العرب في بريطانيا | هل تنجح الحملات الإعلانية في تعويض النقص البشري...

هل تنجح الحملات الإعلانية في تعويض النقص البشري الحاد في الجيش البريطاني؟

هل تنجح الحملات الإعلانية في تعويض النقص البشري الحاد في الجيش البريطاني؟
فريق التحرير يونيو 20, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في شوارع المدن البريطانية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي محطات القطارات والحافلات، تتصدر إعلانات الجيش البريطاني تحت شعار «كن الأفضل» المشهد الدعائي الحكومي، في محاولة واضحة لاستقطاب جيل جديد من المجندين إلى القوات المسلحة. لكن خلف هذه الحملة التسويقية واسعة النطاق تقف أزمة أعمق تتعلق بتراجع أعداد العسكريين، وارتفاع تكاليف الدفاع، وتصاعد التهديدات الأمنية العالمية، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة بريطانيا على الحفاظ على مكانتها العسكرية التقليدية كإحدى أبرز القوى المسلحة في العالم.

وتأتي هذه الجهود في وقت تعتبر فيه الحكومة البريطانية أن المملكة المتحدة تواجه أخطر بيئة أمنية منذ نهاية الحرب الباردة، مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتنامي التهديدات السيبرانية، واحتدام المنافسة العسكرية والتكنولوجية بين القوى الكبرى.

لماذا أطلق الجيش البريطاني حملة «كن الأفضل»؟

Decline and fall of the British Army

أطلقت القوات المسلحة البريطانية حملة «كن الأفضل» بهدف تغيير الصورة التقليدية للخدمة العسكرية، والتركيز على ما توفره المؤسسة العسكرية من فرص مهنية وتدريب تقني وتطوير شخصي.

وتعتمد الحملة على مخاطبة الشباب بلغة مختلفة عن الحملات العسكرية التقليدية، إذ تركز على المهارات التقنية والقيادية وفرص التعليم والتأهيل المهني، في محاولة لجذب فئات جديدة من المتقدمين، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية الحديثة.

وتؤكد وزارة الدفاع البريطانية أن طلبات الالتحاق بالقوات المسلحة شهدت تحسناً خلال العامين الماضيين، إلا أن هذا التحسن لا يزال أقل من المستوى المطلوب لتعويض النقص المتراكم في أعداد العسكريين.

أزمة بشرية تتفاقم

Ex-UK chief of general staff says there are not enough soldiers to be sent  to Ukraine | Известия

تمثل القوى البشرية أحد أكبر التحديات التي تواجه الجيش البريطاني حالياً؛ فخلال العقود الماضية، شهدت القوات المسلحة البريطانية سلسلة من عمليات التقليص وإعادة الهيكلة بهدف خفض النفقات ورفع الكفاءة التشغيلية، إلا أن هذه السياسة تركت آثاراً واضحة على حجم القوات.

ويبلغ عدد أفراد القوات المسلحة البريطانية النظاميين والاحتياطيين نحو 180 ألف فرد، فيما يقدر عدد أفراد الجيش البريطاني النظامي بأقل من 75 ألف جندي، وهو مستوى يعد من الأدنى منذ أكثر من قرنين.

ولا تكمن المشكلة في التجنيد فقط، بل أيضاً في الاحتفاظ بالعسكريين ذوي الخبرة، إذ تواجه القوات المسلحة منافسة قوية من القطاع الخاص الذي يقدم رواتب أعلى وساعات عمل أكثر استقراراً.

كما أن تغير أولويات الأجيال الجديدة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الحماس للخدمة العسكرية مقارنة بالماضي، كلها عوامل ساهمت في تعقيد جهود التجنيد.

عالم أكثر خطورة وجيش أصغر

US general warns British Army no longer top-level fighting force, defence  sources reveal : r/unitedkingdom

المفارقة التي تواجه لندن اليوم تتمثل في أن تراجع أعداد العسكريين يحدث في الوقت الذي تزداد فيه المخاطر الأمنية بصورة غير مسبوقة .فالحرب في أوكرانيا أعادت إلى أوروبا سيناريوهات كانت تعتبر من الماضي، وأثبتت أن الصراعات التقليدية واسعة النطاق ما زالت ممكنة. وهذا بالطبع هو التقدير الذي تتبناه الحكومة الحالية، كما يردده عدد من أوساط المعارضة واللوبيات الدفاعية، ومجمع الصناعة العسكرية.

