العرب في بريطانيا | حين تتوقّف عن مطاردة الكمال… تبدأ رحلتك الحقيقيّة

حين تتوقّف عن مطاردة الكمال… تبدأ رحلتك الحقيقيّة

حين تتوقّف عن مطاردة الكمال… تبدأ رحلتك الحقيقيّة
أميرة عليان تبلو يوليو 2, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

بدايةً، أجمل ما يمنح الإنسان الطمأنينة أن الله سبحانه وتعالى لم يكلّفه بأن يكون كاملاً، وإنما أمره بأن يجتهد ويستقيم ما استطاع. فالدين لا يقيس قيمة الإنسان بعدد أخطائه، ولكن بصدق توبته، وحسن سعيه، وإصراره على الإصلاح. وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلُّ بني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوابون». لذلك، لا ينبغي أن يتحول الخطأ إلى سجنٍ يعيش فيه الإنسان، الأفضل أن يتحوّل إلى درسٍ يعيده إلى الطريق، ويقرّبه من ربه، ويجعله أكثر تواضعاً ورحمة بنفسه وبالآخرين. فمن عرف أن الله ينظر إلى القلوب والنيات، وأن رحمته أوسع من تقصير العباد، عاش مطمئناً، يسعى إلى الأفضل دون أن يرهقه وهم الكمال.

 في مكانٍ ما داخل كل إنسان، تعيش نسخةٌ يتخيلها دائماً؛ نسخة أكثر حكمة، أكثر نجاحاً، أقل أخطاءً، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة. يلاحقها منذ طفولته، ويظن أنه كلما اقترب منها سيصل إلى تلك اللحظة التي يقول فيها: “ها أنا أصبحت كما يجب أن أكون.”

لكن تلك اللحظة لا تأتي؛ ليس لأن الإنسان عاجز عن التطور، ولكن لأن الصورة التي رسمها في ذهنه لم تكن يوماً صورة إنسان، كانت صورة كائن كامل. والكمال لم يكن يوماً صفة للبشر، كان فكرة اخترعها البشر ليعذبوا أنفسهم بها.

منذ الصّغر، ونحن نقارن أنفسنا بغيرنا؛ ننظر إلى من سبقنا فنشعر بالنقص، وإلى من تجاوزنا فنشعر بالتقصير، ثم نرفع سقف توقعاتنا عاماً بعد عام حتى يصبح الرضا عن الذات حلماً بعيد المنال. نريد أن ننجح بلا فشل، وأن نحبّ بلا خذلان، وأن نصيب في كل قرار، وأن نعبر الحياة دون أن تترك في أرواحنا ندبة واحدة.

لكن الحياة لا تُكتب بهذه الطريقة، الحياة رواية، وأجمل الروايات تلك التي خرجوا منها أكثر فهماً لأنفسهم.

ولهذا، فإن أفضل نسخة منك ليست التي لا تخطئ، أفضل نسخة تلك التي تعرف كيف تتعلم من الخطأ، وليست التي لا تسقط، وإنّما التي كلما سقطت نهضت وهي تحمل معها حكمة جديدة.

هناك فرق شاسع بين من يريد أن يكون كاملاً، ومن يريد أن يكون أفضل خُلقيّاً ودينيّاً، وأكثر قرباً من الله. الأول يعيش أسير الخوف؛ يخشى التجربة لأنه قد يفشل، ويخشى الاعتذار لأنه قد يبدو ضعيفاً، ويخشى الاعتراف بخطئه لأنه يظن أن قيمته ستسقط معه.

أما الثاني، فيفهم أن الإنسان يكبر كلما اعترف بجهله، ويقوى كلما واجه ضعفه، وينضج كلما قبل أن الحياة ليست مسابقة للكمال، ولكن رحلة طويلة من التعلم والسّعي لرضا الله. 

والمفارقة أن أكثر الناس راحة الأقل انشغالاً بفكرة الكمال..

إنهم يدركون أن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض، وأن بعض الخسارات كانت دروساً متنكرة، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجوههم كانت رحمة من الله عزّ وجلّ لم يفهموها إلا بعد سنوات.

