العرب في بريطانيا | هل تعيد بريطانيا إنتاج ماضيها الفاشي مع تصاعد ا...

هل تعيد بريطانيا إنتاج ماضيها الفاشي مع تصاعد اليمين المتطرف؟

هل تعيد بريطانيا إنتاج ماضيها الفاشي مع تصاعد اليمين المتطرف؟
صبا الشريف أكتوبر 29, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يحذّر الكاتب تاج علي من عودة الخطاب العنصري في بريطانيا، مع تصاعد نشاط جماعات اليمين المتطرف واستهدافها المهاجرين والمسلمين وطالبي اللجوء.

وفي استعراضه لتاريخ الفاشية في البلاد، يربط علي بين الحملات التي استهدفت اليهود في القرن الماضي والخطاب السائد اليوم، مسلطًا الضوء على دور السياسيين ووسائل الإعلام في تأجيج العداء، وعلى تجارب المجتمعات التي نظّمت صفوفها لمواجهة العنصرية.

ويخلص إلى أن التصدي لهذا التوجه يبدأ من المجتمعات المحلية، ويتطلب تضامنًا أوسع لمواجهة التطرف وأسبابه الاجتماعية والاقتصادية.

اليمين المتطرف يعود إلى الشوارع

مشهد رجال يرتدون السواد، يسيرون في تشكيلات منظمة ويرددون شعارات تطالب بإعادة المهاجرين إلى بلدانهم، يعيد إلى الأذهان أجواء ثلاثينيات القرن الماضي، حين جاب أنصار أوزوالد موزلي، المعروفون بأصحاب القمصان السوداء، أحياء شرق لندن وروّعوا السكان اليهود، محمّلين إياهم مسؤولية الأزمات الاقتصادية.

لكن الكاتب يؤكد أن هذا المشهد ليس مجرد استعادة للتاريخ. ففي أيلول/سبتمبر، حشدت مجموعة اليمين المتطرف “باتريوت بلاتفورم” (Patriot Platform) رجالًا يرتدون أقنعة تغطي وجوههم في مدينة دوفر، ضمن حملتها المناهضة لوصول المهاجرين عبر القوارب الصغيرة.

ويقود المجموعة دانيال توماس، المعروف باسم “داني تومو“، والمرتبط بزعيم اليمين المتطرف ستيفن ياكسلي لينون، المعروف باسم “تومي روبنسون”. وقد أُدين توماس بمحاولة اختطاف عام 2016، فيما تزعم المنظمة أن عدد أعضائها تجاوز 40 ألفًا، بعد إطلاق حملة لاستقطاب أعضاء جدد في حزيران/يونيو.

ويرى تاج علي أن أوجه التشابه مع الماضي لا تقتصر على مشاهد الشوارع؛ فالحركات العنصرية استفادت، قديمًا وحديثًا، من خطاب سياسي وإعلامي تحريضي، واستغلت المخاوف الاقتصادية لتوجيه غضب الناس نحو الأقليات.

من استهداف اليهود إلى التحريض على المسلمين

هل تعيد بريطانيا إنتاج ماضيها الفاشي مع تصاعد اليمين المتطرف؟
خطاب الكراهية يستهدف أقليات مختلفة عبر العقود. (AI)

لم يبدأ استهداف الأقليات في بريطانيا مع موجة الهجرة المعاصرة. فبين عامي 1880 و1914، فرّ أكثر من 150 ألف لاجئ يهودي من المذابح في روسيا وشرق أوروبا إلى بريطانيا، واستقر كثير منهم في وايت تشابل وسبايتالفيلدز شرقي لندن.

وفي نيسان/أبريل 1887، حذرت صحيفة “سانت جيمس غازيت” (St James’s Gazette) من تأسيس ما وصفته بـ”مستعمرة ضخمة من اليهود الأجانب”.

وتحوّل العداء إلى حملة منظمة عام 1901، حين ساعد نواب من حزب المحافظين يمثلون شرق لندن على تأسيس “رابطة الإخوة البريطانيين” (British Brothers’ League)، التي سعت إلى تقييد الهجرة اليهودية. وحظيت الحملة بدعم الصحافة وشخصيات عامة نافذة.

وكان ويليام إيفانز-غوردون، أحد مؤسسي الرابطة، قد هاجم استقرار تجمعات يهودية في “أرض مسيحية”، واشتكى من أن المنطقة الواقعة شرق ألديغيت أصبحت، على حد تعبيره، “مدينة أجنبية”.

وبحلول ثلاثينيات القرن الماضي، اتخذ العداء طابعًا فاشيًا صريحًا. فقد حمّل سياسيون في أنحاء أوروبا اليهود مسؤولية المصاعب التي واجهها العمال، فيما نظّم اتحاد الفاشيين البريطانيين، بقيادة أوزوالد موزلي، تلك الأفكار ضمن حركة سياسية واسعة.

وفي عام 1934، زعم الاتحاد أن عدد أعضائه بلغ نحو 40 ألفًا، وأن لديه مئات الفروع في بريطانيا. وبعد حظر المنظمة عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، تراجع الفاشيون بوصفهم قوة سياسية، لكن العنصرية بقيت حاضرة، وانتقلت إلى استهداف فئات أخرى.

إينوك باول ومهاجرو الكاريبي وجنوب آسيا

مع وصول مهاجرين من منطقة الكاريبي وشبه القارة الهندية للمساهمة في إعادة بناء الاقتصاد البريطاني بعد الحرب، وجد اليمين المتطرف أهدافًا جديدة لخطابه.

وفي عام 1968، أسهم خطاب “أنهار الدم” الذي ألقاه النائب المحافظ إينوك باول في تشجيع عصابات على مهاجمة السود والآسيويين وإهانتهم. وفي أوائل سبعينيات القرن الماضي، وصفت صحف الآسيويين الذين طردتهم أوغندا ووصلوا إلى بريطانيا لاجئين بأنهم قوة غازية.

ويرى علي أن الخطاب المتداول اليوم بشأن المسلمين في وايت تشابل يعيد إلى الأذهان الروايات التي استهدفت اليهود في المنطقة قبل قرن من الزمن.

ويستشهد باستطلاع أجرته مؤسسة “يوغوف”، أظهر أن 34% من البريطانيين يعتقدون بوجود مناطق في بريطانيا تُطبّق فيها الشريعة الإسلامية ويُمنع غير المسلمين من دخولها.

معركة شارع كابل.. حين أوقف السكان مسيرة الفاشيين

هل تعيد بريطانيا إنتاج ماضيها الفاشي مع تصاعد اليمين المتطرف؟
سكان لندن يتحدون مسيرة فاشية عام 1936. (AI)

في مواجهة العنصرية، لم تنتظر المجتمعات المستهدفة من ينقذها، بل نظّمت صفوفها للدفاع عن نفسها. ويستحضر الكاتب واحدة من أبرز محطات هذه المقاومة: معركة شارع كابل في تشرين الأول/أكتوبر 1936.

آنذاك، احتشد نحو 100 ألف شخص من اليهود والعمال الأيرلنديين والنقابيين والشيوعيين لمنع مسيرة اتحاد الفاشيين البريطانيين من دخول الطرف الشرقي من لندن. وأقام المحتجون الحواجز وخاضوا مواجهات مع الشرطة التي حاولت تسهيل مرور المسيرة.

واستمر التصدي للفاشية بعد الحرب، من خلال منظمات يهودية مناهضة لها، أبرزها “مجموعة 43″ و”مجموعة 62”.

ويوثّق علي في كتابه الصادر حديثًا “مهما حدث، سنبقى هنا: قصة مقاومة جنوب آسيوية في بريطانيا” (Come What May, We’re Here to Stay: The Story of South Asian Resistance in Britain)، كيف نظّمت مجتمعات جنوب آسيوية ومجموعات أخرى جهودها لمواجهة العنصرية، سواء صدرت عن عصابات الشوارع أو عن مؤسسات الدولة.

كيف اكتسب اليمين المتطرف شرعية سياسية؟

يختلف اليمين المتطرف اليوم عن نظيره في العقود الماضية في طريقة تقديم نفسه والفئات التي يستهدفها. فجماعات مثل “باتريوت بلاتفورم”، إلى جانب شخصيات مثل تومي روبنسون، تحاول إبعاد صفة العنصرية عنها، وتستعين أحيانًا بمشاركين من أعراق مختلفة في تجمعاتها.

وبدلًا من استهداف الأقليات على نطاق واسع، تركز هذه الجماعات خطابها على فئات محددة، أبرزها المسلمون وطالبو اللجوء الذين يصلون عبر القوارب الصغيرة. ويرى علي أن تضييق نطاق الاستهداف يساعدها على تقديم نفسها بصورة أكثر قبولًا والسعي إلى اكتساب شرعية سياسية.

ويحذّر الكاتب من أن بعض أطروحات اليمين المتطرف لم تعد محصورة في الجماعات المتشددة، بل باتت حاضرة في الخطاب السياسي السائد.

ويمتلك حزب “ريفورم“، بقيادة نايجل فاراج، أكثر من 2000 عضو في المجالس المحلية و8 نواب في البرلمان، كما تصدّر استطلاعات الرأي في بعض الفترات. ويواجه الحزب منافسة من اليمين أيضًا مع صعود حزب “ريستور بريطانيا”، بقيادة روبرت لو.

في المقابل، اتجه حزب العمال نحو اليمين في ملف الهجرة، بينما تبنّى حزب المحافظين مواقف أكثر تشددًا. ففي آذار/مارس، وصف نيك تيموثي، وزير العدل في حكومة الظل المحافظة، إفطارًا مفتوحًا خلال شهر رمضان في ميدان ترافالغار بأنه “عمل من أعمال الهيمنة”. وفي مطلع تشرين الأول/أكتوبر، وصف بليك ستيفنسون، وزير الداخلية في حكومة الظل، مدينة لوتون، مسقط رأس الكاتب، بأنها منطقة لا يستطيع البيض دخولها.

وسائل التواصل.. ساحة جديدة لنشر التطرف

هل تعيد بريطانيا إنتاج ماضيها الفاشي مع تصاعد اليمين المتطرف؟
منصات التواصل توسّع انتشار خطاب الكراهية والتضليل. (AI)

لم تعد الدعاية العنصرية محصورة في المسيرات والمنشورات في الشوارع. ففي ثلاثينيات القرن الماضي وثمانينياته، كان مناهضو الفاشية يعترضون المسيرات ويمنعون بيع الدعاية العنصرية. أما اليوم، فيمكن الوصول إلى خطاب الكراهية والمعلومات المضللة عبر الهاتف المحمول، وقد يتعرض الأفراد للتطرف وهم في منازلهم.

وبينما أصبحت الجماعات المتطرفة أكثر تنظيمًا وقدرة على التواصل المباشر مع الجمهور، يرى علي أن الحركة المناهضة للعنصرية لا تزال تعاني ضعف التواصل مع مجتمعات الطبقة العاملة، إلى جانب افتقارها إلى حضور وطني قوي.

مبادرات محلية تواجه خطاب الكراهية

منذ صدور كتابه في أيلول/سبتمبر، شارك علي في أكثر من 20 فعالية امتدت من لوتون إلى غلاسكو، والتقى جمهورًا متنوعًا من الشباب وكبار السن، والسود والآسيويين والبيض.

ورغم اهتمام كثيرين بتاريخ النشاط السياسي لمجتمع جنوب آسيا، تركزت الأسئلة الأكثر تكرارًا على الواقع الراهن: كيف يمكن مواجهة العنصرية؟ وما الخطوة التالية؟

يرى الكاتب أن التغيير يبدأ غالبًا بمبادرات صغيرة، حين يقرر عدد من الأشخاص التحرك بدلًا من انتظار الحلول. ويستشهد بثلاث مبادرات قائمة في بريطانيا:

  •  “إدار” (Edaar): مبادرة تقودها نساء مسلمات في شرق دونبارتونشاير لمناهضة العنصرية.
  • -اتحاد العمال والمستأجرين في مانشستر الكبرى: يجمع النقابات العمالية ومجموعات المستأجرين لمواجهة دعاية اليمين المتطرف.
  • “مشجعو كرة القدم ومشجعاتها ضد الفاشية”: ينشرون رسالتهم المناهضة للفاشية في مدرجات الملاعب.

التضامن والتثقيف السياسي لمواجهة اليمين المتطرف

هل تعيد بريطانيا إنتاج ماضيها الفاشي مع تصاعد اليمين المتطرف؟
التضامن والتوعية يدعمان مواجهة التطرف والانقسام. (AI)

يدعو علي إلى الاستفادة من تجارب الأجيال السابقة، عبر بناء شبكات محلية تحمي المنازل والأفراد ودور العبادة، وتنسيق الجهود على المستوى الوطني.

ويشير إلى أن الأدوات المتاحة اليوم تتيح تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، ورصد المناطق التي يتركز فيها نشاط اليمين المتطرف، وربط المجموعات المناهضة للعنصرية وتبادل المعلومات والموارد عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

كما يشدد على أهمية التثقيف السياسي، مشيرًا إلى أن حزب “ريفورم” يحقق أداءً قويًا في مناطق صناعية سابقة، مثل دورهام ودونكاستر وجنوب ويلز، وفي مدن ساحلية تراجعت أوضاعها الاقتصادية، مثل كلاكتون وغريت يارموث.

ويرى أن اليمين المتطرف يستغل الحرمان واليأس لتوسيع نفوذه، ما يجعل بناء تضامن بين أبناء الطبقة العاملة يتجاوز الانقسامات الثقافية أمرًا أساسيًا لمواجهته.

ويقرّ الكاتب بأن محاورة الأشخاص الذين استقطبهم اليمين المتطرف مهمة شاقة، وأن إقناع الجميع بتغيير مواقفهم ليس مضمونًا. لكنه يؤكد أن تغيير المجتمع يظل ممكنًا، وأن بناء مستقبل أفضل للجميع يتطلب مشاركة جماعية بدلًا من انتظار أن يأتي طرف آخر ليصنع التغيير نيابة عنهم.

المصدر: هايفن


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

إعلان

↑