من دماء غزة واليمن.. كيف يجني الغرب أرباحه؟ كتاب جديد يفضح “تجار الحروب”
يكشف كتاب جديد للناشط والكاتب أندرو فاينستين وفريقه البحثي كيف تحوّلت الحروب في غزة واليمن إلى مصدر أرباح لشركات سلاح، وسياسيين، ولوبيات، وشركات إدارة أصول في الغرب، عبر شبكات معقدة من المال والنفوذ والسياسة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة ذا ناشيونال (The National)، يصدر الكتاب في بريطانيا خلال نوفمبر/تشرين الثاني المقبل بعنوان «صناعة القتل: كيف يربح الغرب من المذابح في غزة واليمن»، ويقدمه مؤلفوه بوصفه «سجلًا للتواطؤ» في الحروب والانتهاكات التي شهدها البلدان خلال السنوات الأخيرة.
من صنع القنبلة التي قتلت عائلتي؟

بدأت إحدى أفكار الكتاب من سؤال طرحه صحفي فلسطيني فقد معظم أفراد عائلته في غارة جوية على منزله في غزة، حين سأل فاينستين في مقابلة صوتية: «من صنع القنبلة التي قتلت عائلتي؟».
تقول روث روده، المشاركة في تأليف الكتاب، إن هذا السؤال هو ما يحاول الفريق الإجابة عنه بصورة أوسع، لا تكتفي بتحديد الشركة التي صنعت السلاح المستخدم في واقعة معينة، بل تبحث في كيف تستمر هذه الأسلحة في الوصول إلى أماكن تقتل فيها أعدادًا كبيرة من المدنيين.
وتضيف أن الكتاب لا يسعى فقط إلى توثيق أسماء الشركات والأسلحة، بل إلى شرح البنية السياسية والاقتصادية التي تجعل استمرار هذه التجارة ممكنًا، رغم حجم الدمار الإنساني.
من اليمن إلى غزة
بدأ العمل على الكتاب، بحسب التقرير، في عام 2017، مع تركيز أولي على الحرب في اليمن، قبل أن يتوسع لاحقًا ليشمل ما جرى في غزة بعد أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويشارك في الكتاب أندرو فاينستين، وروث روده، وجاك سينامون، إلى جانب مساهمات من صحفيين وباحثين استقصائيين، بينهم بول هولدن وآنا ستافرياناكيس.
ويقول الفريق إن الكتاب يتتبع العلاقات الطويلة بين دول غربية من جهة، وإسرائيل والسعودية والإمارات من جهة أخرى، باعتبارها علاقات تتمحور حول السلاح والأرباح أكثر من حماية البشر.
خرائط المال والسلاح
لا يكتفي الكتاب، وفق التقرير، بشرح خلفية الحرب في اليمن والإبادة في غزة، بل يضع هذه الخلفية إلى جانب قصص أشخاص عاشوا هذه الأحداث ودفعوا ثمنها مباشرة.
ثم ينتقل إلى تفكيك الجانب اللوجستي والمالي: من يصنع الأسلحة؟ كيف تُنقل؟ من يوافق على بيعها؟ ومن يستفيد ماليًا من استمرارها؟
ويقول المؤلفون إن هذه المنظومة لا تعمل عبر الشركات وحدها، بل عبر علاقات عميقة بين المال والسلطة، تشمل المديرين التنفيذيين، والسياسيين، وجماعات الضغط، وشركات إدارة الأصول الكبرى التي أصبحت تملك حصصًا واسعة في تجارة السلاح العالمية.
وبحسب الكتاب، فإن أرباح هذه المنظومة تعود في النهاية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الشريحة الأكثر ثراءً في الغرب.
دعوة إلى محاسبة قانونية
قال فاينستين إنه يأمل أن تقود المعلومات التي يكشفها الكتاب إلى تحركات قانونية؛ لأنه يذكر أسماء أفراد وشركات وحكومات ومؤسسات.
وأضاف أنه إذا لم تكن هناك محاسبة على إبادة شاهدها العالم يوميًا على الشاشات، فإن فكرة سيادة القانون نفسها تصبح مهددة.
ويرى فاينستين أن القانون الدولي وقوانين الحرب لم تكن يومًا منظومة مثالية، لكنها كانت على الأقل تضع حدودًا شكلية لما يمكن أن تفعله الدول في الحروب، محذرًا من أن ما يحدث الآن يدفع العالم نحو منطق أخطر: افعل ما تريد بمن تريد.
غزة واليمن كاختبار للمساءلة
تقول المادة إن عدد القتلى الفلسطينيين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 تجاوز 70 ألفًا، وفق وزارة الصحة في غزة.
