لماذا تستضيف رئيسة اتحاد طلبة أكسفورد المسلمة متطرفًا مثل تومي روبنسون؟
تواجه جمعية “اتحاد أكسفورد” المرموقة، المعروفة بتكريسها لمبادئ حرية التعبير، موجة عارمة من الانتقادات والاضطرابات مع بداية الفصل الدراسي الحالي. وتأتي هذه الأزمة على خلفية توجيه الجمعية دعوة رسميّة للناشط اليميني المتطرف، تومي روبنسون، للمشاركة في مناظرة فكرية تتمحور حول الإسلام.
وقد أثارت هذه الخطوة غضبًا واسعًا في الأوساط السياسية والدينية؛ حيث وقع مئات الأشخاص على رسالة مفتوحة تندد بالقرار، بالتزامن مع صدور بيان مشترك لأسقف وإمام يعربان فيه عن استنكارهما الشديد. كما انضمت وزيرة الظل والنائبة العمالية السابقة، أنيليس دودز، إلى جبهة المعارضين لإدانة الاستضافة. ومع تصاعد حدة التوتر، تلوح في الأفق مؤشرات على تنظيم احتجاجات حاشدة قد تهدد سلامة الفعالية لاعتبارات أمنية، وسط تكهنات تذهب إلى إمكانية إجبار الاتحاد على إلغاء المناظرة بالكامل.
لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذه القضية، يكمن في الهوية السياسية والفكرية لرئيسة “اتحاد أكسفورد” الحالية؛ إذ تقود الاتحاد هذا الفصل طالبة مسلمة من أصول فلسطينية، تدعى أروى الريس (20 عاماً)، والتي التقتها صحيفة “ميدل إيست آي” في “غرفة غلادستون” التاريخية بمقر الاتحاد للوقوف على أبعاد هذا القرار.
أروى الريس: المناظرة وسيلة للمساءلة لا لمنح الشرعية
يرتبط اسم تومي روبنسون -واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينون- بسجل جنائي حافل يشمل إدانات بالاعتداء، والاحتيال، وازدراء المحكمة، وقد تركز نشاطه العام على مهاجمة الدين الإسلامي. ومن المقرر أن تنطلق الفعالية في غضون أسبوع تحت عنوان مثير للجدل:”هذا المجلس يعتقد أن الإسلام يمثل تهديداً للغرب”
ورغم التحذيرات الأمنية والسياسية، تبدي رئيسة الاتحاد أروى الريس تمسكًا تامًا بإقامة الفعالية في موعدها، موضحين أن خلفيتها كمسلمة وفلسطينية هي الدافع الأكبر وراء إيمانها الراسخ بحرية التعبير. وتستند الريس في موقفها إلى تجربتها في سنتها الجامعية الأولى، حين خاضت مناظرة علنية داخل الاتحاد ضد جندي إسرائيلي بالتزامن مع عدوان الإبادة في غزة، على الرغم من وجود عائلتها هناك في ذلك الوقت. ووفت تلك التجربة بأنها كانت أكبر إنصاف وتفنيد حظيت به لإيصال صوتها بشكل متكافئ مع الطرف الآخر.
وترى الريس أن استضافة الشخصيات الجدلية لا تعني مطلقًا منحهم “شرعية أخلاقية”، بل هي اعتراف بأن آراءهم ذات تأثير وامتداد في الواقع، مما يجعلها تستحق التدقيق والمساءلة العلنية. ورداً على إثارة الصحيفة لتصريحات روبنسون الأخيرة في مسيرة لندنية ضمت 60 ألف شخص، دعا فيها إلى “إيقاف الإسلام” وطالب المسلمين بمغادرة بريطانيا، وصفت الريس تلك الخطابات بـ “المقززة”، مؤكدة أن الاتحاد يخضع للوائح صارمة تضمن إيقاف وطرد أي متحدث يتجاوز سقف القوانين المنظمة لحرية التعبير في بريطانيا.
جبهة الرفض: اتهامات بالنفاق ودعوات للاستقالة
على الجانب الآخر، تتسع دائرة الرفض داخل بريطانيا لهذه الاستضافة؛ إذ صرحت النائبة عن حزب العمال لدائرة أكسفورد الشرقية والوزيرة السابقة، أنيليس دودز، بأن خطاب الكراهية الذي يروج له ستيفن ياكسلي لينون (تومي روبنسون) لا مكان له في مدينة أكسفورد. وفي السياق ذاته، عبر أسقف أكسفورد الدكتور ستيفن كروفت، والإمام منور حسين، عن حزنهما وصدمتهما جراء الفعالية، مذكرين إدارة الاتحاد بأن لديهم “واجب رعاية” تجاه الآلاف من المسلمين واليهود وأبناء الطوائف الأخرى المقيمين في المدينة.
ولم تقتصر الانتقادات على الأطراف السياسية البريطانية، بل امتدت إلى الأوساط الإعلامية الإسلامية؛ حيث اتهم روشان صالح، رئيس تحرير موقع “5 Pillars” الإخباري، “اتحاد أكسفورد” ورئيسته بالنفاق، مطالبًا إياها بالاستقالة. وجاء هجوم صالح على خلفية أزمة سابقة شهدت حذف وتعديل كلمة الكاتبة الفلسطينية سوزان أبو الهوى من منصة الاتحاد على يوتيوب إثر توجيهها انتقادات لإسرائيل.
ورغم أن تلك الواقعة حدثت قبل توليها الرئاسة، إلا أن الريس أدانت هذا الإجراء ووصفته بـ “الرقابة المرفوضة”، مؤكدة أنها تبذل جهوداً حثيثة خلف الكواليس لإعادة نشر المقطع كاملاً قبل انتهاء ولايتها. وفي المقابل، حظيت الريس بإشادات وانتقادات متباينة بعد نجاحها في استضافة كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يواجه ضغوطًا غربية هائلة لطلبه إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب.
تفنيد الفكر المتطرف وكسر الصورة النمطية

تسببت هذه المعركة الفكرية في فرض تحديات بالغة على أروى الريس؛ حيث أدت إلى انسحاب عدد من المتحدثين من المناظرة، من بينهم النائب المستقل عدنان حسين، وسط تهديدات بمقاطعة أنشطة الاتحاد الأخرى. ويُعد روبنسون منبوذًا في معظم المؤسسات الرسمية؛ إذ يحظر الاتحاد الوطني للطلاب ظهوره، وتتجنب قناة “جي بي نيوز” اليمينية استضافته، كما أعلن حزب حزب ريفورم البريطاني أنه غير مرحب به.
ومع ذلك، تدافع الريس عن قرارها بحجة استراتيجية؛ إذ تسعى من خلال منصبها كرئيسة مسلمة إلى كسر الصورة النمطية التي تروج بأن المسلمين يخشون أو يمنعون التدقيق في دينهم. وأكدت الريس أنها لا تخشى النقاش لأنها تملك القدرة على الدفاع عن عقيدتها، وترغب في إتاحة الفرصة للطلاب والخطباء المسلمين لمواجهة الشخصيات التي ألحقت ضرراً بمجتمعاتهم ومحاججتهم وجهاً لوجه.
وتشير الريس إلى أن موقفها يحظى بتأييد شريحة واسعة من الطلاب المسلمين؛ وهو ما أكده استطلاع رأي أجراه موقع “5 Pillars” نفسه، حيث أظهرت النتائج أن غالبية القراء يؤيدون إشراك روبنسون في المناظرة. واختتمت الريس رؤيتها بأن إلغاء المنصة لن يخفي الأفكار المتطرفة، بل إن الخطر الحقيقي يتضاعف عندما تُترك تلك الأفكار لتنمو دون مواجهة أو تفنيد.
فلسفة الحوار: بين المقاطعة الأخلاقية والإرث التاريخي للاتحاد
تجدد هذه الأزمة انقساماً فكرياً قديماً حول حدود حرية التعبير وجدوى الحوار مع أصحاب الأفكار الإقصائية.
يتبنى “اتحاد أكسفورد”، الذي تأسس عام 1823 بجهود طلابية لمواجهة الرقابة الجامعية، فلسفة مغايرة تماماً تقوم على إتاحة المنبر لكافة الآراء مهما بلغت درجة غرابتها أو خطورتها.
وفي عام 2024، عاد الاتحاد للواجهة بعد تصويته بأغلبية ساحقة على اعتبار إسرائيل “دولة فصل عنصري مسؤولة عن إبادة جماعية”، مما عرضه لهجوم لاذع من الصحافة اليمينية. وبناءً على هذا الإرث الصاخب، تأتي المناظرة المرتقبة مع تومي روبنسون كحلقة جديدة في مسيرة الجمعية التي وصفها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، هارولد ماكميلان، بأنها “المعقل الأخير لحرية التعبير في العالم الغربي”، لتستمر في إثارة النقاشات الحادة داخل جدرانها وخارجها.
المصدر: ميدل إيست آي
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