العرب في بريطانيا | كيف ترتق كرة القدم ما تمزّقه العنصرية في بريطانيا؟

كيف ترتق كرة القدم ما تمزّقه العنصرية في بريطانيا؟

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.08.17 AM
كرم نعمة يونيو 24, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

مع كلّ خطوةٍ تقترب بها عقارب الساعة من صافرة انطلاق مباريات كأس العالم، يدبُّ في أوصال الجزيرة البريطانية نوعٌ من “القلق الهوياتي” اللذيذ. في الحانات اللندنية، وشوارع كارديف، ومقاهي غلاسكو، لا تترقب الجماهير مجرد حدث رياضي عابر، بل تستعد لاختبار طقس اجتماعي فريد يتكرر كل أربع سنوات؛ حيث تُوضع “الهوية الوطنية” بكامل تعقيداتها على محك تسعين دقيقة.

هذه الأيام المونديالية بالذات، هي المناسبة الأنسب لتفكيك تلك الغواية الوجودية التي تسكن المستطيل الأخضر، الغواية التي تجعل من كرة القدم الساحة الأخيرة التي ترفض الامتثال لتراتبية رأس المال وجبروت السياسة، محولةً الجزيرة المثقلة بمرارات الانفصال والبريكست إلى مساحة لمعاينة ديمقراطية الأقدام والألوان.

على هذه العشبة الخضراء، وفي هذا التوقيت المشحون بالانتظار، يتلاشى الفارق الطبقي الذي تنحته الحياة اليومية بقسوة؛ إذ يذوب ابن الأحياء الخلفية الفقيرة كبوكيا ساكا، والمولود وفي فمه ملعقة من ذهب، كهاري كين، في زفير تعبٍ واحد، محكومين بذات القوانين الصارمة. هنا، لا تمنح الثروة صاحبها شبراً إضافياً، وتتحول الألوان والأعراق من مادة للفرز الاجتماعي والسياسي إلى خيوط نسيج في ثوب الهوية الجماعية الممتلئة بالحياة. إنها اللعبة التي تجمع الأضداد في شهقة فرح واحدة أو انكسار مشترك، معيدةً صياغة الوجود الإنساني في أبهى تجلياته العفوية.

يمتلك المنتخب الإنجليزي تشكيلة رائعة من نواحٍ عديدة، تعكس بوضوح تاريخ البلاد. فمن بين 26 لاعباً، كان لدى 20 منهم خيار تمثيل دولة أخرى بموجب قواعد الفيفا المتعلقة بالأصول. ثمانية منهم من أصول كاريبية، وعشرة من أصول أفريقية، وأربعة من أصول أيرلندية، وثلاثة من أصول اسكتلندية. ومن بين اللاعبين الـ 26، لا يتحدر سوى ستة فقط من أصول إنجليزية خالصة. ولسوء الحظ لا يوجد بينهم لاعب من أصول عربية! لا يمكن تفسير هذا على أنه نوع من أنواع الخيانة أو استغلال المهاجرين، أو أيّ توصيف مباشر، إلا بتجاهل متعمد للتاريخ. فهي في الواقع صورة دقيقة لماهية إنجلترا في الماضي والحاضر.

هذا السحر السوسيولوجي، الذي يتجلى بوضوح مع حمى المونديال الحالية، هو ما قاد الكاتب سايمون كوبر، عبر ثلاثيته الفكرية عن كرة القدم “حمى كأس العالم” و “كرة القدم ضد العدو” و “اقتصاديات كرة القدم”، إلى تفكيك هذه اللعبة بوصفها المرآة الحقيقية التي تعكس كيف ترى الأمم أنفسها.

يرى كوبر الذي يكتب مقالاً أسبوعياً في صحيفة “فايننشيال تايمز” أن كرة القدم ليست مجرد تسلية عابرة، بل قوة ناعمة تملك قدرة أسطورية على صهر التناقضات؛ فالجمهور البريطاني الذي قد ينقسم بحدة أمام صناديق الاقتراع، يتوحد خلف قميص واحد في المدرج، ليصبح الهتاف المشترك بمثابة صك غفران وتصالح مؤقت مع الذات الوطنية، حيث تتحول المدرجات إلى مصنع يعيد تدوير الهويات الوطنية القديمة لينتج منها هوية متصالحة مع تنوعها.

وفي غمرة هذا الرهان المونديالي الذي نعيشه اليوم، تتبدى بريطانيا أمام الشاشة بكامل إشكالاتها التاريخية والسياسية، لكن في قالبٍ فريد يمنحها تميزاً استثنائياً؛ فهي البلد الوحيد الذي سمح له “الفيفا” بأن يشارك بأربعة منتخبات دولية تنضوي جميعها تحت اسم بريطانيا العظمى، في مفارقة عجيبة توحد في التعدد.

هذه الأمة التي تبدو في دهاليز السياسة وجلسات البرلمان مثقلة بنزعات الانفصال والخصوصية القومية والعنصرية، تجد في المونديال الساحة الكبرى لتجريب “الائتلاف السيكولوجي”. وحين نستحضر في هذه الأجواء نتائج منتخب ويلز التاريخية في بطولة أمم أوروبا عام 2016، الذي وصل الى نصف النهائي، ندرك كيف يمكن لـ “المعجزة الويلزية” أن تتحول إلى طاقة إلهام وفخر تحظى بتشجيع البريطانيين جميعاً، متجاوزةً حدود الجغرافيا القومية الضيقة لتصنع لحظة تلاحم وجداني عجزت خطابات الساسة الجافة عن ملامسته.

ولأن الملعب في زحمة كأس العالم الحالية هو مسرح الحياة المصغر، يعود إلى الأذهان الإرث الفكري والأخلاقي الذي تركه مدرب إنجلترا السابق غاري ساوثغيت في كتابه “عزيزتي إنجلترا: دروس في القيادة“. لم يتحدث ساوثغيت كتقني تكتيكي فحسب، بل كمصلح اجتماعي واجه شياطين العنصرية التقليدية بوجه مكشوف، وهي المواجهة التي تتجدد أسئلتها مع كل بطولة كبرى.

لقد نجح في تقويض المفهوم العنصري المتربص باللاعبين السود، مدافعاً بلغة فلسفية عميقة عن فكرة أن الموهبة والالتزام بالقميص هما المعيار الأوحد للمواطنة الحقيقية.

لقد أوقف ساوثغيت ذلك السعار الذي كان يترصد بالملونين عند كل إخفاق، ليثبت أن هذا الفريق، بتنوعه العرقي والجمالي، هو الصورة الحقيقية لبريطانيا الحديثة؛ بريطانيا الشجاعة التي لا تخاف مستقبلها المتعدد، بل تراه مصدر قوتها الأخلاقية.

إنها المفارقة الجمالية التي تجعل من قميص المنتخب في هذا المونديال صك قبول يتجاوز العرق؛ فالعنصري الذي قد يضيق ذرعاً بالمهاجر في الشارع اليوم، قد يقدسه ويهتف باسمه داخل الملعب غداً إذا ما هز الشباك، في تحول سيكولوجي مذهل يثبت أن العشبة الخضراء قادرة، في هذه اللحظة الكونية، على رتق ما تمزقه السياسة، وتفسده الأيديولوجيا والحرب الثقافية.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 24 يونيو 2026
R to @AlARABINUK: تقرير هام بانتظارك: https://alarabinuk.com/?p=232764
𝕏 @alarabinuk · 24 يونيو 2026
كشف تقرير خاص لصحيفة "آي" البريطانية أن أندي بيرنام، المرشح القوي لرئاسة الوزراء، يدرس جديًّا تخفيف وطأة التعديلات القانونية القاسية التي تسعى وزيرة الداخلية شابانا محمود لفرضها، حيث تشير التوقعات والمداولات خلف الكواليس إلى أن المقربين منه يتوقعون منه إجراء…
𝕏 @alarabinuk · 24 يونيو 2026
عزة نفس تُدرَّس.. وأمانة تجسد معنى الكرامة الفلسطينية.. في وقت تعيش فيه عائلته تفاصيل نزوح مريرة تحت القصف وفي خيمة متهالكة بقطاع غزة، سطر الشاب الفلسطيني "زكريا سالم"، المقيم في اسكتلندا، موقفًا إنسانيًّا نبيلًا يفيض بالنزاهة والشرف. زكريا عثر على…
𝕏 @alarabinuk · 24 يونيو 2026
لحظات تحبس الأنفاس.. سيارة دفع رباعي تقتحم الرصيف وتدهس المارة قرب محطة "أبتون بارك" في لندن وثقت كاميرات المراقبة تفاصيل مرعبة لحادث وقع ظهر السبت الماضي في شارع "جرين ستريت" المزدحم بشرق لندن؛ حيث اجتاحت مركبة دفع رباعي الرصيف بسرعة…
عرض المزيد على X ←