العرب في بريطانيا | هل تراجعت شابانا محمود؟ أم أنها تعيد التموضع قب...

هل تراجعت شابانا محمود؟ أم أنها تعيد التموضع قبل مرحلة أندي بيرنام؟

هل تراجعت شابانا محمود؟ أم أنها تعيد التموضع قبل مرحلة أندي بيرنام؟
فريق التحرير يونيو 26, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لا يمكن قراءة إعلان وزيرة الداخلية البريطانية شابانا محمود عن إطلاق مسار جديد يسمح باستقبال آلاف اللاجئين عبر نظام “الرعاية المجتمعية” ابتداءً من أكتوبر، بمعزل عن التطورات السياسية المتسارعة داخل حزب العمال، ولا عن الصراع المتصاعد بين أجنحة الحزب، في وقت يستعد فيه الحزب لدخول مرحلة جديدة بعد إعلان كير ستارمر استقالته، مع توقعات بأن يتولى أندي بيرنام رئاسة الحكومة رسمياً خلال يوليو.

فعلى الرغم من أن الإعلان يبدو للوهلة الأولى تراجعاً عن الخطاب المتشدد الذي تبنته محمود خلال الأشهر الماضية، فإن قراءة أعمق تشير إلى أنه ليس انقلاباً على سياساتها بقدر ما هو إعادة تموضع سياسي فرضتها موازين القوى داخل الحزب.

من التشدد إلى “المسارات القانونية”

Who is Shabana Mahmood? The home secretary is the face of Labour's most hardline immigration policies to date

منذ توليها وزارة الداخلية، بنت شابانا محمود خطابها السياسي على ثلاثة مرتكزات رئيسية؛ تشديد قوانين اللجوء، وتقليص فرص الحصول على الإقامة الدائمة، وإظهار أن الحكومة استعادت السيطرة على الحدود البريطانية.

لكن الإعلان الأخير حمل نبرة مختلفة.

فالخطة الجديدة تنص على إطلاق برنامج للرعاية المجتمعية يسمح للمجتمعات المحلية والمنظمات المعتمدة برعاية لاجئين واستقبالهم، مع تحمل مسؤولية إسكانهم ومساعدتهم على الاندماج والعمل، في حين تبقى وزارة الداخلية صاحبة القرار النهائي في اختيار المستفيدين، بعد إخضاعهم لفحوصات أمنية وبيومترية وصحية صارمة.

وبذلك فإن محمود لم تتخل عن فلسفة “ضبط الحدود”، لكنها أعادت صياغتها في معادلة جديدة تقوم على فتح طرق قانونية للاجئين الحقيقيين، مقابل استمرار التشدد مع الهجرة غير النظامية وإغلاق ما تصفه الحكومة بـ”الثغرات” التي أسيء استخدامها خلال السنوات الماضية.

لماذا الآن؟

Mike Tapp 'won't be intimidated over' unsanctioned article about migration | Belfast Telegraph

الإجابة تكمن في توقيت الإعلان أكثر من مضمونه.

فالوزيرة تواجه في الوقت نفسه ثلاث أزمات سياسية متداخلة.

الأولى تتمثل في الخلاف العلني مع وزير الهجرة مايك تاب، والذي تحول إلى اختبار لوزنها السياسي داخل الحكومة، بعدما طالبت بإبعاده على خلفية خلافات بشأن إدارة ملف الهجرة، إلا أن كير ستارمر رفض الانحياز لها بصورة واضحة، وهو ما اعتبره كثيرون داخل وستمنستر إضعافاً لموقعها داخل الحكومة.

أما الأزمة الثانية فتتعلق بانتقال القيادة داخل حزب العمال.

فمع استقالة ستارمر، بدأ الحديث عن مرحلة سياسية جديدة يقودها أندي بيرنام، وهو ما دفع كثيراً من الوزراء إلى إعادة تموضعهم استعداداً للتشكيل الحكومي المقبل، ومحاولة إثبات قدرتهم على التكيف مع أولويات القيادة الجديدة.

أما الأزمة الثالثة، فهي التمرد المتزايد داخل الجناح اليساري للحزب، الذي يرى أن شابانا محمود دفعت بسياسات حزب العمال في ملف اللجوء والهجرة إلى الاقتراب من خطاب المحافظين أكثر مما ينبغي.

انتقادات غير مسبوقة

الجارديان: "واحد مقابل واحد".. ماذا حدث لطالبي اللجوء بعد ترحيلهم من بريطانيا إلى فرنسا؟

الانتقادات هذه المرة لم تأت من المعارضة، وإنما من داخل حزب العمال نفسه.

فقد دعا اللورد ألف دوبس، أحد أبرز الرموز الأخلاقية والتاريخية داخل الحزب، إلى إبعاد شابانا محمود عن وزارة الداخلية، معتبراً أن سياساتها تقوم على ما وصفه بـ”القسوة الاستعراضية”، مطالباً الحكومة المقبلة بقيادة أندي بيرنام بإلغاء معظم التعديلات التي طرحتها بشأن اللجوء والهجرة.

وتحمل تصريحات دوبس أهمية خاصة، ليس فقط لمكانته داخل الحزب، وإنما أيضاً لتاريخه الشخصي، إذ وصل إلى بريطانيا طفلاً عبر برنامج “كيندرترانسبورت” هرباً من الاضطهاد النازي، وهو ما يمنحه ثقلاً أخلاقياً كبيراً كلما تحدث عن سياسات اللجوء.

كما انتقد دوبس مقترحات تقليص لمّ شمل الأسر، والتعديلات الخاصة بالإقامة الدائمة، محذراً من أنها تمثل تراجعاً عن التزامات بريطانيا التاريخية بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951 والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

هل تحاول محمود إنقاذ موقعها؟

يرى كثير من المراقبين أن الإعلان الجديد يحمل بعداً سياسياً يتجاوز كونه مجرد تعديل في سياسة اللجوء.

فالوزيرة توجه من خلاله عدة رسائل في آن واحد.

رسالة إلى الجناح اليساري بأنها ليست ضد استقبال اللاجئين الحقيقيين.

ورسالة إلى الرأي العام بأنها ما زالت متمسكة بالسيطرة الصارمة على الحدود.

ورسالة إلى أندي بيرنام بأنها قادرة على التكيف مع المرحلة المقبلة، وأنها ليست أسيرة لخطاب متشدد قد يصبح عبئاً على الحكومة الجديدة.

ولذلك، فإن الإعلان لا يمثل تراجعاً كاملاً عن سياساتها السابقة، بل محاولة لإعادة التوازن بين خطابين؛ الأول يؤكد ضرورة حماية الحدود، والثاني يعيد التأكيد على التزام بريطانيا بتوفير مسارات قانونية وآمنة لمن يستحقون الحماية.

هل انتصر الجناح اليساري؟

تخبط وزارة الداخلية يتسبب في تراكم أكثر من 100 ألف طلب لجوء جديد في بريطانيا

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: ليس بعد.

فالخطة الجديدة لا تفتح الباب أمام استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين بصورة مفتوحة، وإنما تنشئ مساراً قانونياً محدوداً يخضع بالكامل لرقابة وزارة الداخلية، مع استمرار السياسة المتشددة تجاه الهجرة غير النظامية.

بمعنى آخر، انتقلت الحكومة من خطاب يقوم على الردع فقط، إلى خطاب أكثر توازناً يمكن تلخيصه بالمعادلة التالية:

فتح طرق قانونية لمن تختارهم الدولة… وتشديد الإجراءات بحق من يحاولون الوصول بطرق غير نظامية.

ماذا بعد؟

يبقى السؤال الأهم هو مستقبل شابانا محمود نفسها.

ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات داخل حزب العمال لإبعادها عن وزارة الداخلية، لا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة بشأن موقف أندي بيرنام من بقائها في المنصب أو إجراء تعديل وزاري واسع يعيد رسم ملامح الحكومة الجديدة.

لكن ما يبدو واضحاً هو أن الإعلان الأخير لا يمكن فصله عن الصراع الدائر داخل الحزب، ولا عن مرحلة انتقال القيادة.

فإذا كان الخطاب السابق لشابانا محمود قد ركز على الردع وتشديد القيود، فإن خطابها الجديد يحاول رسم صورة أكثر توازناً، تقوم على الجمع بين السيطرة على الحدود وفتح مسارات قانونية للاجئين.

ولهذا، فإن ما جرى لا يبدو تحولاً فكرياً في سياسة وزيرة الداخلية، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة التموضع السياسي في لحظة تعد من أكثر اللحظات حساسية داخل حزب العمال، مع اقتراب وصول قيادة جديدة ستسعى، على الأرجح، إلى ترك بصمتها الخاصة على أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في السياسة البريطانية.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا