دراسة: الأسر البريطانية تعود إلى الادخار بأعلى وتيرة منذ أزمة 2008
كشفت دراسة حديثة أن الأسر البريطانية باتت تُعطي الأولوية للادخار على حساب الإنفاق، في سلوك مالي يُبرِز قلقًا متزايدًا بشأن الأوضاع الاقتصادية، ويُعد الأعلى من نوعه منذ الأزمة المالية العالمية التي شهدها العالم في عام 2008.
وأظهر استطلاع أجرته شركة الأبحاث (GfK) أن 34 في المئة من المستهلكين في بريطانيا اعتبروا شهر تموز/يوليو الجاري وقتًا مناسبًا للادخار، بارتفاع واضح عن نسبة 27 في المئة التي سُجّلت في حزيران/يونيو الماضي.
ووفقًا للشركة، فإن هذه النسبة تُعد الأعلى منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2007، أي قبل أشهر قليلة من اندلاع الأزمة المالية الكبرى التي ضربت الأسواق العالمية عام 2008.
وفي هذا السياق قال نيل بيلامي، مدير الرؤى الاستهلاكية في (GfK): إن الزيادة في مؤشر الادخار تعكس بوضوح مشاعر القلق لدى المواطنين، موضحًا أن من يملك القدرة على التوفير يعمل حاليًّا على تأسيس احتياطات مالية؛ تحسّبًا لأي طارئ.
تضخم وضرائب تدفع الأسر للتقشف

ويُشير التقرير إلى أن مؤشر الادخار ظل يسجل معدلات سلبية بمتوسط -2 في المئة بين عام 2008 ونهاية عام 2020، إلا أنه شهد قفزة كبيرة في ظل أزمة غلاء المعيشة، حيث واجه البريطانيون ارتفاعات متتالية في الأسعار، والإيجارات، وتكاليف الرهن العقاري.
ومع أن الأجور بدأت منذ منتصف عام 2023 بالنمو بوتيرة أسرع من معدلات التضخم، ما ساهم في تحسين أوضاع الأسر المالية بشكل طفيف، فإن الدخل الحقيقي المتاح لكل فرد -أي ما يتبقى من الدخل بعد اقتطاع الضرائب والتضخم- انخفض بنسبة 1 في المئة خلال الربع الأول من العام الجاري، متأثرًا بارتفاع الضرائب واستمرار نمو الأسعار.
وتُشير التوقعات الاقتصادية إلى أن وزيرة المالية راشيل ريفز قد تضطر لزيادة الضرائب في ميزانية الخريف المقبلة؛ لسد فجوة مالية تُقدّر بأكثر من 20 مليار باوند.
كما أن ارتفاع التضخم في حزيران/يونيو بأكثر من المتوقع زاد من المخاوف لدى الأسر من مستقبل اقتصادي غامض، وهو ما دفع كثيرين إلى تبني سلوكيات مالية أكثر تحفظًا.
ثقة المستهلك تتراجع مجددًا

وفي السياق نفسه، أظهر المؤشر العام لثقة المستهلك الصادر عن (GfK) انخفاضًا جديدًا خلال تموز/يوليو، إذ تراجع نقطة واحدة ليصل إلى -19، وهو ما يعكس نظرة أكثر تشاؤمًا تجاه الأوضاع المالية الشخصية والاقتصاد بصفة عامة.
كما أظهرت نتائج الاستطلاع، الذي أُجري في النصف الأول من تموز/يوليو، تراجع تقييم الأسر للوضع الاقتصادي في البلاد خلال العام الماضي وتوقعاتها للـ12 شهرًا القادمة، حيث انخفضت هذه المؤشرات بمقدار نقطة واحدة.
ومع أن النسبة الرسمية لمعدل الادخار الأسري انخفضت إلى 10.9 في المئة خلال الربع الأول من عام 2025، مقارنة بـ12 في المئة في الربع الأخير من عام 2024، فإنها لا تزال أعلى بكثير من متوسط 5.5 في المئة الذي كان سائدًا خلال السنوات الثلاث التي سبقت وباء كورونا.
ويُشير التقرير إلى أن هذا الاتجاه نحو الادخار كان له أثر مباشر في انخفاض الإنفاق الأسري خلال عام 2024، واستمر التراجع خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي. وقد ساهمت هذه المستويات المرتفعة من الادخار في الحد من النشاط الاستهلاكي، وهو ما انعكس سلبًا على أداء قطاعات عديدة في السوق.
أرقام قياسية في حسابات الادخار المعفاة من الضرائب

وأظهرت بيانات بنك إنجلترا أن البريطانيين أودعوا ما يزيد على 14 مليار باوند في حسابات التوفير المعفاة من الضرائب (ISAs) خلال شهر نيسان/إبريل فقط، وهو أعلى مبلغ يُسجل منذ بدء جمع هذه البيانات عام 1999. كما ضُخّ 3.9 مليار باوند إضافية في هذه الحسابات خلال أيار/مايو.
وكانت هناك توقعات بأن تُقدم وزيرة المالية على خفض الحد السنوي المسموح به للإيداع في هذه الحسابات، بهدف توجيه جزء من المدخرات -التي تُقدّر بنحو 300 مليار باوند- نحو الاستثمار في الشركات البريطانية.
لكن هذه الخطة جُمّدت في تموز/يوليو الجاري بعد مواجهة اعتراضات شديدة من جمعيات البناء ودعاة حماية المستهلك.
تشاؤم اقتصادي يخيّم على الشركات والمستهلكين

وفي هذا السياق، قال فيليب شو، كبير الاقتصاديين في بنك (Investec): إن التوقعات بزيادة الضرائب في الخريف، ولا سيما بعد تراجع الحكومة عن وعودها السابقة بتقليص دعم الرفاهية ومدفوعات التدفئة الشتوية، شكّلت “العامل الأساسي” على الأرجح وراء تراجع ثقة المستهلك.
من جانبها تواجه الشركات البريطانية تباطؤًا في الإنفاق من جهة، وارتفاعًا في التكاليف من جهة أخرى.
وأشار مسح مديري المشتريات الصادر عن شركة (S&P Global) إلى انخفاض ثقة الشركات خلال تموز/يوليو، مع فقدان قطاع الخدمات، الذي يُعد العمود الفقري للاقتصاد البريطاني، لزخمه في التعافي.
واختتم بيلامي بالإشارة إلى أن “من الصعب توقع ما قد يرفع ثقة المستهلك بشكل ملموس في الأشهر المقبلة”، مضيفًا أن المؤشر ظل ينخفض بهدوء خلال العام الماضي، “وأي صدمة جديدة قد تُفاقم هذا التراجع بشكل حاد”.
المصدر: فاينانشال تايمز
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
