلال الورغي سبتمبر 10, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

مثّل فوز الحزب اليميني المتطرف “البديل من أجل ألمانيا” بنسبة ناهزت 45 بالمائة من أصوات الناخبين في انتخابات مقاطعة سكسونيا أنهالت، ما مثّل لحظة تحوّل في المشهد السياسي الألماني، هي الأولى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية. إذ كانت هذه النتيجة بمثابة صدمة للائتلاف الحاكم بزعامة فريديريك مرتس الذي كان اختياره لزعامة الحزب الديمقراطي المسيحي كتعهد لاحتواء حزب البديل، وسحب البساط من تحت أقدامه، وتخفيض نسبة الداعمين له إلى النصف. بينما ما حدث هو العكس إذ ضاعف حزب البديل من نسبة المؤيدين له ليحصل على حوالي 45 بالمائة، بينما اكتفى حزب مرتس بحوالي 20 بالمائة. و

لئن لم ينجح حزب البديل في الحصول على أغلبية 50 بالمائة زائد واحد لتشكيل السلطة في المقاطعة، إلا أنه أحدث اختراقًا تاريخيًا قد يؤشر ويحمل في طياته دلالات كثيرة ستلقي بظلالها على المشهد السياسي في ألمانيا، بل وحتى أوروبا. بل الأمر أوسع نطاق من ذلك، إذ عبر تيار “ماغا” الداعم لترامب عن احتفائه بنتيجة حزب البديل من أجل ألمانيا، ونشر ترامب نفسه على “تروث سوشيال” يظهر فيه تقدم حزب البديل على بقية الأحزاب.

ولا يخفي ترامب وجزء من فريقه علاقتهم الوثيقة بالحزب، ودعمهم له، وكان ذلك الدعم والتواصل مع الحزب موضوع احتجاجات ألمانية رسمية عبّر عنها المستشار الألماني أكثر من مرة، محذرًا إدارة ترامب من التدخل في الشؤون الداخلية لألمانيا والتأثير في الانتخابات فيها.

المقلق للقوى الأوروبية التقليدية بيمينها ويسارها أن حزب البديل من أجل ألمانيا، لا يبدي أي استعداد، ولا أي قابلية للتكيف مع الواقع أو الاستعداد للعمل ضمن الإطار العام الذي تعمل ضمنه الأحزاب، وإنما يتمسك بمقولاته وأطروحاته المتشددة والمتطرفة، سواء في ما يتعلّق بالمهاجرين الذي يتوعّدهم بالترحيل، أو بالمنوال المجتمعي الذي لا يراه متعددًا متنوعًا، وإنما يراه وفق منظور مسيحي مغلق، كما يشكك الحزب في الاتحاد الأوروبي ويطالب بالتخلي عن العمل باليورو عملةً، كما أنه يتبنى إعادة ترميم العلاقة مع روسيا، وعدم الانخراط في الدفاع عن أوكرانيا، بل ولعل تحريضه على اللاجئين الأوكرانيين الذي دخلوا ألمانيا بعد الحرب الروسية على كييف، كان أحد أسباب وعوامل صعود الحزب وارتفاع شعبيته.

وبقدر ما أشاع فوز اليمين المتطرف بالانتخابات في سكسونيا أنهالت حالة من الخوف والقلق في صفوف القوى السياسية الرئيسة في ألمانيا، والخشية من أن تتداعى هذه النتيجة على أي انتخابات عامة، وما يعنيه ذلك من كابوس وصول “البديل من أجل ألمانيا” إلى السلطة، فقد عبرت القوى السياسية التقليدية في مختلف أنحاء أوروبا عن قلقها البالغ من صعود اليمين المتطرف في ألمانيا. ويتضاعف هذا الخوف عندما يتعلق الأمر بألمانيا تحديدًا، وما تحمله من إرث تاريخي مرير، كان عنوانه الأبرز “النازية” بزعامة أدولف هتلر. ولم يكن مستغربًا في هذا الصدد ٬إعلان بعض قوى اليسار الأوروبي، على غرار زعيم حزب فرنسا الأبية، التحفظ على سعي ألمانيا إلى رفع ميزانيتها الدفاعية وزيادة عدد قواتها المسلحة، وأيضًا التحفظ على أي انخراط لها في شراكة في المشروع النووي الفرنسي أو البريطاني.

فألمانيا التي اختارت أن تكون عامل ازدهار وانتعاش وطمأنة واستقرار لأوروبا ووحدتها، خاصة مع زعماء على غرار كونراد أديناور، وهيلموت كول وأنجيلا ميركل، تتحول فجأة بصعود حزب البديل من أجل ألمانيا إلى كابوس مخيف، يعيد للأوروبيين شبح صعود النازية قبل قرن وما تلاها من حرب عالمية كانت مدمرة. وما يزيد من قلق الأوروبيين هو أن عوامل عدّة تلعب لصالح تغذية هذه المخاوف، على غرار صعود اليمين الشعبوي في العالم، وما تقوم به الولايات المتحدة، مع إدارة ترامب، من دعم بل وتبنٍّ لهذه القوى اليمينية المتطرفة، والسعي إلى إسنادها للنجاح في الانتخابات في بلدانها.

تبقى الانتخابات الألمانية الأخيرة في سكسونيا أنهالت غير معبّرة وغير ممثّلة لا للرأي العام الألماني ولا للمزاج العام في أوروبا، والدليل التراجع والانحسار اللذان يعيشهُما اليمين المتطرف في بريطانيا، لكن ذلك لا يمنع من أن تدرك القوى الرئيسية في ألمانيا وأوروبا أن تلك النتيجة ناقوس خطر لا يجب تجاهله، وإنما يجب رسم استراتيجيات وسياسات تجفّف منابع الأطروحات اليمينية المتطرفة، سواء لجهة معاداة المهاجرين، أو الإسلاموفوبيا، أو معاداة السامية.


 

 

اترك تعليقا