78 عامًا… وما زال المفتاح معلّقًا على حيطان الغربة
78 عامًا مرّت، وما زالت فلسطين تسكن القلب كجرحٍ لا يندمل، وكحكايةٍ لم يُكتب لها أن تنتهي. 78 عامًا، وما زالت الأمهات تحفظ أسماء القرى كما تحفظ أسماء أبنائها، وما زالت البيوت المهدّمة حيّةً في الذاكرة أكثر من كثيرٍ من المدن الحديثة. 78 عامًا مرّت، لكن الزمن لم يستطع أن يمحو رائحة البرتقال من يافا، ولا صوت البحر في حيفا، ولا خطوات الأطفال الذين خرجوا ذات خوفٍ ولم يعودوا.
لم تكن النكبة مجرّد حدثٍ عابرٍ في صفحات التاريخ، بل كانت اقتلاعَ روحٍ كاملةٍ من أرضها، وكسرَ قلبِ أمّةٍ بأكملها. كانت لحظةً تحوّل فيها الوطن من حضنٍ دافئ إلى صورةٍ معلّقةٍ في ذاكرة اللاجئين، ومن بيتٍ مليءٍ بالحياة إلى مفتاحٍ صدئٍ يتوارثه الأبناء جيلًا بعد جيل.

في عام 1948، لم يخرج الفلسطيني من بيته لأنه أراد الرحيل، بل خرج وهو يظن أن الغياب لن يطول، وأنه سيعود بعد أيامٍ قليلة ليجد قهوته دافئة، ونافذته مفتوحة، وزيتونته واقفةً تنتظر عودته. لكن الأيام تحوّلت إلى سنوات، والسنوات إلى عقود، وبقي الحنين أكبر من العمر نفسه.
كانت النكبة بدايةَ حكايةٍ طويلةٍ من الألم؛ أطفالٌ كبروا في المخيمات وهم يسمعون عن الوطن كما لو أنه أسطورةٌ مقدّسة، وشيوخٌ ماتوا وهم يردّدون أسماء قراهم الأخيرة كأنها الدعاء الأخير قبل الرحيل. كم من أمٍّ نامت وهي تخبئ دموعها حتى لا يراها أبناؤها؟ وكم من أبٍ حمل وطنه في قلبه بعدما عجز عن حمله بين يديه؟
فلسطين ليست قضيةً سياسيةً فقط، بل وجعٌ إنسانيٌّ عميق، وحكايةُ شعبٍ تعلّم كيف يصنع من الحزن صمودًا، ومن الرماد حياة. هي الأرض التي كلما حاولوا دفن صوتها، خرج من بين الركام طفلٌ يرفع العلم، أو أمٌّ تغني للعودة، أو شيخٌ يروي للأحفاد كيف كانت الطرقات تفوح برائحة الخبز والزيت والزيتون.

وما أقسى أن يكبر الإنسان وهو يحمل وطنًا لا يستطيع الوصول إليه، يحنّ إليه دائمًا، ويعيش عمره كلّه يبحث عن ذكريات بيتٍ رسمه في مخيلته. الفلسطيني لا يحمل فقط ذكريات النكبة، بل يحمل خوفَ الفقد المتكرر، ووجعَ الانتظار الطويل، وثقلَ الحنين الذي لا يهدأ.
ورغم كل شيء، لم تمت فلسطين في قلوب أهلها. بقيت حيّةً في الأغاني، وفي المطرّزات، وفي الحكايات التي ترويها الجدّات للأطفال قبل النوم. بقيت في صوت المؤذن، وفي رائحة التراب بعد المطر، وفي دموع العائدين إلى حدود الوطن وهم ينظرون إليه من بعيد، كمن ينظر إلى قطعةٍ من روحه.
78 عامًا مرّت… وما زال الفلسطيني يعلّم العالم معنى الصبر، ومعنى أن تتمسك بأرضك حتى وإن حاولوا اقتلاعك منها ألف مرة. وما زال المفتاح القديم شاهدًا على أن البيوت لا تنسى أصحابها، وأن الأرض تعرف أبناءها مهما طال الغياب.

ستبقى النكبة جرحًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية، وستبقى فلسطين الحكاية التي لا تموت مهما طال الزمان، لأن الأوطان الحقيقية لا تغادر الروح، ولأن الشعوب التي تحمل حقها في قلبها لا يمكن أن تُهزم مهما طال الليل.
تبقى فلسطين أكثر من اسم… تبقى وطنًا يسكن الأرواح، وقضيةً محفورةً في القلب، ودمعةً لا تجف، وأملًا لا ينطفئ، مهما مرّ من الوقت، ومهما اشتدّ الألم.
اللهمّ أبقِ فلسطين حيّةً في القلوب، واكتب لأهلها فرحًا يليق بصبرهم، وعودةً تليق بحجم الحنين الذي حملوه عمرًا كاملًا.
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