العنصري الذي يسكننا
كسر هذا الكتاب عندي حاجزًا وهميًا شيدته على مدار سنين، كنت أدافع فيه عن “اللاعنصرية” المفترضة بينما أُهمّش حقيقة العنصرية نفسها. فإذا كان البريطانيون يعترفون بأن العنصرية معضلة كامنة في طبيعة المجتمع، فأي مثالية أخرى يمكن أن نتمسك بها نحن الغرباء، ونحن نعيش داخل مجتمع لا يخفي هشاشته الأخلاقية خلف ابتسامته المهذبة؟
هيثم حسين في كتابه “العنصري في غربته” يبدأ من الداخل: من عنصريتنا نحن — في المدينة والريف، في القومية واللباس والبلد والدين — قبل أن يصل إلى عنصرية الآخر. كأنه يقول لنا: لا يمكنك أن تفهم عنصرية الغريب قبل أن تواجه العنصري الذي يسكنك.
ولذلك كان هذا الكتاب فرصتي لاستعادة التاريخ الذي افترضته عن “اللاعنصرية” التي أتحسسها في ودّ أصدقائي الإنجليز، متعاليًا عن مواقف عنصرية تعرضت لها بالفعل، كأنني أريد أن أكون “أفضل” من الاعتراف بها.
أتذكر أول موقف عنصري واجهته، وكان غامضًا إلى حد السخرية. بينما كنت أرتشف قهوتي، تقدم إليّ نادل أسود البشرة بابتسامة مصطنعة وقال: “نظراتك سببت المخاوف لأحد الزبائن… أنت غير مرغوب فيك هنا.”
قد تكون نظراتي التقت بوجه أحدهم، لكن لا يمكن افتراض أن تحمل نظرتي كراهية لشخص لا أعرفه. ومع ذلك، كان الحكم جاهزًا.
أكملت قهوتي بخمسة أضعاف الوقت المعتاد، كأنني أردّ على “كياسة عنصرية” بحقي الطبيعي في الجلوس. ومع ذلك بقيت أشيد حول نفسي جدار اللاعنصرية، جدارًا هشًا يكسره كتاب واحد.
يأتي تصنيف كتاب الروائي السوري المغترب في لندن هيثم حسين تحت بند “السيرة”، لكنه أبعد من ذلك بكثير. إنه سيرة مجتمع، ومجموعة قصصية، وتحليل نفسي مكتوب بحذر لغوي يضبط الخيال ولا يخنقه. فعندما يفتح المؤلف مستودع الأحقاد السورية، يدعونا لاستبدال كلمة “سوري” بأي بلد عربي آخر. فالتراجيديا ليست ماركة مسجلة، والعنصرية العربية لا تحتاج إلى جواز سفر.
وبمجرد فتح مستودع العنصرية التاريخي، ندخل تلقائيًا إلى كل ما يتصل بها: الكراهية، عدم المساواة، لعب دور الضحية، وتبرير الدونية المقنعة.
العنصرية ليست شأنًا يكتفي بذاته، إنها أمٌّ حريصة على سموم أبنائها.
ولذلك، حين فكر هيثم حسين بكتابة رواية عن العنصرية، كان عليه أن يواجه شياطينه، ويتجرع سمومه، ويتعايش مع أحقاده، ويروّض رغباته في الانتقام. يسمح لنفسه بالتعبير بقسوة ووحشية وعنف لغوي عمّا يعترك في داخله. وهو في كل ذلك لا يتحدث عن نفسه فقط، بل عن كل واحد منا.
ففي داخل كل إنسان — مهما ادعى الطهر — عنصري صغير يختلف حجم شروره من شخص لآخر.
ولذلك لا ينتهي الأمر بما يتعرض له اللاجئون السوريون من عنصرية، فممارسة دور الضحية — كما يلمّح حسين — ليست سوى تكتيك بائس يعيد إنتاج المظلومية بوصفها هوية كما حدث على الأغلب عند اللاجئين العراقيين في بريطانيا قبل عام 2003.
ويستعيد مثالًا تاريخيًا عن الكردي الذي “لا يحتاج إلى أعداء… فالكردي عدو نفسه”. وهذا الكلام ينطبق على العربي أيضًا، وبشكل مطلق.
في كتابه الموجع، يعبّر هيثم حسين عن حقيقة وجودية يعاني منها العالم: أن كل المعايير الأخلاقية التي وُضعت لم تستطع كسر العنصرية.
ومع ذلك، يتوصل إلى ما يشبه الطمأنينة، حين يكون الإنسان حرًا في داخله، يصبح ملك العالم.
عندما طلبت صحيفة نيويورك تايمز من الروائية المغربية ليلى العلمي أن تقترح على الرئيس جو بايدن أول كتاب يقرأه بعد دخوله البيت الأبيض، اختارت كتاب “عدم المساواة” لآدم كوهين.
أما نحن، فلدينا قائمة طويلة من الناس الذين ينبغي عليهم قراءة كتاب “العنصري في غربته”… قائمة تبدأ بنا نحن، قبل أن نلوم الآخرين.
في النهاية، لا يقدّم هيثم حسين كتابًا عن العنصرية بقدر ما يقدّم مرآة لا ترحم. مرآة تكشف أن الغريب ليس ضحية كاملة، وأن المضيف ليس بريئًا كما يتظاهر، وأن الإنسان — أي إنسان — قادر على حمل بذرة الظلم في جيبه دون أن يشعر بثقلها. وما دام كل واحد منا يصرّ على حماية “عنصريته الصغيرة” تحت عباءة الأخلاق، فلن تنفعنا كل القوانين ولا كل الشعارات.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الوعظ، بل إلى مزيد من الصدق: أن نعترف بأننا لسنا أفضل مما ننتقده، وأن الغربة لا تصنع عنصريًا جديدًا… بل تكشف العنصري القديم الذي كنا نخفيه في الداخل. وربما هنا تكمن الفضيحة الكبرى: أن العنصرية ليست ما يفعله الآخر بنا، بل ما نفعله نحن بأنفسنا حين نرفض أن نرى الحقيقة.
الرابط المختصر هنا ⬇
تحياتي الى الكاتب المبع هيثم حسن.