للخير فلسفة أخرى: قانونها حب الغير
ما كان الخير يوماً مفهوماً بسيطاً كما تصوّره المواعظ المختصرة أو التّعريفات المدرسيّة.
ولم يكن فعلاً أبيضَ يقف قبالة شرٍّ أسود، ولا حركةً أخلاقيّةً ميكانيكية تُقاس بعدد الحسنات أو بحجم التّضحيات الظّاهرة.
الخير، في طبقته الأعمق، فلسفةٌ كاملة للحياة؛ لها منطقها الخاصّ، وقانونها غير المكتوب، ومحرّكها الدّاخليّ الّذي لا يعمل إلّا بطاقةٍ واحدة: حبّ الغير.
هذه الفلسفة لا تبدأ من السّؤال السّهل: ماذا سأجني؟
تبدأ من السّؤال الأقدم والأثقل: كيف أكون إنساناً في عالمٍ يتقن تبرير أنانيته؟
1. الخير كخروجٍ من الأنا
كثيرٌ ممّا نسمّيه خيراً في حياتنا اليوميّة لا يغادر في حقيقته دائرة الأنا.
نُحسن لأنّ الإحسان يريح ضميرنا، ونساعد لأنّنا نخشى اللّوم، ونتعاطف لأنّنا نرجو التّعاطف إذا أصابنا الألم.
إنّه خيرٌ مشروط، محكومٌ بالمقايضة، تديره حسابات دقيقة: أعطِ لأُعطى، سامح لأُسامَح، أحبّ ليُحَبّ.
أمّا الخير الّذي نتحدّث عنه هنا، فهو قطيعةٌ واعية مع هذا المنطق.
تمرّدٌ هادئ على مركزيّة الذات.
أن تفعل الصّواب لا لأنك ستُكافأ، ولكن لأنّ الآخر يستحق.
أن تُنقذ المعنى من براثن المنفعة، وتُعيد للإنسان مكانته كغاية، لا كوسيلة.
في هذا المعنى، لا يعود حبّ الغير عاطفةً طارئة، وإنّما موقف وجودي:
أن ترى في الآخر امتداداً إنسانيّاً لك، لا تهديداً لوجودك.
2. حبّ الغير: قانون لا فضيلة
حين نقول إنّ حبّ الغير هو قانون الخير، فنحن نرفعه من مرتبة الفضيلة الاختيارية إلى مرتبة المبدأ الحاكم.
الفضيلة قد تُمارَس وقد تُترك، أمّا القانون فإذا عُطِّل انهار البناء كله.
الخير بلا حبٍّ للغير يتحوّل إلى شكلٍ فارغ، إلى أخلاقٍ باردة تشبه التعليمات.
قد يكون منضبطاً، لكنه بلا روح.
كمن يُنقذ غريقاً وهو ينظر إلى ساعته، أو يطعم جائعاً وهو يحتقره في داخله.
حبّ الغير هو ما يمنح الفعل الأخلاقيّ صدقه الداخلي.
هو ما يجعله حيّاً، نابضاً، متجاوزاً للواجب.
عندها لا يعود السّؤال: هل يجب أن أفعل؟
يصبح السّؤال: كيف لا أفعل؟
3. بين العدالة والخير: فجوة الحبّ
العدالة ضروريّة، لكنّها غير كافية.
تُنصف، لكنّها لا تحبّ.
تُعيد الحقوق، لكنّها لا تضمّد الجراح.
تحاسب، لكنّها لا تعانق.
كم من قرارٍ كان عادلاً في نصّه، قاسياً في أثره؟
وكم من حكمٍ كان صحيحاً قانونيّاً، مدمّراً إنسانيّاً؟
هنا يتدخّل الخير بوصفه فلسفةً مكمِّلة لا نقيضاً.
لا يُلغي العدالة، ولكن يمنعها من التّحوّل إلى آلة.
يذكّرنا أنّ البشر ليسوا ملفات، وأنّ الخطأ لا يلغي الإنسانيّة، وأنّ الكسر لا يعني استحقاق العقاب الأبدي.
حبّ الغير هو الصّلة بين الحقّ والرّحمة، بين النصّ والوجع.
4. الخير كفعلٍ صامت
أصدق أشكال الخير تلك الّتي لا تبحث عن شاهد.
الخير الّذي يُمارَس في الظلّ، بلا إعلان، بلا تصفيق، بلا منصّات.
لأن حبّ الغير الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور.
حين يكون دافعك هو الآخر، لا صورتك عند الآخر،
يصبح الصّمت جزءاً من الأخلاق،
ويغدو الكتمان شكلاً من أشكال النبل،
ويتحوّل الفعل ذاته إلى مكافأته الوحيدة.
الخير الصّامت أخطر على الشّرّ،
لأنّه لا يُستدرج إلى استعراض،
ولا يُستفزّ إلى صراع،
يمشي بثباتٍ يشبه الماء… يغيّر كل شيء دون أن يرفع صوته.
5. حبّ الغير في عالمٍ قاسٍ
قد يبدو هذا الطرح مثاليّاً في عالمٍ تحكمه المصالح، وتديره القوّة، وتُكافَأ فيه القسوة أكثر من الرّحمة.
لكن السّؤال الحقيقيّ ليس: هل العالم يستحقّ هذا الخير؟
السّؤال الحقيقيّ: هل نستحقّ نحن أن نصبح أكثر قسوةً لأنّ العالم قاسٍ؟
حبّ الغير ليس سذاجة، وإنّما شجاعة.
ليس ضعفاً، وإنّما مقاومة واعية للتحوّل إلى نسخة أخرى من الظّلم.
هو اختيارٌ أخلاقيٌّ بعدم تسليم أرواحنا لمنطق الغابة، حتى ونحن نعيش داخلها.
في هذا المعنى، يصبح الخير فعل مقاومة:
مقاومة التبلّد،
مقاومة الكراهية،
ومقاومة اختزال الإنسان في خطئه أو خصومته.
6. الخير كتربيةٍ للرّوح
لا يولد الإنسان محبّاً للغير تلقائيّاً.
هذا الحبّ يُتعلَّم، يُدرَّب، يُمتحَن.
هو ثمرة وعيٍ طويل، وسقوطات متكرّرة، ومراجعات قاسية للذات.
أن تحبّ الغير يعني أن ترى هشاشته دون أن تستغلّها،
وأن تفهم دوافعه دون أن تبرّر خطأه،
وأن تختلف معه دون أن تُلغيه.
وهذا أعلى أشكال النّضج الأخلاقيّ.
هنا يصبح الخير مساراً لا حالة،
ومجاهدةً داخليّةً دائمةً ضد الأنانيّة المقنّعة الّتي تتسلّل حتّى إلى أفعالنا النّبيلة.
7. حين يتحوّل الخير إلى هويّة
أسمى مراتب هذه الفلسفة أن يتحوّل الخير من فعلٍ نؤدّيه إلى هويّةٍ نعيشها.
أن يصبح حبّ الغير جزءاً من طريقة نظرنا، وكلامنا، وأحكامنا، واختلافاتنا.
حينها لا نحتاج إلى شعارات أخلاقيّة،
لأنّ الحضور نفسه يصبح رسالةً.
ولا نحتاج إلى تذكير أنفسنا بالصّواب،
لأنّ القلب المُدرَّب على حبّ الغير نادراً ما يضلّ الطّريق.
ومن هنا، نرى أنّ للخير فلسفةٌ أخرى، نعم.
فلسفة لا تُختصر في النّصوص،
ولا تُحبس في القوانين،
ولا تُقاس بالنّتائج السّريعة.
قانونها الوحيد حبّ الغير،
ومحكّها الدّائم هو الإنسان.
وفي هذا الزمن الّذي يتقن فيه الجميع الدّفاع عن أنفسهم،
يبقى الخير الحقيقيّ هو القدرة النّادرة على الدّفاع عن إنسانيّة الآخرين،
حتى حين لا يطلبون،
وحتى حين لا يشكرون،
وحتى حين لا يفهمون.
وهنا فقط…
لا يعود الخير سلوكاً.
يصبح معنى.
اقرأ أيضًا:
- نعمٌ نعيشها… ولا نراها
- جبر الخواطر عبادة صامتة تصنع أثرًا عميقًا في حياة الناس
- شهر شعبان: مدرسةُ الاستعداد وبناءُ النفس والمجتمع
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇

رائع🌹
💗💗💗