وفي الطرف الآخر هناك من يقول أنّ هذه الأخطار يتم تضخيمها من أجل انفاق عسكري أكبر، والمحافظة على موقع بريطانيا الدائم في الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه تقول الحكومة إن تزايد الهجمات السيبرانية التي تستهدف المؤسسات الحكومية والبنية التحتية الحيوية، وما تشهده منطقة الشرق الأوسط من توترات مستمرة قد تؤثر مباشرة على المصالح البريطانية. لكن بالطبع الهجمات السيبرانية ممكن معالجتها بالمزيد من الإنفاق المدني، عبر الشركات الخاصة والجامعات والشراكة مع مؤسسات أمنية أوروبية، وهذا الأمر حاصل منذ سنوات، كما تتابع لندن بقلق تنامي القدرات العسكرية الصينية والتطورات الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي أصبحت جزءاً مهماً من الحسابات الاستراتيجية البريطانية. لذلك تؤكد المراجعة الاستراتيجية للدفاع أن بريطانيا تحتاج إلى قوات أكثر جاهزية وسرعة في الانتشار، وقدرة على خوض حروب متعددة المجالات تشمل البر والبحر والجو والفضاء الإلكتروني في آن واحد في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط.

استقالة جون هيلي وتعيين دان جارفيس

تحليل: تمرد في وزارة الدفاع البريطانية.. أم استغلال للحظة ضعف ستارمر؟
دان جارفيس

أضافت التطورات السياسية الأخيرة بعداً جديداً للنقاش حول مستقبل القوات المسلحة البريطانية.

ففي يونيو 2026، استقال وزير الدفاع السابق جون هيلي بعد خلافات داخل الحكومة بشأن حجم الإنفاق العسكري المطلوب خلال السنوات المقبلة. ووفقاً لتقارير سياسية بريطانية، تمحورت الخلافات حول سرعة زيادة الإنفاق الدفاعي ومدى قدرة الحكومة على توفير الموارد اللازمة لتنفيذ خطط تحديث القوات المسلحة. وعقب الاستقالة، تم تعيين دان جارفيس وزيراً للدفاع، وهو ضابط سابق في الجيش البريطاني ووزير أمن سابق، ما اعتبره كثير من المراقبين محاولة لإعادة الثقة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية. ويواجه جارفيس مهمة صعبة تتمثل في تحقيق التوازن بين الضغوط الاقتصادية الداخلية، ومتطلبات تعزيز القدرات العسكرية في ظل بيئة دولية تزداد تعقيداً.

كم تنفق بريطانيا على الدفاع؟

تعد المملكة المتحدة من أكبر المنفقين عسكرياً في أوروبا والعالم.

ووفق الخطط الحكومية الحالية:

  • تجاوز الإنفاق الدفاعي البريطاني 60 مليار باوند خلال السنة المالية 2024-2025.
  • ارتفع إلى أكثر من 62 مليار باوند خلال 2025-2026.
  • من المتوقع أن يتجاوز 73 مليار باوند بحلول 2028-2029.
  • تستهدف الحكومة رفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة.
  • كما يجري الحديث عن إمكانية الوصول إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي إذا استمرت التهديدات الأمنية الحالية.

ويذهب جزء كبير من هذه الأموال إلى تحديث القوات النووية، وتطوير سلاح الجو، وبناء السفن الحربية، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والاستثمار في القدرات السيبرانية والتكنولوجية.

كيف تقارن موازنة الدفاع البريطانية بالدول الكبرى؟

More U.S. troops deploying to Europe, Guard leaving Ukraine > National  Guard > Guard News - The National Guard

رغم ضخامة الموازنة العسكرية البريطانية، فإن الفجوة ما زالت كبيرة مقارنة بالقوى العسكرية الكبرى.

الولايات المتحدة: تتصدر الولايات المتحدة العالم بإنفاق دفاعي يتجاوز 900 مليار دولار سنوياً، وهو ما يعادل أكثر من عشرة أضعاف الإنفاق البريطاني تقريباً.

الصين: تأتي الصين في المرتبة الثانية عالمياً بإنفاق يقدر بأكثر من 240 مليار دولار سنوياً، مع استمرار الزيادة السنوية في الموازنة العسكرية.

