ديكلاسيفايد: كيف استخدمت بريطانيا قوانين الإرهاب لقمع النشطاء المؤيدين لفلسطين؟
تشهد منظومة العدالة الجنائية في بريطانيا تحولًا مثيرًا للجدل يصفه مراقبون بأنه بالغ الخطورة، مع ترقب صدور أحكام من محكمة “وولويتش كراون” في 12 يونيو المقبل بحق أربعة من نشطاء منظمة Palestine Action، يُعاملون كـ”إرهابيين”، رغم أن هيئة المحلفين لم تُدنهم بأي تهم تتعلق بالإرهاب.
وتأتي هذه المحاكمة على خلفية قيام النشطاء (شارلوت هيد، وسامويل كورنر، وليونا كاميو، وفاطمة رجواني) بمداهمة مصنع أسلحة إسرائيلي في منطقة فيلتون بمدينة بريستول عام 2024.
ورغم أن المحكمة أدانتهم بتهمة “الضرر الجنائي” فقط (مع إدانة كورنر أيضًا بالأذى الجسدي غير العمد)، وتبرئة ناشطين آخرين هما زوي روجرز وجوردان ديفلين، إلا أن القاضي يملك الآن سلطة منفردة لإضافة “صلة إرهابية” إلى العقوبة، ما يحرم السجناء من ميزة قضاء 40% فقط من المدة، ويلزمهم بإنهاء العقوبة كاملة ما لم تقرر لجنة الإفراج المشروط غير ذلك بعد قضائهم ثلثي المدة، فضلاً عن ملاحقتهم بلقب “إرهابيين” لعقود بعد الإفراج عنهم.
الالتفاف على التعهدات البرلمانية وتعديلات 2021

يعود أصل الأزمة إلى “قانون الإرهاب الصادر عام 2000″، والذي وضع معايير فضفاضة تشمل العنف، وضرر الممتلكات، وتهديد السلامة العامة إذا كانت الأفعال تهدف للتأثير على الحكومة أو ترهيب الجمهور لدوافع سياسية أو أيديولوجية. وفي ذلك الوقت، طمأن وزير الداخلية جاك سترو، ومعه وزير الدولة تشارلز كلارك، البرلمان بأن هذه القوانين لن تُستغل ضد جماعات النشاط المدني المباشر مثل “غرينبيس” (Greenpeace) وأن الحظر لن يُفرض إلا في الحالات القصوى لحماية الأرواح.
لكن نقطة التحول الحقيقية حدثت عام 2021 عبر “قانون مكافحة الإرهاب وإصدار الأحكام”، الذي خفّض سقف المعايير بشكل غير مسبوق، وأتاح للادعاء العام إلصاق “الصلة الإرهابية” بأي تهمة جنائية عادية تتجاوز عقوبتها السجن لعامين، والأخطر من ذلك أن القرار بات يُتخذ من قبل القاضي بمفرده دون عرضه على هيئة المحلفين. وهي الخطوة التي عارضها حينها اللورد ماركس، محذراً من أنها تضرب أركان القانون الجنائي البريطاني الذي يمنع إدانة أي شخص دون أدلة علنية تخضع للمساءلة أمام هيئة محلفين.
حادثة فيلتون: كواليس الحظر الاستباقي وتوجيه التهم

ورغم أن هيئة الادعاء الملكية (CPS) تراجعت لاحقاً عن تهم الإرهاب المباشرة، إلا أنها أصرت على طلب إضافة “الصلة الإرهابية” إلى الأحكام الجنائية.
خط الـ 1 مليون باوند غير المعلن وتضخيم خسائر شركات الأسلحة

في المقابل، برزت علامات استفهام كبرى حول المعايير التي تعتمدها بريطانيا لتقدير متى يتحول الضرر الجنائي إلى عمل إرهابي. وعندما تم تفعيل قانون حرية المعلومات لمطالبة مكتب المدعي العام (AGO) وهيئة الادعاء الملكية (CPS) بتقديم التوجيهات القانونية والسياسات الداخلية المتبعة للتمييز في قضايا الاحتجاجات، رفض مكتب المدعي العام الإفصاح بحجة أن هذه الأوراق تخص مهامه السيادية كـ “مستشار قانوني رئيسي للحكومة”، بينما ادعت هيئة الادعاء أنها لا تملك أي وثائق بهذا الخصوص، مما يعني وجود “خطوط حمراء غير مرئية” تحركها السلطة دون رقابة شعبية.
ومع ذلك، تفيد التقارير المسربة بأن السلطات وضعت سقف “مليون باوند” من الخسائر كحد فاصل لاعتبار الاحتجاج عملاً إرهابياً، وهو تفسير تم تفصيله ومراجعته خصيصاً ضد الاحتجاج الداعم لفلسطين.
ففي مارس 2025، ركز تقرير “مركز تحليل الإرهاب المشترك” (JTAC) التابع للمخابرات الداخلية (MI5) في توصيته بحظر المنظمة على ثلاث حوادث فقط اعتبر أنها تسببت بأضرار تتجاوز مليون باوند، ومنها حادثة فيلتون.
واللافت أن التقرير طبق هذا المعيار بأثر رجعي على قضية منشأة شركة “تاليس” (Thales) الفرنسية في غلاسكو عام 2022، رغم أن إحاطة وزارية سرية عام 2023 ومجلس مكافحة الإرهاب الإسكتلندي عام 2025 أكدا بوضوح أن نشاط “بال أكشن” لا يرقى نهائياً للتصنيف القانوني للإرهاب.
وتتجه الأنظار الآن إلى منتصف شهر يونيو المقبل؛ فبعد ثلاثة أيام فقط من جلسة النطق بالحكم على النشطاء الأربعة في 12 يونيو، ستصدر محكمة الاستئناف في 15 يونيو حكمها النهائي الحاسم بشأن شرعية قرار حظر منظمة “بال أكشن” ككل، بعد أن قضت المحكمة العليا في وقت سابق ببطلانه وعدم قانونيته. وتظل الجهات الحكومية والأمنية ممثلة بهيئة الادعاء، ومكتب المدعي العام، وشرطة مكافحة الإرهاب، ممتنعة عن التعليق الرسمي على هذه المفارقات القضائية.
المصدر: declassifieduk
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