تحذيرات من قفزة تاريخية في أسعار الغذاء ببريطانيا
تتزايد التحذيرات في بريطانيا من موجة تضخم غذائي قد تكون من بين الأعلى خلال السنوات الأخيرة، في ظل الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة، المدفوع بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، ما يهدد سلاسل الإمداد الغذائي مع انطلاق موسم الزراعة في أوروبا وآسيا.
وتشير تقديرات إلى أن ما يقارب نصف الإنتاج العالمي من المحاصيل والثروة الحيوانية يعتمد على الأسمدة الصناعية، ما يجعل أي اضطراب في هذا القطاع عاملًا مباشرًا في دفع أسعار الغذاء نحو الارتفاع.
الأسمدة تتصدر المشهد.. والغاز يقود الأزمة

لم تعد العوامل الطبيعية وحدها المحدد الأساسي للإنتاج الزراعي هذا الربيع، بل برزت الأسمدة بوصفها العنصر الأكثر تأثيرًا، في ظل ارتباطها الوثيق بأسعار الطاقة.
فالأسمدة الصناعية تُصنَّع اعتمادًا على الغاز الطبيعي، حيث يُستخدم لإنتاج النيتروجين عبر دمج الهيدروجين المستخرج من الميثان مع النيتروجين الموجود في الهواء، من خلال عملية “هابر–بوش“، لإنتاج الأمونيا، التي تُعد أساس تصنيع اليوريا ونترات الأمونيوم.
ويمر نحو 30 في المئة من الإمدادات العالمية لهذه المواد عبر منطقة الخليج، ومع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، ارتفعت الأسعار بوتيرة متسارعة، إذ قفز سعر اليوريا من نحو 300 دولار للطن مطلع العام إلى قرابة 700 دولار بنهاية مارس.
مزارعون أمام معادلة صعبة.. والإنتاج مهدد

يفرض هذا الارتفاع الحاد واقعًا صعبًا على المزارعين، إذ يجدون أنفسهم أمام خيارين: إما مضاعفة التكاليف للحفاظ على مستويات الإنتاج، وإما تقليص استخدام الأسمدة، ما يعني تراجع المحاصيل.
وفي كلتا الحالتين، تبدو زيادة أسعار الغذاء مسألة وقت.
في بريطانيا، تتفاقم الضغوط مع تراجع الإنتاج المحلي من الأسمدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، حيث لا يغطي الإنتاج إلا أقل من نصف احتياجات المزارعين، ما يدفع المستوردين إلى البحث عن مصادر أبعد.
في محطة “نيتراسول” في غريت يارموث، تصل شحنات نترات الأمونيوم واليوريا من ترينيداد عبر سندرلاند، قبل نقلها إلى نورفولك، ثم توزيعها إلى مزارع تمتد من اسكتلندا إلى جنوب غرب إنجلترا.
ورغم التزام الشركات بالأسعار المتفق عليها قبل اندلاع الحرب، يؤكد رئيس الشركة جون فولر أن الأسعار مرشحة للارتفاع، محذرًا من موجة تضخم غذائي جديدة، هي الثانية خلال 4 سنوات.
“أسوأ من أزمة أوكرانيا“.. مخاوف من تضخم واسع

يوضح فولر أن الأسعار ارتفعت بنحو 25 في المئة خلال 6 أسابيع فقط، نتيجة المنافسة على الإمدادات، مشيرًا إلى أن من اشترى مبكرًا استفاد من الأسعار السابقة، في حين يواجه المتأخرون تكاليف أعلى.
ويصف الوضع بأنه “خطير للغاية“، مضيفًا أنه قد يكون أسوأ من أزمة أوكرانيا قبل 4 سنوات، التي أعقبها تضخم بلغ 10 في المئة وأثّر بوضوح على الاقتصاد.
ويدعو فولر، وهو عضو في مجلس اللوردات عن حزب المحافظين، الحكومة إلى التراجع عن خطط فرض ضرائب الكربون على الواردات مطلع العام المقبل، محذرًا من أنها ستضيف أعباءً جديدة على القطاع الصناعي.
القطاع الزراعي تحت الضغط.. من الماشية إلى الخضراوات

في منطقة كوتسوولدز، يواجه مزارع الأبقار ديفيد بارتون ارتفاعًا كبيرًا في التكاليف، إذ صعد سعر الأسمدة من 370 إلى نحو 500 باوند للطن، مع تأخر التوريد حتى إبريل.
ويؤكد أن الموسم الحالي يتطلب استخدام الأسمدة؛ بسبب انخفاض مخزون الأعلاف بعد صيف جاف، مشيرًا إلى أن عدم استخدامها سيؤدي إلى تراجع الإنتاج إلى النصف.
غير أن مزارعي اللحوم لا يستطيعون نقل هذه الزيادات فورًا إلى المستهلكين؛ نظرًا لارتباط الأسعار بالسوق العالمية، ما يحمّلهم عبء الصدمة السعرية مباشرة.
ويحذر بارتون من أن استمرار الإنتاج الغذائي يتطلب تحقيق هامش ربح، مؤكدًا أن الزراعة لا يمكن أن تستمر إذا كانت أقل من تكلفة الإنتاج، داعيًا إلى تعزيز مرونة سلاسل الإمداد الغذائي.
الزراعة المحمية في مأزق.. والطاقة تضاعف الضغوط

تواجه الزراعة المحمية تحديات مضاعفة، وبخاصة في وادي “ليا” شمال لندن، حيث يُنتج نحو نصف مليار وحدة من الخضراوات سنويًا.
في “Valley Grown Nurseries”، تعتمد المحاصيل على أنظمة تدفئة تعمل بالغاز للحفاظ على درجات حرارة في حدود العشرينيات المئوية، إلى جانب استخدام مستمر للأسمدة.
لكن فاتورة الغاز ارتفعت بأكثر من 90 في المئة خلال شهر واحد، في حين لا يمكن تعديل الأسعار المتفق عليها مسبقًا مع المتاجر الكبرى.
ويصف مالك المزرعة جيمي روسو الوضع بأنه “كارثي“، مؤكدًا أن الأزمة تشمل جميع منتجي الغذاء المعتمدين على الطاقة.
من جانبه يدعو لي ستايلز من جمعية مزارعي وادي “ليا” الحكومة إلى تصنيف الزراعة المحمية قطاعًا كثيف الاستهلاك للطاقة، لتخفيف الأعباء.
ويشير إلى أن المزارعين باتوا أمام خيارين صعبين: إما التوقف عن الإنتاج وتحمل الخسائر، وإما الاستمرار مع خسائر أكبر، في ظل عدم القدرة على رفع الأسعار.
المصدر : سكاي نيوز
إقرأ أيضًا :
الرابط المختصر هنا ⬇