حين يعيدك المرض إلى حجمك الحقيقي
يحتاج الإنسان أحيانًا إلى ما يوقظه من الوهم الذي صنعته له الأيام. ليس بالضرورة أن يكون الوهم كذبة كاملة؛ فقد يكون الرجل ناجحًا بالفعل، ومسموع الكلمة، واسع العلاقات، حاضرًا في المشهد، يعرفه الناس ويعرفون قدره، وتأتيه الدنيا من أبوابها المتعددة، فينشأ في داخله، شيئًا فشيئًا، شعور خفي بأنه أصبح أكبر من أن تفاجئه الحياة، وأنه أمسك من أسبابها بما يكفي لأن يطمئن إلى غده. ولا ينتبه، وهو يمضي في هذا الشعور، إلى أن بين الثقة بالنفس وبين الغرور شعرة رقيقة، وأن بين امتلاك الأسباب وبين توهم امتلاك المصير مسافة لا يراها إلا من وقف ذات يوم أمام عجزه.
ثم تأتي تلك اللحظة التي لا تكون في الحسبان.
عارض صحي، تشخيص لم يكن يتوقعه، وعكة تبدأ بسيطة ثم تتسع حتى يجد نفسه في مكان لم يختره، مستلقيًا على سرير أبيض، تحيط به الأجهزة، ويتناوب عليه أصحاب الملابس البيضاء والزرقاء، بينما جسده الذي كان يحمله إلى كل مكان يصبح فجأة هو الذي يفرض عليه المكان والزمان والحركة والسكون. في تلك اللحظة تحديدًا، لا يعود المرض مجرد ألم في عضو من أعضاء الجسد؛ إنه هزة تصيب الصورة التي كان الإنسان يحملها عن نفسه وعن العالم من حوله.
فالرجل الذي كان يخرج من بيته في الصباح وكأن أمامه نهارًا كاملًا من الأعمال والمواعيد والقرارات، قد يجد نفسه بعد أيام لا يستطيع أن يقرر متى ينام ومتى يستيقظ. الليل الذي كان يخصصه للراحة يصبح امتدادًا طويلًا للألم، والنهار الذي كان ميدانًا للحركة والعمل يتحول إلى ساعات من الانتظار. يصبح الوقت شيئًا آخر؛ لا يعود يقاس بالاجتماعات والمواعيد والمشروعات، وإنما بموعد الدواء، ونتيجة التحليل، وزيارة الطبيب، وتحسن الألم أو اشتداده. وما كان الإنسان يراه من قبل تفاصيل صغيرة في يومه يصبح الآن أمنيات كبيرة: نوم هادئ، وجبة يأكلها دون مشقة، قدرة على الوقوف، خطوات قليلة يمشيها دون أن يتكئ على أحد.
وهنا يتعلم، قسرًا، درسًا لم يكن ليتعلمه وهو في كامل عافيته: أن كثيرًا من النعم لا نعرف قيمتها إلا عندما تفقد أسماءها المعتادة وتتحول في وعينا إلى أشياء نفتقدها.
كنا ننام ولا نسأل أنفسنا عن نعمة النوم، ونمشي فلا نتذكر أن المشي نعمة، ونصعد الدرج دون أن نلتفت إلى أن القلب والرئتين والعضلات والأعصاب تعمل في انسجام عجيب كي نصل إلى الطابق الذي نريده. نخرج من البيت، نعود إليه، نذهب إلى أعمالنا، نجلس مع أهلنا، نأكل ونشرب ونضحك ونسهر ونخطط للغد، وكأن هذه الحياة اليومية البسيطة حق مكتسب لنا، مع أنها في حقيقتها سلسلة متصلة من العطايا التي يمكن أن يتغير منها شيء واحد، فتتغير معها صورة اليوم كله.
والمرض لا يسلبك صحتك وحدها؛ أحيانًا يسلبك وهم السيطرة.
وهذا هو الجانب الأشد قسوة في التجربة.