روسيا: رغم العقوبات الغربية، ارتفع الإنفاق العسكري الروسي إلى أكثر من 140 مليار دولار سنوياً نتيجة الحرب في أوكرانيا.

ألمانيا: تجاوز الإنفاق الدفاعي الألماني 90 مليار دولار، مدفوعاً بخطة إعادة تسليح واسعة أطلقتها برلين بعد الحرب الأوكرانية.

فرنسا: تنفق فرنسا نحو 65 إلى 70 مليار دولار سنوياً على الدفاع، مع استمرار برامج تحديث القوات النووية والبحرية والجوية.

ومع ذلك.. فإن الانفاق العسكري لا يمكن حسابه عبر الحساب في الميزانية السنوية، فالتكلفة التصنيعية والمواد الأولية إضافةً إلى هيكلية الشركات المصنعة، إن كانت خاصة أو عامة، والقاعدة التصنيعية وحجمها يؤثر على تراتبية الإنفاق العسكري الحقيقية، فقد تنفق الصين ربع ماتنفقه الولايات المتحدة سنوياً إلا أن الناتج من معدات وأفراد قد يفوق ما ينشر عن الولايات المتحدة.

المملكة المتحدة: يتراوح الإنفاق البريطاني حالياً بين 80 و85 مليار دولار تقريباً بحسب سعر الصرف، ما يجعلها ضمن أكبر عشرة منفقين عسكرياً في العالم.

أين يقف الجيش البريطاني بين أقوى جيوش العالم؟

هل تنجح الحملات الإعلانية في تعويض النقص البشري الحاد في الجيش البريطاني؟

رغم تحديات التجنيد والتمويل، لا يزال الجيش البريطاني يحتفظ بمكانة متقدمة عالمياً. وتضعه معظم المؤشرات العسكرية الدولية ضمن المراكز العشرة الأولى، وغالباً بين المرتبتين الخامسة والسابعة عالمياً.
وتستند هذه المكانة إلى مجموعة من عناصر القوة الرئيسية:

  • امتلاك سلاح نووي استراتيجي.
  • عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي.
  • أسطول بحري متقدم يضم حاملتي الطائرات «الملكة إليزابيث» و«أمير ويلز».
  • مقاتلات متطورة من طراز إف-35 وتايفون.
  • قوات خاصة تعد من بين الأفضل عالمياً.
  • شبكة قواعد وانتشار عسكري عالمي.
  • دور محوري داخل حلف شمال الأطلسي.

لكن عدداً من الخبراء يحذرون من أن استمرار تراجع أعداد الأفراد قد يؤثر مستقبلاً على قدرة بريطانيا على الاستفادة الكاملة من هذه القدرات المتقدمة.

هل تكفي الحملات الإعلانية وحدها؟

يرى معظم الخبراء العسكريين أن الحملات الإعلانية، مهما بلغت جودتها، لا يمكنها بمفردها حل أزمة التجنيد.
فنجاح أي حملة استقطاب يعتمد على عوامل أخرى تشمل:

  • تحسين الرواتب والحوافز.
  • توفير مساكن وخدمات أفضل للعسكريين.
  • تسريع إجراءات القبول والتدريب.
  • تحسين ظروف الخدمة.
  • تعزيز فرص التطور المهني بعد انتهاء الخدمة العسكرية.
  • معالجة مشكلة مغادرة العسكريين ذوي الخبرة.

وبالتالي، فإن حملة «كن الأفضل» قد تنجح في رفع مستوى الاهتمام بالخدمة العسكرية وزيادة طلبات الالتحاق، لكنها لن تكون كافية وحدها لمعالجة أزمة تراكمت على مدى سنوات طويلة.

والسؤال الآن: هل ممكن أن تسعى بريطانيا إلى التجنيد من دول أخرى كما فعلت الولايات المتحدة خلال غزو العراق عام 2003 لتعويض النقص فقد كان حوالي 3 بالمئة من غير الأمريكيين يخدمون في الجيش، أي حوالي 32 ألف جندي، وبالطبع هذا الامر قد يواجه تحديات ومعارضة كبيرة في بريطانيا بسبب تصاعد دور اليمين في الحياة السياسية.

