تحليل: صندوق باندورا داخل حزب العمال
لم تفتح الهزيمة التي تعرّض لها حزب العمال في الانتخابات المحلية باب الصراع على خلافة كير ستارمر فقط، بل أعادت فتح الأسئلة الكبرى التي ظن كثيرون أنها أغلقت منذ سنوات طويلة.
فجأة عاد توني بلير إلى قلب النقاش..
ليس كشخص، بل كفكرة.
محاكمة توني بلير من داخل حزب العمال
عادت محاكمة تراث توني بلير هذه المرة لا من خارج حزب العمال، بل من أحد أبرز الأسماء المطروحة لقيادة الحزب نفسه مستقبلًا. فآندي بورنام ، عمدة مانشستر الكبرى والمرشح المرتقب في دائرة ميكرفيلد، لم يهاجم حكومة ستارمر بقدر ما أعاد طرح السؤال الذي تجنب الحزب مناقشته لسنوات: ماذا لو كانت المشكلة في البليرية نفسها؟
هاجم بورنام سياسات بلير النيوليبرالية واتهمها إنها أدت إلى فشل اقتصادي واجتماعي واضح. حيث انخفضت مستويات المعيشة لملايين البريطانيين. ودافع عن تدخل أكبر للدولة لرفع مستويات المعيشة.
عاد السؤال حول البليرية، ذلك النموذج الذي أعاد تشكيل حزب العمال منذ التسعينيات، وأقنعه بأن طريقه إلى السلطة يمر عبر الوسط الاقتصادي، والتصالح مع السوق، والابتعاد عن التقاليد العمالية القديمة التي قامت على دور أكبر للدولة وتدخلها في الاقتصاد.
لثلاثة عقود تقريبًا، بدت هذه القضية محسومة؛ فالبليرية لم تنتصر داخل حزب العمال فقط، بل أصبحت جزءًا من الإجماع السياسي البريطاني نفسه. وحتى عندما غادر بلير السلطة، لم تغادر أفكاره معها. تغيرت الوجوه والقيادات، لكن الاتجاه العام بقي كما هو.
صندوق باندورا
في الأسطورة اليونانية، كانت باندورا تحمل صندوقًا (أو جرة في بعض الروايات) طُلب منها ألا تفتحه. لكنها فتحته بدافع الفضول، فخرجت منه كل الشرور والمصائب التي أصابت البشر، ولم يبق في داخله سوى الأمل. يبدو ان الانتخابات المحلية قد فتحت صندوق باندورا لحزب العمال ولقياداته.
ما كشفته الانتخابات المحلية الأخيرة أن قطاعًا متزايدًا داخل حزب العمال لم يعد مقتنعًا بأن المشكلة تكمن في أداء الحكومة أو شعبية ستارمر وحدها. بل بدأ يتساءل عما إذا كانت المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
ففي الوقت الذي كان فيه آندي بورنام يهاجم البليرية، كانت بريطانيا تناقش ظاهرة “الجيل الضائع”، وأزمة الإسكان، وتراجع فرص الشباب، والضغوط المتزايدة على الخدمات العامة. هذه ليست ملفات منفصلة. بل لائحة اتهام واحدة للحزب وتوجهاته.
فالانتقاد الذي يوجهه خصوم البليرية اليوم لا يتعلق فقط بالسياسات التي اتبعتها، بل بالنتائج التي أنتجتها. وإذا كانت البليرية وعدت بأن النمو والانفتاح الاقتصادي سيقودان في النهاية إلى مجتمع أكثر ازدهارًا واتساعًا في الفرص، فإن خصومها من داخل حزب العمال يشيرون إلى واقع مختلف: شباب خارج التعليم والعمل، وصعوبة متزايدة في امتلاك السكن، وفوارق متنامية بين لندن وأجزاء واسعة من البلاد، وشعور متزايد بأن الصعود الاجتماعي أصبح أصعب مما كان عليه في السابق.
ولهذا لا يبدو الجدل الحالي مجرد خلاف بين أجنحة الحزب، إنه خلاف حول تفسير الأزمة البريطانية نفسها؛ فتيار يرى أن المشكلات الحالية ناتجة عن أزمات طارئة وسوء إدارة ويمكن معالجتها من داخل النموذج القائم.
وتيار آخر بدأ يطرح سؤالًا أكثر جذرية: ماذا لو كانت هذه المشكلات نتيجة طبيعية للنموذج نفسه؟
هنا تحديدًا تكتسب تصريحات بورنام أهميتها؛ فالرجل لا يهاجم ستارمر بقدر ما يطعن في الفكرة التي حكمت الحزب طوال جيل كامل. وهو لا يسأل لماذا خسر العمال انتخابات محلية، بل لماذا أصبحت بريطانيا، بعد عقود من النمو والإصلاحات والانفتاح، تناقش جيلاً ضائعًا وأزمة رفاه وتراجعًا في فرص الشباب.
من ميكرفيلد إلى مستقبل حزب العمال

ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية الانتخابات الفرعية المرتقبة في ميكرفيلد؛ فالمعركة هناك لا تتعلق فقط بمقعد برلماني أو بعودة بورنام إلى البرلمان في وستمنستر. إنها أول ساحة سياسية قد يظهر فيها هذا الصراع بصورة مباشرة: صراع بين من يرون أن حزب العمال يحتاج إلى تحسين إدارته للنموذج القائم، ومن يعتقدون أن الوقت حان لمراجعة النموذج نفسه.
أكثر من معركة قيادة
ولهذا قد لا تكون أهم نتيجة خلفتها الانتخابات المحلية هي إضعاف كير ستارمر؛ بل إعادة فتح الأسئلة التي اعتقد حزب العمال أنه حسمها منذ التسعينيات.
أسئلة تتعلق بدور الدولة، وحدود السوق، وطبيعة العقد الاجتماعي، والاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه بريطانيا خلال العقود المقبلة؛ فالأحزاب تستطيع تغيير زعمائها بسهولة. أما حين تبدأ في إعادة النظر في الأفكار التي أوصلتها إلى السلطة، فهذه ليست معركة قيادة عابرة، بل لحظة مراجعة سياسية قد تحدد شكل الحزب، وربما شكل السياسة البريطانية نفسها، لسنوات قادمة.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