العرب في بريطانيا | نعمٌ نعيشها… ولا نراها

1447 شوال 15 | 03 أبريل 2026

نعمٌ نعيشها… ولا نراها

نعمٌ نعيشها… ولا نراها

نحن لا نعيش في فقرٍ مطلق كما نتصوّر، نحن نعيش في غفلةٍ مكتملة الأركان.
غفلة تجعل النّعمة مألوفة إلى حدّ الاختفاء، وتجعل الشّكوى عادةً يوميّةً لا تحتاج إلى سببٍ كبير. فنحن لا نشكو لأنّنا محرومون بقدر ما نشكو لأنّنا اعتدنا الامتلاء، وحين يعتاد الإنسان النّعمة، يتوقّف عن رؤيتها، وكأنّها جزءٌ من الهواء: لا يُحسّ به إلّا عند الاختناق.

المفارقة أنّ أكثر النعم رسوخاً في حياتنا هي أكثرها صمتاً.

لا تُحدث ضجيجاً، ولا تطلب شكراً، ولا تفرض حضورها، ولذلك نمرّ بها كلّ يوم دون أن نلتفت. نمشي على أقدامٍ سليمةٍ، ونفتح أعيننا صباحاً، وننطق كلماتنا دون عناء، ونشرب الماء دون خوف، ونأكل دون سؤالٍ عن مصدر الرّغيف… ثمّ نقول بملء أفواهنا: نحن متعبون، نحن مظلومون، نحن لا نملك شيئاً.

لكن، ماذا لو كانت المشكلة ليست في قلّة ما نملك، بل في التّشويش على ما نرى؟

النّعمة لا تصرخ، وهي لا تطرق الأبواب بقوّة، ولا تُذكّرنا بنفسها كلّ صباح، النّعمة تشبه الأمّ الّتي تقوم بكلّ شيء في صمت، وحين تغيب، فقط حينها ندرك حجمها.
لذلك لا نعرف قيمة العافية إلّا في غرفة الانتظار، ولا نعرف معنى الأمان إلّا حين نفقده، ولا نكتشف ثراء الوقت إلّا حين يداهمنا الفوات.

نحن نعيش في زمنٍ يعلّمنا المقارنة أكثر مما يعلّمنا الامتنان.

نقيس حياتنا بما ينقصها لا بما يسندها. ننظر إلى الأعلى دائماً، إلى ما عند الآخرين، فنشعر بالفقر حتى ونحن ممتلئون. صارت النّعمة ناقصةً لأنّها ليست الأفضل، وصار الرّضا تهمةً، والقناعة ضعفاً، والشّكوى لغةً جماعيّةً نبرّر بها قلقنا الوجودي.

لكن، لو توقّفنا لحظة، فقط لحظة صادقة، وسألنا أنفسنا:
كم نعمة نعيشها الآن، لو سُلبت منّا لانقلبت حياتنا رأساً على عقب؟

نعمة أن تستيقظ ولا يكون أول همّك الألم.

نعمة أن تنام وأنت لا تخاف على سقفٍ فوق رأسك.

نعمة أن يكون لك منادٍ باسمك، وصوتٌ ينتظرك، ورسالةٌ تصل.

نعمة أن تحزن… نعم، حتى الحزن نعمة، لأنّه دليل إنسانيّتك، ودليل أنّك ما زلت تشعر، ولم تتحوّل إلى حجر.

الشّكوى، في جوهرها، ليست اعتراضاً على الواقع فقط، وإنّما نسيان للقاعدة.

نسيان أنّ ما نعتبره “عاديّاً” هو حلمٌ مؤجّل في حياة غيرنا.

ننسى أنّ أشياءنا اليوميّة هي معجزاتٌ صغيرةٌ متكرّرةٌ. ننسى أنّ الاستمرار بحدّ ذاته نعمةٌ، وأنّ القدرة على المحاولة امتيازٌ، وأنّ البقاء واقفاً وسط العواصف ليس أمراً هيّناً كما نظنّ.

نحن نشكو لأنّنا نربط النّعمة بالكمال، لا بالوجود.

فإن لم تكن الحياة مثاليّةً، حسبناها قاسيةً. وإن لم تتحقّق أحلامنا كاملة، اعتبرنا أنفسنا خاسرين. كأنّ النّعمة لا تُحتسب إلّا إذا جاءت وفق شروطنا، وكأنّ العطاء لا يُعترف به إلّا إذا لبّى توقّعاتنا الدّقيقة.

وهنا يكمن الخلل الفلسفيّ العميق:

نحن لا نريد النّعمة، ولكن نريد النّسخة الّتي رسمناها عنها.

الامتنان ليس إنكاراً للألم، ولا تزييفاً للمعاناة، ولا دعوة للصّمت عن الظّلم.

الامتنان وعيٌ مزدوج: أن ترى الجرح، دون أن تنسى اليد الّتي ما زالت قادرة على تضميده. أن تعترف بالنّقص، دون أن تمحو الفضل. أن تقول: “أنا متألّم”، دون أن تضيف: “ولا أملك شيئاً”.

أخطر ما في الشّكوى الدّائمة أنّها تُفرغ الرّوح من الدهشة.
والإنسان بلا دهشة، كائنٌ مستهلك، يرى العالم بلونٍ واحد، ويعيش الحياة بوصفها عبئاً لا هبة. وحين تضيع الدهشة، تضيع القدرة على الشّكر، وحين يضيع الشّكر، تصبح النّعم عابرة، بلا أثر، بلا طعم.

ربّما لا نحتاج إلى المزيد من النّعم،

ربّما نحتاج فقط إلى إعادة تسمية ما نملك.

أن نسمي التّنفّس حياة، لا أمراً بديهيّاً.

أن نسمي السّلام الدّاخلي ثراء، لا حياداً.

أن نسمي النّجاة فضلاً، لا تأجيلاً.

أن نتعلّم أن ننظر إلى حياتنا من الدّاخل، لا من شرفات الآخرين.

ويا أصدقاء ليست المأساة أنّنا نشكو،

المأساة أنّنا نشكو دون أن ننتبه أنّنا ما زلنا قادرين على الشّكوى.

وقادرين على الكلام.

وقادرين على التّفكير.

وقادرين على الأمل.

وهذه وحدها… نعمةٌ كافيةٌ لأن نتوقّف قليلاً،

ونخفض صوت الشّكوى،

ونرفع صوت الوعي.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا