العرب في بريطانيا | دول عربية تقف في طابور مواطنيها

دول عربية تقف في طابور مواطنيها

دول عربية تقف في طابور مواطنيها
كرم نعمة يونيو 29, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

كان صديقي الثري نسبياً يتعاطف معنا، نحن أبناء الطوابير. نقف من أجل كل شيء تقريباً؛ من ركوب الحافلة، إلى الانتظار أمام عيادة طبيب الأسنان، إلى الطابور الملتف في متجر “الحاجة بجنيه”. لدينا دائماً ما نخدع به أنفسنا؛ نوفر شيئاً من المال، نؤجل الإنفاق، نواسي أنفسنا بأن الانتظار ثمن بسيط لحياة أقل كلفة.

أما هو، فلا يقف؛ يفضّل أن يدفع أكثر على أن يضع نفسه في طابور طويل. تلك رفاهية المال؛ أن تشتري وقتك، لا بضاعتك فقط. وهنا لا يتساوى الناس؛ فمن يملك المال يستطيع الهروب من طوابير الانتظار القاتلة، ومن يملك وقتاً أقل، أو يعمل في وظائف هشة، يدفع الثمن مضاعفاً من عمره، ومن أعصابه، ومن كرامته أحياناً.

لكن الطابور لم يعد مجرد سلوك اجتماعي أو تعبير عن “التحضر” واحترام الدور. الطابور، في عالم اليوم، تحوّل إلى معضلة سكانية واقتصادية وسياسية. الناس عالقة في الطوابير لأن الحكومات عاجزة عن تسهيل حياتهم، أو لأنها اختارت أن تدير عجزها عبر دفعهم إلى الانتظار.

هنا يرفع كاتبي المفضل تيم هارفورد الطابور من مستوى النكتة الاجتماعية إلى مستوى التشخيص الاقتصادي السياسي لوضع الدولة. يبدأ من بلده بريطانيا، حيث كان الطابور يوماً ما رمزاً للانضباط والاحترام، ليصبح اليوم مرآة للعجز. يكتب أن المملكة المتحدة لا تعاني من أزمات متفرقة، بل من نظام كامل من الطوابير المتشابكة؛ طوابير ظاهرة وأخرى مخفية، تحولت إلى طريقة شبه رسمية لإدارة الندرة والفشل في تقديم الخدمات العامة.

هذا في بلد متقدم، ديمقراطي، اجتماعي، ما زال – رغم كل شيء – ينظر إلى الطابور بعدالة نسبية، وفق فلسفة “من يأتي أولاً يُخدم أولاً”، وبثقافة تتفاخر بالانتظار الهادئ. فكيف تبدو الصورة في بلداننا العربية المسكينة، حيث لا الطابور عادل، ولا الانتظار محترم، ولا الدولة شفافة؟

في عالمنا العربي، تتحرك الطوابير ببطء شديد في البنوك والمؤسسات الحكومية، والمستشفيات والدوائر الخدمية. وغالباً ما تجد من يستغل الطابور في الغش والاحتيال والوساطة. كلما اقترب الواقف من المقدمة، اكتشف أن هناك طابوراً آخر داخل المتاهة، ورقة ناقصة، توقيع مفقود، ختم جديد، أو موظف “غير موجود حالياً”.

الانتظار لم يعد حالة استثنائية، بل بنية دائمة لإدارة الخدمات. المواطن لا ينتظر خدمة واحدة، بل يعيش داخل سلسلة من الطوابير. طابور على الراتب، طابور على الكهرباء، طابور على جواز السفر، طابور على سرير في المستشفى، وطابور أطول على فرصة عمل لا تأتي.
هكذا لم يعد الطابور أداة تنظيم في البلدان العربية، بل أداة إخفاء. يخفي عجز الدولة عن مواجهة الطلب المتزايد بقدرة حقيقية على العرض.
يخفي نقص الاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية. ويخفي، قبل ذلك وبعده، غياب الإرادة السياسية لمعالجة جذور الأزمة.

الطوابير لم تعد قصيرة ولا معقولة، بل ممتدة ومتشعبة. كثير من الطوابير أصبح غير مرئي. قوائم انتظار في المستشفيات لا تُعلن، وملفات متراكمة في المحاكم، وطلبات إسكان مجمدة، ومعاملات عالقة في الأدراج. المواطن العربي لا يرى طابوراً واحداً، بل يشعر أنه محاصر بنظام انتظار شامل، وأن حياته كلها مؤجلة إلى إشعار آخر.

والأخطر أن الطوابير هنا ترتبط بفكرة اقتصادية واضحة، فعندما لا تريد الحكومة أن ترفع الأسعار أو الضرائب أو تعترف بالعجز، فإنها تدير الندرة بالوقت لا بالمال؛ أي تجعل الناس يدفعون ثمن الأزمة من أعمارهم لا من محافظهم. بدلاً من زيادة الطاقة الاستيعابية، يتم توزيع الألم زمنياً عبر طوابير الناس تحت الشمس الحارقة، أو في ممرات المستشفيات، أو أمام أبواب الدوائر الحكومية.

بهذا المعنى، لا يصبح الطابور حادثاً جانبياً، بل خياراً سياسيّاً واقتصادياً، طريقة لتجنّب قرارات صعبة عبر دفع الناس إلى الانتظار. وبدلاً من الاعتراف بفشل السياسات، يتم تحويل الفشل إلى “وقت ضائع” في حياة المواطنين.

ومن رحم الطوابير تولد طبقة كاملة من الوسطاء والسماسرة والشركات الخاصة التي تبيع “حلولاً مدفوعة” لتجاوز الانتظار. من يملك المال يدفع ليتجاوز الطابور. من لا يملك، يبقى في الخلف، يتآكل وقته وكرامته.

هكذا يتحول الطابور من رمز لـ”العدالة المتحضرة” إلى رمز فاضح لعدم المساواة. فالانتظار لم يعد متساوياً: هناك من ينتظر في صالة مكيفة، وهناك من ينتظر تحت الشمس، وهناك من لا ينتظر أصلاً لأنه يحمل هاتفاً واحداً يختصر كل الطوابير.

ومع الوقت، لا يكتفي الطابور بإهانة الناس، بل يضعف الثقة في الدولة نفسها. حين يشعر المواطن أن كل شيء يحتاج إلى “طابور لا نهاية له”، تتآكل شرعية النظام السياسي.

فالعربي، في الأصل، لا يثق كثيراً بحكومته، ويرى فشلها وفسادها يومياً. وحين يضاف إلى ذلك شعور دائم بأنه عالق في طابور لا يتحرك، يصبح الغضب وقوداً جاهزاً لأي انفجار اجتماعي أو سياسي.

لذلك، لا يكفي أن نتحدث عن “تحسين الخدمات” أو “تطوير الأداء”. المطلوب أولاً أن تعترف الحكومات العربية بحجم الطوابير الحقيقي، بدلاً من إخفائه في أنظمة بيروقراطية معقدة، أو تبريره بخطاب إنشائي عن “الظروف” و”التحديات”. المطلوب أن تدرك أن إدارة الأزمات عبر الطوابير ليست حلاً، بل وصفة مؤكدة لمزيد من الاحتقان.

فطابور واحد يولّد آخر، وطوابير اليوم تلد طوابير الغد، حتى تصبح الدولة نفسها مجرد طابور كبير… يقف فيه الجميع، ولا يصل فيه أحد إلى المقدمة.
في النهاية، ليست الطوابير مجرد صفوف من البشر ينتظرون دورهم. إنها صفوف من الدول أيضاً. دول تقف خلف بعضها في طابور طويل اسمه العجز، تنتظر إصلاحاً لا يأتي، وتتقدّم خطوة واحدة كلما تراجعت شعوبها عشر خطوات.

الطابور العربي ليس أمام شباك خدمة، بل أمام مستقبل مؤجل كما في العراق اليوم حيث يقف المواطن في طابور الكهرباء، وطابور الجوازات، وطابور الدولة نفسها.

وما لم تدرك الحكومات أن الانتظار ليس سياسة، وأن الوقت ليس عملة يمكن سرقتها من أعمار الناس، فإن الطوابير ستستمر في إنجاب طوابير، حتى نصحو يوماً لنكتشف أن الدولة نفسها لم تعد سوى طابور كبير… بلا مقدمة وبلا نهاية.


 

اترك تعليقا