أما الحرب في اليمن، فيُعتقد أنها أدت إلى وفاة مئات الآلاف من المدنيين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نتيجة القتال والجوع وانهيار الخدمات.
وقال بول هولدن إن ما يحرك فريق الكتاب هو غضب أخلاقي عميق من أن حربين بهذا الحجم، واحدة في غزة وأخرى في اليمن، جرى تسهيلهما وتمكينهما عبر جهات يمكن تحديدها، ومع ذلك لم تخضع للمحاسبة.
وأضاف أن غياب المحاسبة يعني أن هذه الجهات قد تكرر الأمر نفسه مرة أخرى.
توني بلير في قلب النقد
يفرد الكتاب مساحة خاصة لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، بوصفه مثالًا على غياب المحاسبة بعد حرب العراق، وعلى كيفية تحول بعض السياسيين السابقين إلى خبراء ومستشارين في شؤون الشرق الأوسط بعد مشاركتهم في قرارات حربية كبرى.
ويقول فاينستين إن بلير بنى جانبًا من ثروته، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على خلفية غزو العراق، وارتباطه لاحقًا بشركات ومؤسسات لها صلة بعالم الدفاع والنفوذ السياسي.
ووصفه فاينستين بأنه واحد من أكثر المستفيدين من الحروب «وقاحة»، معتبرًا أن الكتاب يحاول إظهار أن بلير ليس حالة منفردة، بل جزء من نمط أوسع يربط بين القرار السياسي والحرب والثروة.
تجارة السلاح والسياسة الغربية
يرى فاينستين أن الحروب المستمرة لا يمكن فصلها عن عاملين رئيسيين: سياسات حكومية غربية شديدة النزعة العسكرية، ونظام تجارة سلاح يضخ المال داخل الحياة السياسية.
ويقول إن بعض الحكومات الغربية تتصرف كما لو أن لها حقوقًا خاصة في العالم بسبب تاريخها الإمبراطوري، وإن هذه الرؤية تتغذى على نزعة عسكرية عميقة.
ويضيف أن تجارة السلاح، التي يصفها بأنها من أكثر أنواع التجارة فسادًا في العالم، لا تقف خارج السياسة، بل تغذي الأنظمة السياسية نفسها عبر المال والعلاقات واللوبيات.
شركات التكنولوجيا والحرب الجديدة
لا يتوقف الكتاب عند شركات السلاح التقليدية، بل يتناول أيضًا أنظمة التكنولوجيا المتقدمة المستخدمة في الحرب المعلوماتية والمراقبة.
ويشير إلى دور شركات مثل غوغل ومايكروسوفت وأمازون وبالانتير في تقديم بنى تحتية أو خدمات تكنولوجية مرتبطة بالمراقبة والعمليات العسكرية وإدارة المعلومات.
ويقول فاينستين إن بعض رجال التكنولوجيا الذين يربحون من الحرب أصبحوا من أقوى الأشخاص على الكوكب، واصفًا إياهم بأنهم من أكثر الشخصيات إثارة للنفور التي درسها خلال 25 عامًا من العمل على تجارة السلاح.
ليس كتابًا لليأس
رغم قتامة الموضوع، تقول روث روده إن الكتاب لا يريد أن يترك القراء أمام شعور بالعجز.
وتوضح أن أحد أسباب استمرار هذه المنظومة هو ترسخ العلاقات بين الغرب وحلفائه المقربين في الشرق الأوسط، لكنها تؤكد أن ذلك لا يعني أن التغيير مستحيل.
وتقول إن الكتاب يتضمن قسمًا عن أشكال التحرك الممكنة، من التعليم والضغط العام إلى المطالبة بالمساءلة، مشددة على أهمية أن يفهم الجمهور في الغرب كيف تعمل هذه الشبكات، ومن يستفيد منها، وكيف يمكن مساءلتها.
سؤال الأرباح من الحرب

يضع الكتاب، الذي يعرض له التقرير، سؤالًا مباشرًا أمام الرأي العام الغربي: من يربح عندما تُقصف غزة أو تُدمّر اليمن؟
فبدل النظر إلى الحروب باعتبارها قرارات سياسية أو عسكرية فقط، يحاول الكتاب تتبع المال الذي يتحرك خلفها: عقود السلاح، وأرباح الشركات، ومكافآت المديرين، وأدوار اللوبيات، وعلاقات السياسيين بعد مغادرة السلطة.
وبهذا المعنى، لا يقدم «صناعة القتل» نفسه ككتاب عن الشرق الأوسط وحده، بل كتحقيق في قلب الديمقراطيات الغربية نفسها، وفي الطريقة التي يمكن أن تجعل الحرب مصدرًا للنفوذ والثروة، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
المصدر: ذا ناشونال
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