العرب في بريطانيا | قضية «فيلتون 24» في بريطانيا: عندما يتحول التضا...

1447 رجب 25 | 14 يناير 2026

قضية «فيلتون 24» في بريطانيا: عندما يتحول التضامن مع غزة إلى اختبار للديمقراطية البريطانية

WhatsApp Image 2025-11-24 at 9.48.39 AM
فريق التحرير November 24, 2025

من خلف أسوار سجون بريطانية متفرقة، وبين جدران محكمة «ووليتش كراون كورت» المشددة الحراسة في لندن، يخوض 24 ناشطًا مؤيدون لفلسطين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في بريطانيا اليوم.

هؤلاء الناشطون، المعروفون إعلاميًّا باسم «فيلتون 24» (Filton 24)، يمضون مدة حبس مطوّلة بلا إدانة، وبعضهم بلا محاكمة حتى الآن، على خلفية عمل مباشر استهدف منشأة لشركة الأسلحة الإسرائيلية «إلبيت سيستمز» (Elbit Systems) في منطقة فيلتون قرب بريستول غرب إنجلترا، في سياق التضامن مع غزة ورفض ما يصفونه بـ«الإبادة» هناك. 

تأتي هذه القضية في لحظة سياسية ملتهبة؛ إذ تزامنَت مع قرار الحكومة البريطانية حظر حركة (Palestine Action) وتصنيفها «منظمة إرهابية»، ومع تشديد متدرّج في التعامل مع الاحتجاجات المناصرة لفلسطين في البلاد.

من فيلتون إلى قفص الاتهام: ما الذي حدث؟

تعود جذور القضية إلى الـ6 من أغسطس/آب 2024، حين نفّذ ناشطون مرتبطون بحركة (Palestine Action) عملية اقتحام جريئة لموقع بحثي وتصنيعي تابع لشركة «إلبيت سيستمز» في منطقة فيلتون (Filton) قرب بريستول.

بحسَب رواية الحملة التضامنية (Free the Filton 24) والتغطيات الإعلامية، قاد الناشطون شاحنة معدّلة تشبه سيارة سجن إلى داخل الموقع، ثم اتجهوا إلى مُعَدات عسكرية بينها طائرات مسيّرة صغيرة (quadcopter drones)، يُقال إن الجيش الإسرائيلي يستخدمها في غزة. وتتهمهم السلطات بإحداث أضرار تزيد قيمتها على مليون باوند في تلك الليلة وحدها.  

في ذلك اليوم، اعتقلت الشرطة ستة ناشطين في موقع العملية، لتبدأ بعدها سلسلة من المداهمات والاعتقالات في أنحاء مختلفة من بريطانيا: 

  • بعد أيام من الاقتحام، نُفِّذت مداهمات جديدة واعتُقل عدد إضافي من الناشطين.
  • في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، توسّعت الاعتقالات في إطار ما وُصف باستخدام صلاحيات «مكافحة الإرهاب»، فوصل عدد الموقوفين المرتبطين بالفعل نفسه إلى 18 شخصًا.
  • في يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2025، تلتها حملة اعتقالات جديدة رفعت العدد إلى 24 متهمًا في القضية ذاتها، ومن هنا ظهر توصيف «فيلتون 24» الذي تحمله الحملة اليوم.

الحملة ترى أن ما فعله هؤلاء ليس «تخريبًا»، بل «محاولة لتعطيل خط إمداد الأسلحة المستخدمة في الإبادة في غزة»، أما السلطات فتتعامل مع الحدث بوصفه اعتداءً خطيرًا على منشأة للصناعات العسكرية، يرقى -في توصيف الادعاء- إلى مستوى الأفعال ذات «الصلة الإرهابية».

