العرب في بريطانيا | رحيل عائلة حسام لم يكن نهاية الحكاية… بل كشف مع...

رحيل عائلة حسام لم يكن نهاية الحكاية… بل كشف معدن مجتمعنا

رحيل عائلة حسام لم يكن نهاية الحكاية… بل كشف معدن مجتمعنا
عدنان حميدان أغسطس 25, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ثمّة فواجع تُوجع القلب، ولا تنتهي عند حدود الدّموع، وفواجع أخرى تهزّ شيئًا أعمق فينا، فتجعلنا نتوقّف طويلًا أمام أنفسنا، وأمام الناس من حولنا، وأمام معنى أن نكون مجتمعًا واحدًا تربطه القيم والأخلاق، ويجمعه الإحساس والحبّ، رغم المسافات والغربة وتفاصيل الحياة.

رحيل عائلة حسام كان واحدًا من تلك الأوجاع الّتي لا يُقاس ثقلها بالكلمات.

كان رحيلًا موجعًا، ثقيلًا على القلب، لكنّه في الوقت ذاته كشف شيئًا آخر؛ كشف معدن النّاس حين تضيق الحياة، وأظهر وجهًا جميلًا لمجتمعٍ قد تفرّقه الأيّام، لكنّ المحن تعيده إلى بعضه بعضًا، تجمع شمله، وتشّد أواصره، وتكشف أجمل ما فيه.

وأنا أتابع ما جرى، لم أكن أرى فقط حملة لجمع المال، ولا مساعدة أسرة في محنة. كنت أرى مجتمعًا كاملًا يتحرك، ويستعيد روحه.

رأيت من ساهم بخمسة باوندات، ورأيت من أعطى ألفًا، ومنهم من استطاع فأعطى أكثر. لم تكن قيمة المبلغ هي المهمة، وإنما كانت الرسالة التي حملتها كل مساهمة: نحن معكم، ولن نترككم وحدكم.

وهناك من لم يكن يملك المال، أو لم تكن النّقود هي ما يستطيع تقديمه، ففتح بابًا آخر من أبواب العطاء، وقدم شيئًا آخر.

محامٍ وضع خبرته في خدمتهم دون مقابل، وآخر سخّر علاقاته وخدماته، وشخص قدّم خبرته وخدماته في مجال الشّحن. وآخرون قدموا وقتهم وجهدهم، ومعرفتهم وخبراتهم قدر ما يستطيعون.

كلّ واحدٍ منهم قدّم ما يستطيع، وأعطى ممّا يملك، وكأنّ المصيبة امتحانٌ مرّ على الجميع، فاختار كلٌّ منهم أن يجيب عنه بطريقته.

وهنا تحديدًا شعرتُ أن الأجر الحقيقي الذي تحقق من هذه الفاجعة لا يمكن أن يُقاس بالأرقام، وأنّ بعض العطاءات لاتُقاس بما خرج من الجيب، ولكن بما خرج من القلب.

رحيل عائلة حسام جمعنا.

جمع قلوبًا ربما فرقتها، أو باعدت بينها مشاغل الحياة، وأعاد إلى الذّاكرة معنى الأخوّة، وأنّ بيننا رابطةً أكبر من كلّ خلافٍ عابر، وأقوى من كلّ مسافة، وأبقى من كلّ انشغال.

في المحن، تسقط الأقنعة، وتظهر معادن الناس.

وقد ظهرت معادن كثيرة طيّبة في هذه المحنة، وكان بينها من الخير ما يبعث على الطّمأنينة.

وهذا هو المجتمع الّذي نريده، وهذا هو الّذي ينبغي أن نحافظ عليه.

مجتمعًا لا ينتظر الكارثة كي يتذكّر أبناءه، ولا يحتاج إلى جنازة كي يكشف أنّ له أخًا بعيدًا عنه.

لا ينبغي أن يكون الألم وحده هو اللّغة الّتي تجمعنا، ثمّ حين ينتهي، يعود كلٌّ منّا إلى جزيرته الصّغيرة، ويُغلق أبوابه خلفه.

نريد أخوّة لا تحتاج إلى مأساةٍ كي تستيقظ.

نريد أن نكون معًا في السراء قبل الضراء، وأن نسأل عن بعضنا قبل أن يصرخ أحدنا من شدّة الحاجة.
أن نمدّ اليد قبل أن يسقط صاحبها.

أن نكون إلى جانب بعضنا في السّعة كما في الضّيق، وفي الفرح كما في الحزن، وفي أيّام الحياة العاديّة قبل أن تفاجئنا أيّامها الثّقيلة.

هذه ليست مجرد عادات اجتماعية جميلة؛ إنها أخلاق، ودين، وتربية، وقيم حملناها معنا من بلادنا، وينبغي أن تبقى معنا أينما حللنا وارتحلنا.

قد نبتعد عن أوطاننا، وقد تتغير المدن والبلدان من حولنا، وقد تأخذنا الغربة إلى أماكن لم نكن نعرفها يومًا، لكن الإنسان لا ينبغي أن يسمح للغربة بأن تقتلع أخلاقه من داخله.

وما رأيناه في رحيل عائلة حسام أعاد إليّ شيئًا من الطمأنينة: ما زال في مجتمعنا خير كثير.

ما زال هناك من يعطي دون أن يسأل: ماذا سأحصل في المقابل؟

ومن يقف مع أخيه دون أن ينتظر منه شيئًا.

ومن يرى أن خمسة باوندات قد تبدو قليلة في ميزان وحساب المال، لكنها كبيرة جدًا في ميزان وحساب الموقف.

ومن يرى أن تقديم خدمة مجانية قد يكون أبلغ من ألف كلمة.

ومن يرى أن مصيبة الآخرين تعنيه، وأن وجعهم ليس شأنًا بعيدًا عنه.

رحم الله عائلة حسام، وربط على قلوب أهلهم ومحبّيهم، وجزى كلّ من وقف إلى جانبهم، وكلّ من أعطى، وسعى، واتّصل، وسأل، ودعا، وفتح بابًا للخير؛ خير الجزاء.

لكن لعلّ أجمل ما يمكن أن نفعله بعد هذه الفاجعة هو ألّا نسمح لهذه الرّوح أن ترحل برحيلهم.

فلنحافظ على ما أيقظته هذه الفاجعة فينا.

لنحافظ على الأخوة، وعلى التكافل، وعلى الرّحمة، وعلى السؤال عن بعضنا، وعلى تلك الوقفة التي رأيناها جميعًا.
وعلى القلب الّذي يشعر بوجع أخيه، حتّى وإن لم تجمعهما مدينةٌ واحدةٌ ولا بيتٌ واحد.

لأن رحيل عائلة حسام، رغم قسوة الوجع، ترك لنا درسًا لا ينبغي أن ننساه:

أنّ الفقد أخذ منّا أرواحًا عزيزة، لكنّه في المقابل كشف لنا أرواحًا كثيرة لا تزال تعرف معنى الأخوة..
نحن معًا أقوى، وبوقوفنا إلى جانب بعضنا نحافظ على أنفسنا معًا، ونشدد على أيدينا، أمام كلّ العواصف.

ولعلّ الأثر، هو الأجمل، والّذي يمكن أن يبقى من هذه الحكاية المؤلمة.

فنحن حين نقف إلى جانب بعضنا، لا نخفّف عن الآخرين وحدهم؛ بل نحمي أنفسنا من أن تتحوّل الغربة إلى قسوة، والحياة إلى عزلة، والنّاس إلى غرباء.

رحم الله من رحلوا، وأبقى فينا ما تركه رحيلهم من خير.


 

اترك تعليقا