كيف تُوظَّف نظريات المؤامرة الإسلاموية كسلاح في السياسة البريطانية
من فصول المدارس في برمنغهام إلى صفحات أقوى الصحف البريطانية نفوذًا، اكتسبت كلمة واحدة وزنًا سياسيًّا استثنائيًّا: «إسلاموي».
يُقدَّم هذا المصطلح عادة بوصفه توصيفًا محايدًا؛ تعبيرًا تقنيًّا يفصل بين الدين والسياسة. لكنه في الممارسة الفعلية، يعمل قليلًا كأداة تحليل وكثيرًا كاتهام.
فبمجرد استخدامه، تصبح الفاعلية السياسية للمسلمين موضع شكّ بطبيعتها: غير عقلانية، أو خطِرة، أو مشبوهة. المصطلح لا يصف فقط، بل يدين.
«نظرية مؤامرة الإسلاموية»
الإعلام البريطاني بات اليوم واقعًا بالكامل تحت قبضة ما يمكن وصفه فقط بـ«نظرية مؤامرة الإسلاموية»: فكرة أن المسلمين، بوصفهم كتلة واحدة متخيلة، يسعون عمدًا إلى تقويض الدولة و«الحضارة الغربية» نفسها.
بالتغطية الداخلية، وتعليقات السياسة الخارجية، والخطاب السياسي، تحوّل مصطلح «إسلاموي» إلى تهمة جامعة تُستخدم لتأديب الاختلاف ومنع مساءلة السلطة.
هلع أخلاقي
في بريطانيا، لطالما شكّل هذا المنطق أساس حالات هلع أخلاقي متكررة بشأن المجتمعات المسلمة. وتبقى قضية «حصان طروادة» في برمنغهام عام 2014 المثال الأوضح. رسالة تبيّن لاحقًا، وعلى نطاق واسع، أنها على الأرجح مزيفة، جرى استغلالها لتبرير تدخل واسع النطاق للدولة في مدارس ذات أغلبية مسلمة. دُمّرت مسيرات مهنية، وفُككت مؤسسات، ووُضعت مدينة بأسرها تحت شبهة جماعية.

لم يكن الاتهام يتعلق بسوء إدارة أو بقيم محافظة، بل بـ«مؤامرة إسلاموية»، عبارة غامضة بما يكفي لتشير إلى أي شيء تقريبًا، وقوية بما يكفي لتعليق أبسط ضمانات العدالة الإجرائية.
وبمجرد إلصاق الوصم، أصبح الدليل أمرًا ثانويًّا. لم يعد أولياء الأمور والمعلمون المسلمون مواطنين ذوي آراء مختلفة بشأن التعليم، بل تهديدات أيديولوجية.
إيحاءات مألوفة
هذا الافتراض نفسه بات اليوم ركيزة لبرنامج «بريفِنت (Prevent)»، حيث يُعاد تأطير الاعتراض على السياسة الخارجية البريطانية، أو الغضب من غزة، أو حتى التعبير الواضح عن الهُوية الإسلامية، بوصفه مؤشرات على «الإسلاموية». الوعي السياسي الإسلامي نفسه يصبح الخطر.
وقد تجلّى هذا المنطق بوضوح في التعبئة السياسية التي رافقت قرار منع مشجعي مكابي تل أبيب من حضور مباراة كرة قدم في برمنغهام، وسط مخاوف موثقة بشأن هتافات عنصرية واحتمالات اضطراب عام. ما كان يفترض أن يكون قرارًا أمنيًّا اعتياديًّا تحوّل سريعًا إلى فضيحة وطنية.
سياسيون بارزون -معظمهم مرتبطون بجماعات «أصدقاء إسرائيل» من حزبَي العمال والمحافظين- مارسوا ضغوطًا، لا دفاعًا عن استقلالية الشرطة، بل ضدها.
من الإيحاء إلى الأيدلوجيا
بدل مساءلة مراكز النفوذ، لجأت قطاعات واسعة من الإعلام البريطاني إلى اختصار مألوف: إيحاءات بشأن برمنغهام نفسها، أُعيد تدويرها مرة أخرى لتصويرها مدينة «إسلاموية». كان أسهل شيطنة مكان كامل من طرح سؤال بسيط: لماذا كان سياسيون مستعدون لتقويض قيادة الشرطة لإرضاء جماعات مرتبطة بسلوكيات عنصرية؟

هذه البيئة الإعلامية أوجدت أرضًا خصبة لسياسيين مستعدين لتحويل الإيحاء إلى أيديولوجيا. وزير العدل في حكومة الظل، روبرت جينريك، كان من أكثرهم صراحة، محذرًا من أن بريطانيا تواجه «معركة جيلنا» ضد «الإسلاموية»، وأن الشرطة «تستسلم للإسلامويين».
هذه اللغة كاشفة. قرارات شرطية اعتيادية، واحتجاجات مدنية، والحياة العامة للمسلمين، تُدمج جميعها في تهديد حضاري واحد. خطاب جينريك يتجاوز نقد السياسات، ليقدّم رؤية عالم تُصوَّر فيها عقائد المسلمين وأنماط حياتهم باعتبارها غير متوافقة مع المؤسسات البريطانية. هكذا يمكن تقديم إجراءات مثل حظر اللباس الديني أو تقييد الاحتجاج، لا كاختيارات سياسية، بل كضرورات دفاعية.
هكذا تنتقل «الإسلاموية» من كليشيه إعلامي إلى منطق حكم.
الضرر الواقع
أوضح الأمثلة إدانةً لهذا المسار هو حين يُستخدم الوصف حتى عندما يكون خاطئًا على نحو لا لبس فيه. ففي الأول من كانون الثاني/يناير، نشرت صحيفة تلغراف مقالًا بعنوان: «قاتل إسلاموي يفوز بقضية حقوق إنسان لأن السجن تركه ‘مكتئبًا’». الإيحاء كان واضحًا: قانون حقوق الإنسان يحمي مرة أخرى متطرفًا دينيًّا.
لكن ذلك لم يكن صحيحًا.
اضطرت الصحيفة لاحقًا إلى نشر تصحيح رسمي أقرت فيه أن وصف الجاني بأنه «قاتل إسلاموي» غير دقيق، وأن الجرائم لم تكن بدوافع دينية. لم يكن الخلاف بشأن تفسير أو نبرة، بل خطأً فادحًا في الوقائع. الإطار الأساسي للعنوان -وهو ما يراه معظم القراء ويتذكرونه- كان خاطئًا.
أن يستدعي ذلك تصحيحًا ينبغي أن يكون مصدر خجل عميق لصحيفة وطنية. لكن الضرر كان قد وقع. العنوان المضلل انتشر على نطاق واسع، وشكّل الفهم العام قبل أن يظهر أي توضيح هادئ. والأسوأ أن هذا الإطار الكاذب نسخه وضخّمه سريعًا سياسيون ومنصات إعلامية، بينهم جينريك، وصحيفة ذا صن، وقناة جي بي نيوز (GB News) ولم يُبدِ أيٌّ منهم استعدادًا للتراجع أو التصحيح.
هكذا تتصلّب المعلومة المضللة لتصبح أيديولوجيا. تُنشر رابطة زائفة بين الإسلام والعنف وحقوق الإنسان، ثم تُصحَّح شكليًّا بعد فوات الأوان، من دون أن تُمحى آثارها. يكون مصطلح «إسلاموي» قد أدّى وظيفته بالفعل.
وطن عدائي تجاه المسلمين البريطانيين!

العناصر المضللة تُقدَّم دائمًا في المقدمة. وحتى عندما تظهر تحفظات لاحقًا، يكون الضرر قد أُنجز في العنوان والفقرات الأولى. وبحلول وقت التصحيح، يكون السرد قد اندمج في نظرية المؤامرة الكبرى بشأن «الإسلاموية» التي تهيمن على الخطاب البريطاني.
ولا يتوقف تأثير هذا الإطار عند السياسة الداخلية، بل يمتد إلى ساحات دولية ذات عواقب حقيقية على الحرية الأكاديمية والتنقل العالمي.
فقد خفّضت دولة الإمارات مؤخرًا تمويلها لمواطنين يعتزمون الدراسة في جامعات بريطانية، مبررة ذلك بمخاوف من «التطرف الإسلاموي» المرتبط بتوترات بشأن رفض بريطانيا تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة محظورة.
بالنسبة لكثير من المسلمين البريطانيين، باتت المملكة المتحدة وطنًا عدائيًّا.
استثمار هواجس “الإسلاموية” خارج بريطانيا
هذا التحول يعكس كيف أن الهواجس بشأن «الإسلاموية» لا تُضخَّم في الإعلام والسياسة البريطانية فحسب، بل باتت تستثمرها دول أخرى للتأثير في العلاقات الدبلوماسية والتعليمية، وتصوير الجامعات البريطانية كمخاطر أمنية بدل كونها فضاءات فكرية.
الاختزال نفسه يهيمن على التغطية الخارجية. يُوصَف الرئيس التركي المنتخب ديمقراطيًّا رجب طيب أردوغان بانتظام بأنه «رئيس إسلاموي». لا يُطبَّق منطق مماثل على قادة غربيين متحالفين مع متدينين متطرفين، منهم من يستند إلى ادعاءات توراتية لتبرير الاحتلال أو الحرب.
في إسرائيل والولايات المتحدة، يشكّل التديّن المتطرف أساسًا للعنف والسياسات الاستعمارية. بقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتمد على حركات استيطانية مسيحانية، وصعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان مدفوعًا بإنجيليين مسيحيين صوّروه كخيار إلهي. ومع ذلك، يُتعامل مع هذا كله بوصفه «سياسة طبيعية»، لا تهديدًا حضاريًّا.
هذا ليس فشلًا لغويًّا. إنه استراتيجية.
تحوّل مصطلح «إسلاموي» إلى أداة لنزع الشرعية، تتيح للصحفيين والسياسيين تبرير المراقبة والقمع والإقصاء، مع الادعاء بالحياد.
يُسمح للمسلمين بالوجود ثقافيًّا -على وجه الخصوص- لا سياسيًّا. لحظة التنظيم أو الاحتجاج أو الاختلاف، يكون الوصم جاهزًا.
من برمنغهام إلى وستمنستر، ومن الملاعب إلى عناوين الصحف، أصبح المصطلح ما صُمّم ليكون منذ البداية: ليس وصفًا، بل سلاحًا. وإلى أن يُواجَه ذلك بوضوح، ستظل الفاعلية السياسية للمسلمين تُعامَل لا كحق ديمقراطي، بل كتهديد ينبغي احتواؤه.
المصدر: ميدل إيست آي
اقرأ أيضاً
- مستشارة بلدية مسلمة في مدينة أكسفورد تشرح معاناتها مع الاسلاموفوبيا
- تصاعد جرائم الكراهية والإسلاموفوبيا في وسائل النقل العام ببريطانيا
- حملة توعية بالإسلاموفوبيا 2025: تصاعد الكراهية ضد المسلمين يضع بريطانيا أمام لحظة حاسمة
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