تهم جنائية بملامح «إرهاب»

رغم أن السلطات استخدمت قوانين الإرهاب وصلاحياتها منذ اللحظة الأولى للاعتقال، من مداهمات فجرٍ إلى احتجاز مطوّل واستجوابات ومصادرة أجهزة، فإن التهم الرسمية التي يواجهها أعضاء «فيلتون 24» ليست تهمًا إرهابية مباشرة، بل تهمًا جنائية من قبيل:  

  • السطو المشدد (Aggravated Burglary)
  • الإتلاف الجنائي (Criminal Damage)
  • الإخلال بالنظام المصحوب بالعنف (Violent Disorder)

ومع ذلك، يؤكد الادعاء العام البريطاني أن هذه التهم تحمل «صلة إرهابية» (terrorism connection)، ما يفتح الباب -في حال الإدانة- لعقوبات أشد، سواء في طول الأحكام أو في شروط التنفيذ وملف السجل الأمني للمتهمين. 

منظمات حقوقية مثل (CAGE) ترى أن القضية تمثّل سابقة خطيرة في توسيع استخدام قوانين الإرهاب ضد ناشطي حركة تضامن، وأن تصنيف التهم بأنها «مرتبطة بالإرهاب» يسعى إلى ردع أي حراك مستقبلي يستهدف شركات السلاح المتعاملة مع إسرائيل. 

حبس احتياطي قياسي وإضرابات عن الطعام

من أكثر جوانب الملف إثارة للقلق من الناحية الحقوقية، طول مدة الحبس الاحتياطي التي قضاها المتهمون.

فبحسَب بيانات الحملة وتقارير صحفية، أمضى العديد من أعضاء «فيلتون 24» أكثر من سنة كاملة خلف القضبان على ذمة القضية، وبعضهم مهدّد بأن تصل مدة حبسه قبل المحاكمة إلى قرابة عامين، في حين أن الحدّ الزمني المتعارف عليه للحبس الاحتياطي في قضايا الجنايات أمام محاكم التاج في بريطانيا هو 182 يومًا (نحو ستة أشهر)، ما لم تُمنح المحكمة تمديدات استثنائية. 

يُحتجز المتهمون في عدة سجون، من بينها:

  • HMP Bronzefield (للسجينات واليافعات) في إنجلترا
  • HMP 𝖯𝖾𝗍𝖾𝗋𝖻𝗈𝗋𝗈𝗎𝗀𝗁
  • HMP New Hall في ويست يوركشاير
  • وسجون أخرى بينها Pentonville في لندن. 

وتنقل تقارير من داخل السجون عن المعتقلين وذويهم أن الكثير منهم صُنِّفوا فور دخولهم السجن بوصفهم «عالي الخطورة» (high-risk)، ووُضعوا تحت أنظمة رقابة مشددة تُستخدم عادة مع مرتكبي الجرائم العنيفة. وتتضمن الشكاوى:  

  • فترات حبس انفرادي متكررة
  • تقييد الزيارات والاتصالات الهاتفية
  • مصادرة الكوفية الفلسطينية بل وحتى حجاب بعض السجينات إذا حمل نقوش الكوفية
  • الإشارة المتكررة إليهم من قِبل بعض الحرّاس بوصفهم «إرهابيين».

هذه الظروف الصعبة دفعت عددًا من أعضاء «فيلتون 24» إلى تنفيذ إضرابات متتابعة عن الطعام منذ خريف 2025، بالتنسيق مع معتقلين آخرين مرتبطين بقضية أخرى تُعرف باسم (Brize Norton Five)، تتعلق بعمل مباشر استهدف طائرات عسكرية في قاعدة سلاح الجو الملكي في «برايز نورتون». 

في الـ20 من أكتوبر/تشرين الأول 2025، سُلّمت رسالة للحكومة البريطانية تُبلغها ببدء إضراب عن الطعام في السجون البريطانية؛ احتجاجًا على ما يصفه الناشطون بـ«سوء المعاملة المنهجي» و«التجريم السياسي للتضامن مع فلسطين». وتطالب الرسالة بـ: 

  • الإفراج عن المعتقلين أو الإفراج عنهم بكفالة في انتظار المحاكمة
  • تحسين ظروف الاحتجاز ووقف إساءة المعاملة
  • وقف استخدام تهمة «الصلة الإرهابية» في القضية
  • إغلاق مرافق «إلبيت سيستمز» في بريطانيا.