مستقبل الجيش البريطاني

British Army Reserves deploy to Oman for initial training

يقف الجيش البريطاني اليوم أمام مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث. فمن جهة، تسعى الحكومة إلى تعزيز قدراته العسكرية ورفع الإنفاق الدفاعي لمواجهة عالم أكثر اضطراباً. ومن جهة أخرى، تواجه المؤسسة العسكرية تحديات تتعلق بتراجع أعداد الأفراد وارتفاع تكاليف التحديث العسكري.

ولذلك، فإن نجاح بريطانيا في الحفاظ على مكانتها كإحدى أبرز القوى العسكرية في العالم لن يتوقف فقط على حجم الإنفاق أو نوعية الأسلحة الحديثة، بل على قدرتها أيضاً على استقطاب الكفاءات البشرية والحفاظ عليها.

ومع كل هذه التحديات يجب عدم اغفال بعض العوامل المهمة التي تجعل بريطانيا على الرغم من ضعف قدراتها العسكرية أو استعدادها الحالي قوة كامنة كبيرة لعوامل عدة ( مثلا لا تملك بريطانيا اليوم إلا 280 دبابة ثقيلة .. قارن هذا الرقم ب حوالي 5000 دبابة روسية عاملة حديثة او قديمة في المخازن و 4600 دبابة أمريكية ثقيلة من طراز ابرامز إم 1) منها:

أولا: القدرات والخبرات التكنلوجية إضافة إلى القاعدة الصناعية الكبيرة التي من الممكن أن ترفد الالة العسكرية بالذخائر والمعدات إذا دعت الحاجة.

ثانياً: المخزون البشري الكبير،فبريطانيا في حروبها العالمية السابقة حشدت مايقرب من 13 بالمئة من السكان للمشاركة في جبهات القتال .. وبحسابات اليوم فقد يتراوح هذا الأمر إذا دعت الحاجة الى مايقرب من 9 ملايين جندي.

ثالثاً: بريطانيا تعتبر قوة عالمية نووية كبيرة وهي تعتمد في هذا على سلاح الغواصات النووية من طراز فانغارد التي تبقى في أعالي البحار لتشكل عامل ردع نووي من الصعب على العدو تحديد موقعها.

رابعاً: بريطانيا تعتمد على الأحلاف العسكرية مع دول صديقة وعلى قدرات هذه الدول العسكرية .. فمجموعة حاملة الطائرات البريطانية عندما تكون في مهمة ترافقها سفن حماية وامداد من دول حليفة كنيوزلندا واستراليا وهولندا..
لكن مع كل هذه القدرات الكامنة يبقى السؤال الذي تطرحه حملة «كن الأفضل» مفتوحاً: هل تستطيع الإعلانات جذب ما يكفي من المجندين لإنقاذ الجيش البريطاني من أزمة الأفراد وماهي الحلول لسد هذا العجز، أم أن المشكلة أعمق من أن تُحل بحملة تسويقية مهما بلغت قوتها؟


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 20 يونيو 2026
R to @AlARABINUK: للمزيد من التفاصيل: https://alarabinuk.com/?p=231729
𝕏 @alarabinuk · 20 يونيو 2026
كارثة قطارات تُفجع بريطانيا.. وموجة حر قياسية تقترب من المدن. 🚨 لخصنا لك أبرز القضايا التي شغلت الشارع البريطاني خلال الـ 24 ساعة الماضية👇🏻 للمزيد من التفاصيل, الرابط في أول تعليق ⬇️ #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 20 يونيو 2026
في أمسية امتزجت فيها الشهادات القانونية بالقصص الإنسانية المؤلمة، والقراءات السياسية بالنداءات الأخلاقية الملحّة، تحولت ندوة التضامن مع الأسرى والرهائن الفلسطينيين التي استضافها مدرج الخليلي في جامعة SOAS بلندن مساء الجمعة 19 يونيو، إلى مساحة مفتوحة لكشف جانب من الحرب…
𝕏 @alarabinuk · 20 يونيو 2026
هل تعيش في بريطانيا وتفكر في مستقبلك بعد التقاعد؟ 🤔 في حلقة جديدة من برنامج #مستشارك_في_بريطانيا، يشرح المستشار المالي المستقل ياسر الدين كل ما تحتاجه لمعرفة شروط استحقاق راتب التقاعد، وعدد السنوات التي تحتاجها لدفع التأمين الوطني في بريطانيا لتستحق…
عرض المزيد على X ←