ومن أكثر الأوهام التي تستنزف الإنسان، وهمُ إرضاء الجميع؛ يقضي سنوات طويلة يعدّل كلماته حتى لا يغضب أحد، ويغيّر مواقفه حتى ينال القبول، ويخفي أجزاء من شخصيته حتى يبدو كما يريده الآخرون. يبتسم حين لا يرغب بالابتسام، ويوافق حين كان عليه أن يرفض، ويعتذر حتى عن الأشياء التي لم يرتكبها، ثم يكتشف بعد كل هذا التعب أن الناس لا يجتمعون على شخص واحد، وأن رضاهم غاية لا تُدرك.

فلكل إنسان ميزانه، ولكل قلب توقعاته، ولكل عين زاوية ترى منها العالم. وما يراه أحدهم فضيلة، قد يراه آخر نقصاً، وما يمدحك عليه شخص اليوم، قد ينتقدك عليه غداً.

لذلك، فإن من يجعل رضى الناس أولى من رضى الله وهدفاً لحياته، سيقضي عمره يركض خلف سراب لا نهاية له.

أما من جعل هدفه أن يكون صادقاً مع الله، وبعدها مع نفسه، وأن يقلل أخطاءه، وأن يحسن خلقه، وأن ينام كل ليلة وهو يعلم أنه لم يظلم أحداً، فقد بلغ سلاماً لا تمنحه تصفيقات الناس.

ولا يعني هذا أن نهمل آراء الآخرين، ولكن ألا نجعلها القاضي الوحيد على قيمة حياتنا.

فالإنسان الذي يفعل ما بوسعه لإرضاء الله ويعرف نفسه لا يحتاج في كل صباح إلى شهادة قبول من العالم.

إنه يعرف أنه سيصيب مرة، ويخطئ مرات، وسينجح أحياناً، ويتعثر أحياناً أخرى، لكنه لا يسمح لعثراته أن تعرفه، ولا لنجاحاته أن تغره.

إن أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه هو أن يحاسبها على ما ليس في طاقتها. أن يطلب منها الكمال، بينما هي خُلقت لتنمو لا لتكتمل، ولتتعلم لا لتولد عالمة بكل شيء.

فكل يوم يمنحنا فرصة جديدة لنكون أكثر حلماً، وأكثر صبراً، وأكثر رحمة وقرباً من الله. ليس لأننا أصبحنا كاملين، بل لأننا أصبحنا أكثر وعياً بأن النقص جزء من طبيعتنا، وأن الاعتراف به ليس ضعفاً، فهو بداية القوة.

وفي نهاية المطاف، لن يتذكرك الناس لأنك لم تخطئ قط، ستُذكر لأنك كنت إنساناً حقيقياً. لأنك حين أخطأت استغفرت الله، وعدّلت، وحين سقطت نهضت، وحين امتلكت القوة لم تتكبر، وحين استطعت أن تؤذي، اخترت أن تعفو.

لهذا، إذا سألت يوماً: كيف أصبح أفضل نسخة مني؟

فلا تبحث عن نسخة بلا عيوب، لأنها لن توجد.

ابحث عن نسخة أكثر صدقاً مع الله من الأمس، وأكثر حكمة من اليوم، وأقل غروراً من البارحة، وأكثر قدرة على الاعتراف بالخطأ قبل تبريره.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 31 يوليو 2026
الصبر ليس ضعفًا
𝕏 @alarabinuk · 31 يوليو 2026
أعلن رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام استعداد حكومته لتقديم الدعم الفني واللوجستي لإسبانيا لمواجهة الأزمة الأمنية والإنسانية المتفاقمة؛ وذلك في أعقاب نجاح نحو 60 ألف مهاجر في اختراق الحدود الإسبانية قادمين من الأراضي المغربية خلال يوم واحد. وأكد بيرنهام أن…
𝕏 @alarabinuk · 31 يوليو 2026
هل سيتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للهيمنة وإدارة الأزمات؟ تكشف نيكول جينز أبعاد العلاقة الخطيرة بين إسرائيل وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وكيف تُسخّر هذه التكنولوجيا في إدارة الصراعات ونشر الفوضى عالميًا. #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 31 يوليو 2026
دعا رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو إلى الاستقالة من منصبه، احتجاجًا على المقترحات الداعية إلى بيع حصة في بطولة كأس العالم لشركات تجارية. وجاء موقف بيرنهام بعد يوم واحد فقط من إعلان الاتحاد…
عرض المزيد على X ←