القضية حظيت باهتمام كتّاب وشخصيات ثقافية بارزة؛ من بينهم الروائية الإيرلندية سالي روني، التي وصفت أوضاع المعتقلين وظروف احتجازهم بأنها «انتهاك خطير لحقوق الإنسان»، وطالبت الحكومة البريطانية بالتجاوب مع مطالب الإضراب.  

بداية المحاكمات: ووليتش كراون كورت تحت الأضواء

بعد أكثر من عام على الاعتقالات الأولى، بدأت أولى محاكمات «فيلتون 24» في الـ17 من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 في محكمة ووليتش كراون كورت جنوب شرقي لندن، وهي محكمة ذات إجراءات أمنية مشددة ملاصقة لسجن بلمارش الشهير.  

تركّز المحاكمة الأولى على ستة من الناشطين الذين أُلقي القبض عليهم داخل منشأة «إلبيت» في فيلتون ليلة الـ6 من أغسطس 2024. وتشير تقارير قانونية وإعلامية إلى أن هذه المحاكمة قد تمتد لنحو عشرة أسابيع، على أن تُعقد محاكمتان إضافيتان لبقية المتهمين في إبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2026.  

خارج أسوار المحكمة، نظّمت الحملة التضامنية (Free the 𝖥𝗂𝗅𝗍𝗈𝗇24) ومعها منظمات مثل (CAGE) وناشطون من جامعات بريطانية وقفات ومسيرات دعم، وصفها بعض المشاركين بأنها «يوم تاريخي» في مسار التضامن مع فلسطين في بريطانيا. 

المشاركون رفعوا شعارات تندد بـ«محاكمة سياسية» و«تجريم التضامن مع غزة»، في حين نبّه متحدثون على أن ما يفعله الناشطون هو «محاولة لمنع إراقة مزيد من الدماء في غزة» وليس هجومًا على المدنيين في بريطانيا.  

في المقابل، تؤكد السلطات أن القضية لا تتعلق بالموقف السياسي من حرب غزة، بل بفعل جنائي استهدف منشأة عسكرية، وتؤكد التزامها -كما تقول- بـ«سيادة القانون وحماية الأمن العام» في مواجهة ما تصفه بـ«أساليب عدوانية» تمس الأمن الوطني.  

حظر “بال أكشن” وتشديد القبضة على الاحتجاج

قضية «فيلتون 24» لا يمكن قراءتها بمعزل عن تحوّل أكبر في التعامل الرسمي مع حركة التضامن مع فلسطين في بريطانيا خلال العامين الأخيرين.

ففي يوليو/تموز 2025، أعلنت الحكومة البريطانية حظر مجموعة (Palestine Action) وتصنيفها «منظمة إرهابية»، وهو قرار صادق عليه البرلمان، وبات بموجبه مجرد إعلان الدعم للحركة أو رفع شعارات تؤيدها جرمًا قد يعرّض صاحبه لعقوبات تصل إلى 14 عامًا في السجن. 

منذ ذلك الحين، شهدت لندن موجات من الاعتقالات خلال المسيرات المناصرة لفلسطين. ففي الـ4 من أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحده، أفادت تقارير باعتقال ما لا يقل عن 500 شخص في العاصمة البريطانية، كثير منهم بسبب رفع لافتات تقول مثلًا: «أعارض الإبادة، وأدعم (Palestine Action)». 

المنظمات الحقوقية ترى أن هذه التطورات، من حظر الحركة إلى ملاحقة المساندين لها، تجعل من قضية «فيلتون 24» «ملف اختبار للديمقراطية البريطانية»: هل يمكن اعتبار تعطيل إنتاج أسلحة تُستخدم في حرب موصوفة من قضاة ومحاكم دولية بأنها ذات طابع «إبادة» عملاً من أعمال «المصلحة العامة»؟ أم أن الدولة ستتعامل معه بوصفه تهديدًا للأمن القومي يستوجب أقصى العقوبات؟  

لماذا تهم قضية «فيلتون 24» العرب في بريطانيا؟

رغم أن معظم المتهمين في قضية «فيلتون 24» بريطانيون من خلفيات متعدّدة، فإن آثار القضية تُلامس بشكل مباشر العرب والمسلمين في بريطانيا وكل من ينخرط في العمل التضامني مع فلسطين.