فأنت، ما دمت صحيحًا، تضع خطتك للشهر المقبل، وتحجز لسفرك بعد أشهر، وتفكر في مشروعك القادم، وتلتزم بموعد بعد أسبوع، وتعد أهلك بأشياء ستفعلها لاحقًا، وتدخل في التزامات تمتد إلى سنوات، وتتعامل مع الغد وكأنه صفحة بيضاء في مكتبك، تستطيع أن تملأها بما تشاء. ثم يأتي المرض ليضع أمامك سؤالًا واحدًا لا تستطيع تجاوزه: من قال إن لك غدًا أصلًا؟
السؤال ليس فلسفيًا هذه المرة، ولا هو من تلك الأسئلة التي نحب أن نتأملها ونحن في أوقات الصفاء؛ إنه سؤال يخرج من الخوف نفسه. ماذا لو طال المرض؟ ماذا لو لم أستطع العودة إلى عملي؟ ماذا عن مصدر رزقي؟ ماذا عن الالتزامات التي تنتظرني؟ ماذا عن الذين يعيشون من دخلي؟ ماذا عن أسرتي إذا عجزت عن القيام بما كنت أقوم به؟ ماذا عن المشاريع التي بنيت عليها سنوات من عمري؟ وماذا عن كل ذلك المستقبل الذي كنت أتصرف وكأنه مضمون؟
فجأة، تجد أن خططك كلها، مهما بدت محكمة، معلقة بخيط لا تملكه.
وهنا ربما يكتشف الإنسان للمرة الأولى أن أعظم ما كان يملكه لم يكن المال ولا المكانة ولا القدرة على اتخاذ القرار، وإنما كان شيئًا لم يكن يراه أصلًا: العافية.
العافية هي تلك النعمة الصامتة التي لا تفرض نفسها على انتباهك. لا تأتيك في ظرف فاخر، ولا تحتاج إلى مناسبة لتفرح بها، ولا يصفق لك أحد لأنك حصلت عليها. إنها ببساطة أن تستيقظ صباحًا فتستطيع أن تقوم من سريرك، وأن تذهب إلى عملك، وأن تفتح باب بيتك، وأن تحمل أبناءك، وأن تجلس إلى أمك أو أبيك، وأن تمضي في يومك دون أن يخطر في بالك أن هذه القدرة نفسها يمكن أن تغيب.
ولذلك فإن المرض، حين يطول، يعيد ترتيب سلّم الأشياء في داخلك. أشياء كنت تراها عظيمة تصغر فجأة، وأشياء كنت تمر عليها دون انتباه تكبر حتى تصبح هي الحياة نفسها.
وقد يكون هذا أحد أوجع دروس المرض وأكثرها صدقًا: أنه لا يريك ضعف جسدك فقط، وإنما يريك ضآلة كثير مما كنت تظنه مهمًا.
ثم تأتي مرحلة أخرى لا تقل أهمية: الناس.
فالمرض يملك قدرة غريبة على تنظيف المشهد من حولك. في أوقات القوة والنجاح، يصعب على الإنسان أن يعرف حقيقة علاقاته؛ لأن الناس يقتربون لأسباب كثيرة، وقد تختلط المودة بالمصلحة، والإعجاب بالمكانة، والصداقة بما يحصل عليه الصديق من صديقه. وحين تكون قادرًا على العطاء، فإن كثيرًا من العلاقات تبدو جميلة ومتينة، لأنك لا تعرف ماذا سيبقى منها لو أصبحت أنت الطرف الذي يحتاج.
لكن المرض يغيّر المعادلة.
تصبح أنت الذي يُسأل عنه، لا الذي يُسأل منه. تصبح أنت المحتاج إلى الزيارة، إلى الكلمة، إلى الدعاء، إلى من يجلس إلى جوارك، لا من يأتي الناس إليه لحاجة أو منفعة. وحينها تبدأ الوجوه في التمايز، لا لأن الناس تغيروا بالضرورة، وإنما لأن الظروف نزعت عن العلاقات ما كان يغطي حقيقتها.
