العرب في بريطانيا | حين خذل العالم غزة… تمادت حتى القوارض عليها

حين خذل العالم غزة… تمادت حتى القوارض عليها

حين خذل العالم غزة… تمادت حتى القوارض عليها
ريم العتيبي مايو 13, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في غزة لم تعد الحرب أصوات ضواريخ وانفجارات، ولم تعد فقط جمع أشلاء، بل تحوّلت إلى حياةٍ كاملة من الخوف المستمر والمعاناة اليومية التي تطارد الناس حتى في أكثر تفاصيلهم بساطة.

هناك، لا ينام الأطفال مطمئنين؛ لا بسبب المياه التي أغرقت خيامهم، ولا بسبب البرد الذي اخترق أجسادهم الصغيرة، بل بسبب فئرانٍ تطاولت عليهم حين رأت وسمعت عن تخاذل العالم تجاههم.

فئرانٌ علمت أن الصواريخ والدبابات، والقصف والدمار حلّ بأهل غزة ولم يُنجدهم أحد، فتمادت بلا اكتراث. وهكذا، لم يعد الموت في غزة يأتي فقط من الطائرات والقصف، بل صار يتسلل أيضًا من بين الركام و الخيام على هيئة قوارض تنهش ما تبقّى من الشعور بالأمان.

بعد شهورٍ طويلة من القصف والدمار، أصبحت آلاف العائلات تعيش في ظروفٍ قاسية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية. أكوام النفايات، والمياه الملوثة، وانهيار البنية التحتية، خلقت بيئةً كارثية انتشرت فيها الفئران والحشرات بشكلٍ مخيف.

وفي الليل، حين يحاول الأطفال المنهكون أن يسرقوا لحظاتٍ قليلة من النوم، تبدأ معركةٌ أخرى؛ قوارض تتحرك فوق أجسادهم الصغيرة، تعضّهم، وتوقظهم مذعورين في خيامٍ لا تحمي من بردٍ أو خوف.

المؤلم في الأمر أن هذه المأساة ليست كارثةً طبيعية، بل نتيجة مباشرة لحربٍ طويلة وحصارٍ خانق دمّر كل شيء. العالم الذي شاهد الأبراج وهي تنهار فوق رؤوس المدنيين، وشاهد الأطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض، ما زال يقف عاجزًا أو صامتًا أمام معاناةٍ تتفاقم يومًا بعد يوم. وكأن أهل غزة مطالبون بأن يواجهوا الموت بكل أشكاله وحدهم؛ مرةً بصاروخ، ومرةً بالجوع، ومرةً بالغرق، ومرةً بالأمراض، وحتى بالقوارض التي وجدت في الخراب موطنًا جديدًا.

أيُّ إنسانيةٍ هذه التي تسمح لطفلٍ أن يخاف النوم لأنه قد يستيقظ على عضة فأر؟ وأيُّ ضميرٍ عالمي يستطيع أن يشاهد هذا المشهد ثم يواصل حياته كأن شيئًا لم يكن؟ لقد تعوّدنا على التخاذل حتى كدنا نظنّ أنه أمرٌ عادي. إن الكارثة في غزة لم تعد مجرد قصصٍ مؤلمة ونداءاتٍ للإنسانية، بل جراحًا يومية يعيشها بشرٌ حقيقيون حُرموا من أبسط حقوقهم: الأمان، والمأوى، والراحة.

الحرب لا تنتهي عندما يتوقف القصف، بل تستمر في تفاصيل الحياة التي تتحول إلى كابوسٍ دائم. لقد نجح العدو في استنزاف كل طاقتهم وتسليمهم لجميع أنواع الموت. غزة اليوم ليست فقط مدينةً مدمّرة، بل شاهدٌ حيّ على عالمٍ خذل الإنسانية حين كانت بأمسّ الحاجة إليها.


 

اترك تعليقا