  1. اتساع تعريف «الدعم لمنظمة محظورة»

بعد حظر (Palestine Action)، باتت المساحة الرمادية واسعة جدًّا: 

هل مشاركة رابط لحملة «أفرجوا عن فيلتون 24»، أو استضافة فعالية تعريفية في مسجد أو مركز مجتمعي، يمكن أن تُفسّر كـ«دعم» لمنظمة محظورة؟

هذا السؤال بات حاضرًا في أذهان كثير من الناشطين والمنظمين، ويؤثر عمليًّا على جرأة بعض المؤسسات في استضافة فعاليات مرتبطة بفلسطين.  

  1. ترابط الملف مع تجارة السلاح البريطانية

القضية تعيد فتح النقاش بشأن دور بريطانيا في تصدير السلاح لإسرائيل، وهو ملف ظلّ حاضرًا في حملات المقاطعة والضغط السياسي، لكنه يتخذ هنا شكلًا جديدًا:

  • ناشطون يذهبون مباشرة إلى مصانع السلاح ويحاولون تعطيلها.
  • ودولة تعتبر هذه الأفعال تهديدًا يستحق توظيف أقسى أدوات القانون.

بالنسبة للمجتمع العربي في بريطانيا، يطرح الملف سؤالًا أخلاقيًّا وسياسيًّا: كيف يمكن التأثير على سياسات التسلح دون تعريض الناشطين لخطر الملاحقة تحت بند «الإرهاب»؟  

  1. صورة التضامن مع غزة داخل بريطانيا

من زاوية أخرى، تُظهر القضية أن التضامن مع غزة لم يعد محصورًا في المسيرات الأسبوعية الكبيرة، بل امتد إلى أروقة المحاكم والسجون.

هذه الحقيقة قد تشكّل حافزًا إضافيًّا أمام العرب في بريطانيا لمواصلة العمل السلمي المنظّم:

  • الضغط على النواب والبلديات
  • دعم العائلات قانونيًّا ومعنويًّا
  • المشاركة في حملات كتابة رسائل إلى المعتقلين
  • المساهمة في إنتاج خطاب إعلامي يشرح للرأي العام دوافع هؤلاء الناشطين ومخاوفهم.  

 ملف مفتوح يستحق المتابعة

حتى تاريخ إعداد هذا التقرير (نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، ما تزال محاكمة الدفعة الأولى من «فيلتون 24» في بدايتها، وما زال مصير بقية المتهمين معلّقًا بانتظار محاكمات تمتد حتى منتصف 2026. الناشطون ومؤيدوهم يصرّون على أن ما قاموا به «محاولة لوقف الإبادة في غزة»، إلا أن الدولة تصرّ على أن القضية تتعلق بـ«جرائم خطيرة» ضد منشآت عسكرية.  

لكن بعيدًا عن قاعة المحكمة، يبدو واضحًا أن نتائج هذه القضية ستتجاوز حدود فيلتون وووليتش، لتنعكس على:

  • مستقبل الاحتجاج والعمل المباشر في بريطانيا
  • حدود استخدام قوانين الإرهاب في مواجهة حركات التضامن
  • مساحة حركة العرب في بريطانيا وكل القوى المناصرة لفلسطين داخل المشهد السياسي البريطاني.

قضية «فيلتون 24» ليست مجرد ملف جنائي، وإنما هي عنوان لصراع مفتوح حول سؤال جوهري:

هل يُسمح للمجتمع المدني البريطاني بأن يضع حدودًا أخلاقية لتجارة السلاح، حين ترتبط هذه التجارة بحروب تُتهم بأنها إبادة جماعية؟


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

التعليقات

  1. اللهم ربي فك قيد و أسر كل مظلوم و أرجعه إلى أهله و ذويه و أحبابه سالما معافى.
    اللهم أنصر أخواننا و أهلنا في غزة و فلسطين من لهم معينا و نصيرا وأشدد أزرهم و قوي عضدهم و أطعم جائعهم و أكسوا عاريهم و لا تحسبنا و لا تأخذنا بما فعله حكام العرب.

آخر فيديوهات القناة