تجد شخصًا لم يكن كثير الحضور في حياتك، لكنه لا يكاد يمر يوم دون أن يسأل عنك، ويتصل لا ليعرف تفاصيل مرضك، وإنما ليطمئن إلى أنك بخير. وتجد آخر كان حاضرًا في كل مناسبة، ثم يختفي حين لا يعود في يدك شيء تقدمه له. وتجد من يختصر المسافة بينه وبينك رغم انشغاله، ومن يعتذر بأنه مشغول ولا يجد حتى دقائق يسأل فيها عن حالك.
ولا يكون الألم في أن يبتعد الناس؛ فهذا من طبيعة الدنيا، وإنما في أن تكتشف أن بعض العلاقات التي منحتها من عمرك وثقتك أكثر مما كانت تستحق.
ومع ذلك، ففي هذه التجربة جانب جميل أيضًا؛ إذ إن المحنة لا تكشف لك أصحاب المصلحة وحدهم، وإنما تكشف لك أولئك الذين كانوا يحبونك أنت، لا ما عندك. وهؤلاء لا تحتاج بعدهم إلى كثير من الكلام عن الوفاء؛ فقد تكفلت الشدة بأن تقول عنهم ما لا تستطيع الكلمات أن تقوله.
لكن كل هذه الاكتشافات، على أهميتها، تبقى أقل من الاكتشاف الأكبر الذي يحدث للإنسان في مثل هذه اللحظات: اكتشاف نفسه.
حين يضيق بك الجسد، وتضيق بك الخيارات، وتصبح عاجزًا عن تغيير شيء من واقعك، لا يبقى أمامك إلا أن تنظر إلى حقيقتك بلا الزحام الذي كان يحيط بها. لا اسم كبيرًا يطمئنك، ولا منصبًا تستند إليه، ولا مالًا تستطيع أن تشتري به خروجك من الألم، ولا علاقات تستطيع أن تضمن لك الغد.
تجلس وحدك، حتى لو كان حولك الناس، وتعرف معنى قوله تعالى: «وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا».
ليس الضعف هنا عيبًا في الإنسان، وإنما حقيقته التي يحاول طوال حياته أن يتناساها. نحن لا نحب أن نتذكر أننا ضعفاء؛ لأن الاعتراف بالضعف يهز الصورة التي نحب أن نراها لأنفسنا. ولذلك نملأ حياتنا بالأسباب: المال، والعمل، والعلاقات، والخطط، والمهارات، والنفوذ، حتى نشعر أننا قادرون على الإمساك بشؤوننا. وكل ذلك مطلوب، بل هو من سنن الحياة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الأسباب في وعينا من وسائل إلى مصادر أمان مطلق، ثم يأتي المرض ليعيد الأشياء إلى مواضعها.
تظل الأسباب أسبابًا، لكنك تعرف أنها ليست الآلهة الصغيرة التي كنت تتكئ عليها دون أن تشعر.
الطبيب يبذل ما يستطيع، والدواء يؤدي دوره، والأجهزة تعمل، والأهل يحيطون بك، والأصدقاء يدعون لك، لكن شيئًا في أعماقك يدرك أن وراء كل هذه الأسباب قدرة لا يملكها أحد منهم. عندها لا تعود كلمة «يا رب» مجرد دعاء تقوله في أوقات متفرقة؛ تصبح أحيانًا خلاصة ما تبقى لك من الكلام.
يا رب، أنت أعلم بحالي.
يا رب، أنا لا أملك من أمري ما كنت أظن.
يا رب، رد إليّ عافيتي إن كان في العافية خير لي، واجعلني راضيًا بما تكتب، مؤمنًا بأن اختيارك لي أرحم بي من اختياري لنفسي، وهنا يتغير معنى الرحمة.
لم تعد الرحمة عندك كلمة تسمعها في المواعظ، بل صارت حاجة تعيش عليها. تفهم أن الإنسان يمكن أن تحيط به كل أسباب القوة، ثم يكون محتاجًا إلى رحمة الله أكثر من أي وقت مضى؛ لأن هناك أشياء لا يستطيع الإنسان أن يضمنها لنفسه مهما بلغ من القدرة.
وربما لهذا كان المرض، على قسوته، واحدًا من أكثر التجارب قدرة على إعادة الإنسان إلى حجمه الحقيقي.
ليس حجمه الاجتماعي، ولا حجمه المهني، وإنما حجمه الوجودي.
تدرك أنك مهما كبر اسمك، فأنت عبد. ومهما اتسعت علاقاتك، فأنت محتاج. ومهما بلغ رصيدك، فهناك أشياء لا تُشترى. ومهما أحكمت خططك، فهناك غد لا تعرف هل ستدركه أم لا.
والمفارقة أن هذه الحقيقة التي تبدو في ظاهرها قاسية، قد تكون من أكثر الحقائق تحريرًا للإنسان؛ لأنها تخلصه من عبء أن يكون قادرًا على كل شيء.
ليس مطلوبًا منك أن تتحكم في كل شيء.
ليس مطلوبًا منك أن تضمن المستقبل.
ليس مطلوبًا منك أن تمنع المرض، أو الفقد، أو تغير الأحوال.
المطلوب أن تفعل ما تستطيع، ثم تعرف لمن تترك ما لا تستطيع.
وحين يفهم الإنسان هذا المعنى، يتغير شيء عميق في طريقة عيشه.
فإذا عادت إليه عافيته، لن يرى صباحه كما كان يراه من قبل. لن يستيقظ وهو يعتقد أن يومًا جديدًا قد أضيف إلى رصيده، بل سيفهم أن يومًا جديدًا قد مُنح له. لن ينظر إلى أهله باعتبارهم جزءًا ثابتًا من حياته، بل باعتبارهم نعمًا قابلة للفقد تستحق أن تُصان قبل أن تتحول إلى ذكريات. ولن يضيع عمره كله في معارك صغيرة لمجرد أن كبرياءه طالبه بذلك.
فالذي اقترب من سرير المرض يعرف أن كثيرًا من الأشياء التي كانت تستهلك قلبه لم تكن تستحق،
والذي ذاق خوف الغد يعرف قيمة اليوم،
والذي شعر أنه قد يفقد صحته يعرف أن العافية ليست تفصيلًا،
والذي رأى الناس تتفرق عنه يعرف قيمة من بقي،
والذي أدرك عجزه يعرف، للمرة الأولى ربما بصدق كامل، معنى أن يكون الله هو الملجأ.
لهذا لا أظن أن السؤال الأهم بعد المرض هو: هل شُفيت؟
السؤال الأهم: ماذا فعلت بك التجربة؟
فقد يخرج إنسان من مرضه وقد عاد جسده إلى عافيته، لكنه يعود بالقلب نفسه، بالغرور نفسه، بالغفلة نفسها، وبالوهم نفسه أنه يملك غده.
وقد يخرج آخر من التجربة أقل قوة في جسده، لكنه أكثر قوة في بصيرته؛ عرف نفسه، وعرف الناس، وعرف الدنيا، وعرف أن الإنسان مهما اشتد عوده، وعلا شأنه، وكبر اسمه، يبقى في نهاية الأمر محتاجًا إلى رحمة الله أكثر من حاجته إلى كل ما جمعه في حياته.
وربما كان هذا هو الدرس الذي لا نحب أن نتعلمه، لكنه حين يأتي لا نستطيع أن ننساه:
أن الله قد يسلب منك شيئًا كنت تظنه حياتك، لا ليهدم حياتك، وإنما ليعيدك إلى الحياة التي كان ينبغي أن تعيشها من البداية.
الرابط المختصر هنا ⬇


