العرب في بريطانيا | وراء كل قدرٍ رحمة... وإن غابت عنا حكمتها

وراء كل قدرٍ رحمة… وإن غابت عنا حكمتها

وراء كل قدرٍ رحمة... وإن غابت عنا حكمتها
ريم العتيبي مايو 29, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لو كُشف للإنسان حجاب الغيب، ورأى عواقب الأمور كما يراها الله سبحانه وتعالى بعلمه وحكمته، لاختار لنفسه القدر الذي كتبه له سبحانه، دون أن يغيّر منه شيئًا. فكم من أمرٍ أبكى عينيه كان سببًا في نجاته، وكم من أمنيةٍ تعلّق بها قلبه، ثم لم تتحقق، فإذا بها بعد حين من أعظم مظاهر رحمة الله به، وكم من تأخيرٍ ظنه حرمانًا كان في حقيقته إعدادًا لعطاءٍ أجمل وأبقى. ولو علمت القلوب ما أعدّه الله لها خلف أبواب الصبر، وما ادّخره لها بعد مواسم الابتلاء، لذابت شوقًا إلى أقداره، ولأيقنت أن اختيار الله لعباده هو الأرحم والأحكم والأجمل دائمًا.

ومن هنا يبدأ المؤمن رحلته مع الرضا والتسليم، ذلك المقام العظيم الذي لا يعني غياب الألم أو انعدام الحزن؛ فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بقلبٍ يشعر ويتأثر ويتألم، لكنه أراد لهذا القلب أن يبقى معلقًا بحكمته ورحمته مهما اشتدت الظروف وتعاظمت المحن. فليس الإيمان أن نفهم كل ما يحدث لنا، وإنما أن نثق بأن الله يعلم ما لا نعلم، ويرى ما لا نرى، ويدبر لنا أمورنا بلطفٍ ورحمة تفوق إدراكنا المحدود.

إن من أعظم ما يسكب السكينة في القلوب المبتلاة أن تتأمل في أسماء الله وصفاته …. فهو الرحمن الرحيم، واللطيف الخبير، والكريم الوهاب. وما دام الله هو المدبر لأمر هذا الكون، فإن كل ما يجري فيه محكوم بحكمته ورحمته وعدله. قد يحزن الإنسان لفقدٍ ألمّ به، أو لفراقٍ أوجع قلبه، أو لحلمٍ طال انتظاره ثم لم يتحقق، لكنه مع مرور الأيام يكتشف أن وراء ذلك كله لطفًا إلهيًا خفيًا، وأن الله كان يدفع عنه من الشر ما لا يعلمه، أو يقوده إلى خيرٍ لم يكن ليدركه لولا ذلك الابتلاء.

لقد اعتدنا أن نقيس الخير بما نحب، وأن نقيس الألم بما نفقد، لكن ميزان الله أوسع وأشمل من إدراكنا المحدود.  نسمع الاية كثيرًا:  (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) وهي آية تختصر الكثير من حيرة الإنسان أمام الأقدار. فما أكثر الأشياء التي تمنيناها ثم أدركنا لاحقًا أن عدم حصولها كان رحمة، وما أكثر الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا ثم فتح الله لنا بعدها أبوابًا أجمل وأوسع وأقرب إلى سعادتنا الحقيقية.

وكرم الله سبحانه لا يُقاس بعطاءٍ مادي أو بنعمةٍ ظاهرة فحسب، بل يتجلى في كل تفاصيل حياتنا؛ يتجلى في النجاة التي لا نشعر بها، وفي المصائب التي صرفها عنا ولم نعلم بها، وفي القوة التي يمنحها لنا حين نظن أننا لم نعد قادرين على الاحتمال، وفي الطمأنينة التي يضعها في قلوبنا بعد طول اضطراب. إنه سبحانه الكريم الذي إذا أعطى أدهش، وإذا جبر كسرًا جعل صاحبه ينسى مرارة الألم، وإذا عوّض عبدًا صابرًا فتح له أبوابًا من الخير لم تكن تخطر له على بال.

والعوض الجميل ليس دائمًا أن تستعيد ما فقدت بعينه، أو أن يعود إليك ماغاب عنك كما كان. فالله سبحانه قد يختار لك عوضًا أعظم وأبقى؛ قد يعوضك يقينًا بعد حيرة، وطمأنينة بعد خوف، وقربًا منه بعد غفلة، ونورًا في القلب بعد ظلمة. وقد يمنحك من الرضا ما يجعلك تنظر إلى جراح الأمس بعين الامتنان، لا لأن الألم كان سهلًا، بل لأن الله أخرج منه خيرًا كثيرًا لم تكن تتوقعه.

ولهذا كان التسليم للقضاء والقدر من أعظم أبواب الراحة والسكينة. فالتسليم لا يعني الاستسلام للعجز، ولا يعني أن يكف الإنسان عن السعي والدعاء، بل يعني أن يبذل ما يستطيع ثم يرضى بما يقدره الله بعد ذلك، عالمًا أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه. إنها عبادة قلبية عظيمة تجعل الإنسان يعيش مطمئنًا مهما تبدلت الظروف، لأنه يعلم أن الأمر كله بيد الله، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.

إلى كل قلبٍ أثقله الانتظار، وإلى كل روحٍ أنهكها الفقد، وإلى كل من ضاقت عليه الدنيا بما رحبت: لا تيأس من رحمة الله. لا تظن أن دعاءك ضاع، أو أن دموعك لم تُرَ، أو أن تنهّداتك لم تُسمَع؛ فالله يسمع دبيب الألم في قلبك قبل أن تنطق به شفتاك، ويعلم ما تخفيه في أعماق روحك، ويكتب لك من اللطف والرحمة ما لا تدركه الآن.

ثق أن الأيام التي أبكتك قد تكون هي ذاتها التي تقودك إلى أعظم نعم الله، وأن الطريق الذي ظننته نهاية قد يكون بداية لمرحلة أجمل، وأن التأخير الذي أوجع قلبك قد يكون عين الرحمة، وأن المنع الذي أحزنك قد يكون باب النجاة. فما من قدرٍ يكتبه الله لعبده المؤمن إلا وفيه خير، إما خير يدركه في الدنيا، أو خير يدخره الله له في الآخرة، أو خير يعلمه الله وحده ويغيب عن الأبصار. يبقى اليقين أجمل ما يملكه المؤمن في مواجهة الحياة؛ يقينٌ بأن الله أرحم به من نفسه، وأعلم بمصلحته من علمه، وأكرم من أن يخذله إذا لجأ إليه، وألطف من أن يتركه وحده في شدائده. فإذا ضاقت بك الأيام، فتذكر أن وراء كل صبرٍ جميل عوضًا جميلًا، ووراء كل دمعةٍ صادقة جبرًا من الله، ووراء كل قدرٍ كتبه الله رحمةً عظيمة، وإن غابت عنا حكمتها اليوم.

فارْضَ بالله ربًا، وسلّم له أمرك، وأحسن الظن به دائمًا؛ فلو كُشف لك الغيب كله، لما اخترت لنفسك إلا ما اختاره الله سبحانه وتعالى لك، ولأدركت أن وراء كل قدرٍ رحمة… وإن غابت عنا حكمتها.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا