المسارات الذهبية
استكمالًا لما ذكرتُ في آخر مقالٍ لي على هذه الصحيفة المباركة؛ أنه إذا علت همة الشخص وعقد العزم على تحسين حياته، فليعرض شأنه على رجال الرعيل الأول “جيل الصحابة”، فهم قد رضي الله عنهم، وهذه أولها، ونالوا شرف صحبة خير البرية، وهذه ثانيها، ثم إنهم قد أفضوا إلى ما قدموا -لأن الحي لا تُؤمن عليه الفتنة-. ولأجل تلكم الثلاث، حريٌّ بنا اقتفاء الأثر ووضع الحافر على الحافر؛ فما وافق منهجهم فمرحبًا به، وما خالفه ننتهي عنه.
ففي العلم كانوا أئمة يُهتدى بهم، وفي العبادة كانوا السبّاقين إلى الخيرات، وفي الجهاد والتضحيات بذلوا نفوسهم رخيصةً لإعلاء راية الدين، ومع كل ذلك لم يكونوا دراويش يتكففون الناس، بل كانوا من أثرياء المدينة آنذاك.
كمال العلم المصحوب بالرحمة
قلت: مريد الخير يجد في تضاعيف سيرهم الحل الأمثل لحياة كريمة مليئة بالإنجازات. ففي باب العلم لا أنسى كيف شدّتني عبارة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو في سدة الحكم، لما سُئل عن الخوارج وما أحدثوه في فتنة شقت صفوف المسلمين يومئذ: أهم كفار أم منافقون؟ أجاب: بل إخواننا بغوا علينا.
لاحظ كمال العلم المصحوب بالرحمة على العباد.
عنونت مقالتي بالمسارات الذهبية؛ فهي مسارات تسير في خطوط مستقيمة لا تتقاطع، بل تتفاعل مع بعضها البعض؛ أي تؤثر كل واحدة في أختها. فمن زاد علمه ارتقى في عبادته، ومن نقص ماله زاد همه، وكان أقرب إلى شرود ذهنه منه إلى حضوره في الصلاة.
ثم إن الناس، كل الناس، عربهم وعجمهم، يمضي الواحد منهم حياته محاولًا التشبث بهذه المسارات، وقليلٌ ما هم من يبلغ إحداها، ناهيك عن أن يحيط بها جميعها.
ومن أفضال الله علينا، معاشر المسلمين، أن وضع أمامنا قدوات نهتدي بها ونقتفي أثرها. لذلك ارتأيت جدولة اليوم والليلة بخريطة سهلة يسيرة، يسير الراكب فيها إلى علياء الدنيا والآخرة.
ولأني أبصرت القوم -ولا أبرئ نفسي- فرأيتهم قد اصطفوا إلى فريقين لا ثالث لهما؛ فريق قد انصرف إلى التبتل، بعيدًا عن الدنيا، منقطعًا عن مجاراتها، وفريق أشبه بـ”العلماني”، جل وقته للحاضر الفاني، لا يُحسن قراءة الفاتحة.
العلم
العلم أولًا؛ لأن المولى سبحانه قد ابتدأ به فقال: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك}. لاحظ “فاعلم”؛ لأنه من دون العلم تضيع بوصلة الإنسان، ويغدو أسير أهوائه، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.
قلت: اركب معنا في سفينة الطامحين، واقرأ كل يوم تفسير آية واحدة من كتاب الله ولا تزد، وفي الوقت نفسه استمع وتحدث باللغة التي طالما تمنيت يومًا إتقانها -ولتكن الإنجليزية مثلًا، أو الإسبانية أو غيرها- خمس دقائق فقط ولا تزد.
ذكرت العلم بآي الكتاب، وإتقان لغة العصر، أردت بها لا انفكاكًا عن الدنيا ولا انقطاعًا عن الآخرة، والعلة من القلة أن الرهان على الاستمرارية والأثر التراكمي.
اليوم شيءٌ وغدًا مثله من
نُخَب العلم التي تُلتقط
يُحصّل المرء بها حكمةً
وإنما السيل اجتماع النقط
التدرج القليل المستمر يبلّغ الإنسان منازل الأصفياء، كما ذكر الصادق المصدوق: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”.
ولكي لا يُنسي الحديث بعضه بعضًا، ودفعًا للملل والإطالة، أكتفي بما ذكرت، على أن أكمل بقية المسارات في كتاباتٍ أخرى، والله الهادي إلى سواء السبيل.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇


