العرب في بريطانيا | ليس كل المسلمين إرهابيين.. ولكن كل الإرهابيين م...

ليس كل المسلمين إرهابيين.. ولكن كل الإرهابيين مسلمون

ليس كل المسلمين إرهابيين.. ولكن كل الإرهابيين مسلمون
محمد صالح أكتوبر 24, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليس كل المسلمين إرهابيين. يا لها من عبارة مطمئنة! نسمعها أحيانًا من سياسي غربي يخاطب ناخبيه المسلمين أو من ضيف أوروبي يتحدث عبر شاشة عربية. فنشعر بارتياح ونقول أخيرًا: لقد أنصفونا!

لكن من قال أصلًا: إن المسلم متهم حتى يحتاج إلى شهادة براءة؟

قد يقولها بعض الناس بحسن نية رفضًا للتعميم والدفاع عن المسلمين. لكن الغريب أننا اعتدنا سماعها وكأن العلاقة بين الإسلام والإرهاب أمر يحتاج دائمًا إلى التوضيح. وكأن المسلم مطالب بإثبات براءته من جريمة لم يرتكبها.

يكفي أن يرتكب شخص مسلم جريمة إرهابية حتى تتسع دائرة الأسئلة. لا يعود الحديث عن الجاني وحده بل عن دينه والمسجد الذي يرتاده والكتب التي قرأها. وقد تتحول جريمة شخص واحد إلى نقاش طويل عن الإسلام كله. وفجأة يجد ما يقارب مليارَي مسلم أنفسهم معنيين بتفسير أفعال إنسان لا يعرفونه ولا تربطهم به سوى الهُوية الدينية.

ولكن ماذا يحدث عندما يكون المسلم هو ضحية الإرهاب؟

في مارس 2019 اقتحم متطرف يميني مسجدين في مدينة كرايستشيرش بنيوزيلندا أثناء صلاة الجمعة وقتل 51 شخصًا.

وفي يناير 2017 قتل مسلح ستة مصلين داخل مركز إسلامي في كيبيك بكندا. وبعد أشهر دعس متطرف مجموعة من المسلمين قرب مسجد في فينسبري بارك بلندن ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخرين.

وقبل ذلك بسنوات شهدت البوسنة واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الأوروبي الحديث. ففي يوليو 1995 قُتل أكثر من ثمانية آلاف رجل وصبي مسلم في سريبرينيتسا. وشهدت حرب البوسنة أيضًا جرائم اغتصاب وعنف جنسي واسعة النطاق. وقد صنفت المحاكم الدولية مذبحة سريبرينيتسا إبادة جماعية.

وفي ميانمار تعرض مسلمو الروهينغا للقتل والتهجير الجماعي. وفي الصين وثقت تقارير دولية انتهاكات جسيمة بحق الأويغور وغيرهم من المسلمين.

أما في غزة فمنذ أكتوبر 2023 يعيش الفلسطينيون مأساة إنسانية مروعة من القتل والنزوح والدمار. وفي سبتمبر 2025 خلصت لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة برئاسة نافي بيلاي إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة.

لا يمكن بالطبع وضع كل هذه المآسي في سياق واحد. فلكل منها ظروفها وأسبابها ومسؤولياتها. وبعضها حظي بتغطية إعلامية واسعة النطاق وإدانة دولية صريحة.

لكن ما يستحق التوقف عنده هو الطريقة التي تُفسر بها الجرائم.

عندما يكون الجاني مسلمًا قد يصبح دينه جزءًا أساسيًا من تفسير الجريمة. أما عندما يكون المسلم ضحية بسبب هُويته الدينية فلا يُطرح دائمًا السؤال نفسه عن معتقدات الجاني أو البيئة الفكرية التي نشأ فيها.

لماذا نبحث عن جذور الإرهاب في الإسلام عندما يكون مرتكبه مسلمًا، بينما نكتفي غالبًا بإدانة المجرم أو الجماعة التي ينتمي إليها عندما تكون الضحية مسلمة؟

لكن التساؤل عن ازدواجية المعايير لا يتوقف عند هُوية الضحية أو الجاني، بل يمتد إلى من يملك حق تعريف الإرهاب وإدانته. فالولايات المتحدة التي تتصدر جهود مكافحة الإرهاب خاضت حروبًا خلفت وراءها أعدادًا هائلة من الضحايا المدنيين. من هيروشيما وناجازاكي إلى فيتنام ثم غزو العراق عام 2003 بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل لم يُعثر على مخزوناتها المزعومة.

لا أقول: إن هذه الحروب تتطابق مع الجرائم الإرهابية في طبيعتها أو تعريفها القانوني. لكن من الصعب تجاهل اختلاف اللغة التي نتحدث بها عن العنف. مرة يكون الحديث عن الإرهاب والتطرف والعقيدة الدينية، ومرة عن الأمن القومي والمصالح السياسية والأخطاء العسكرية. وفي الحالتين هناك مدنيون فقدوا حياتهم.

وفي إبريل 2026 استشهد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بنص من إنجيل مرقس خلال مؤتمر صحفي عن الحرب مع إيران. واستخدم النص في مهاجمة صحفيين أمريكيين انتقد تغطيتهم للحرب، مشبهًا بعضهم بالفريسيين الذين كانوا يراقبون المسيح بحثًا عما يتهمونه به.

تخيلوا لو أن وزير دفاع في دولة مسلمة استشهد بآيات قرآنية خلال حديثه عن حرب، واستخدمها للهجوم على الصحفيين الذين ينتقدونها. هل كان النقاش سيظل محصورًا في تصريحاته ومواقفه السياسية، أم كنا سنسمع من جديد عن علاقة الإسلام بالعنف والتطرف؟

لا أحد يطالب بتحميل المسيحية مسؤولية تصريحات هيغسيث، ولا ينبغي لأحد أن يفعل ذلك. فمعتقدات الرجل وتصريحاته تخصه هو. وهذا بالضبط ما ينبغي أن ينطبق على المسلم أيضًا.

والمفارقة أننا -نحن المسلمين- لسنا دائمًا أفضل حالًا في التعامل مع هذه التهمة. ففي خلافاتنا السياسية والمذهبية قد يسهل على بعض الناس وصف مسلم آخر بالإرهاب دون دليل. نرفض التعميم عندما يطولنا من الخارج ثم نمارسه أحيانًا على بعضنا.

أليس غريبًا أن نطالب الآخرين بألا يحاكمونا بسبب ديننا ثم نستخدم التهمة نفسها ضد من نختلف معهم؟

ليس كل المسلمين إرهابيين. لماذا يُفترض بنا أن نشعر بالامتنان كلما قالها أحد؟ فكل إنسان مسؤول عن أفعاله وليس عن جريمة ارتكبها شخص آخر. وما يبدو اليوم وكأنه موقف منصف للمسلمين ينبغي أن يكون أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى تأكيد.

اترك تعليقا

↑