العرب في بريطانيا | شهادة بحق صديق - العرب في بريطانيا - AUK

1445 شوال 11 | 20 أبريل 2024

شهادة بحق صديق

صديق
سعيد الشيخ February 19, 2024

هل تعرفون كيف ومتى ولماذا تصبح الكلمات أحيانًا بلا معنى، أو أنها تبذل جهودًا خارقة لتعبّر بحروفها القليلة عن عواطف مشتعلة ومشاعر متضاربة، وأخرى في طور التكوين؟ هذا هو الحال الذي انتابني أثناء تشييع جنازة الأخ الفاضل والصديق العزيز محمود المسلمي، عِشرة العمر بين أنياب الغربة.

وصلت إلى نُزُل البي بي سي في لندن (بومونت هاوس) في منطقة Bayswater بالقرب من حديقة الهايد بارك الشهيرة، قبل وصول محمود بثلاثة أيام، أي أننا بدأنا مسيرتنا مع البي بي سي معًا. منذ اليوم الأول كان محمود شخصية مميزة، لم يخلُ مجلس لنا من ضحكة من القلب، سببها قفشة من محمود، الذي كان يتمتع بسرعة بديهة خارقة، ويتقن اللعب على الكلمات، ليضفي جوًّا من المرح والبهجة على أي مجلس شارك فيه.

عملنا معًا منذ بداية السلّم، أنا أُعد النشرة وهو يقرؤها، وذلك في صرح البي بس سي العتيق في بوش هاوس. ثم عملنا معًا لسنوات في البرامج الإخبارية، أنا مخرجٌ وهو مقدّم، أيام كان حسن معوض والمرحوم قاسم جعفر يشرفان على إعداد البرامج الإخبارية؛ ومن ثَم، وطوال إشرافي لاحقًا على نشرات الأخبار والبرامج، ليلًا ونهارًا، ومن واقع التجربة الطويلة في هذا المضمار، كان محمود يُشعِر من يعمل معه بالأمان. فمهما كانت الظروف، ومهما كانت الضغوط، كان محمود يُحسن التصرف على الهواء، ولا يُشعر المستمع بوجود أي مشكلة أو خلل.

صديق
محمود المسلّمي كبير المذيعين في بي بي سي (BBC)

رجل ثريُّ الخبرة، ما بين صوت العرب الغني عن التعريف، إلى إذاعة عُمان، إلى مدرسة البي بي سي، كان محمود نجمًا متألقًا، متفردًا في الأداء، يتمتع بروح المبادرة، ويتدخل في الوقت المناسب، ويأخذ الأمور بيديه عندما يجد أن ذلك هو الحل الأمثل.

نهار العمل شاق ومضنٍ! فما بالك بليله؟! هنا كانت تتجلى موهبة محمود في تبديد الملل وإضفاء المرح والبهجة على ليالي العمل الطويلة، بنكتة من هنا وحكاية من هناك، وتعليق جاد حينًا وساخر أحيانًا على مجريات العمل.. ناهيك عن إتقان العمل الذي لا مزيد عليه..وهكذا تكون الصحبة، وإلا فلا.

لم يكتف محمود بدور المذيع ومقدّم البرامج اللامع فحسب، بل تجاوز ذلك، راغبًا ومختارًا، إلى دور المدرب، الذي لا يحتاج الى إتقان الصنعة فحسب، بل يتعداها إلى البعد الإنساني الشامل بكل مضامينه، من احتضان أبوي، إلى رعاية متكاملة، إلى صبر لا ينفد، إلى أسلوب سهل ممتنع لا يُشعر المتدرب بالملل، وفوق ذلك كله خُلق رفيع، لا يُشعر المتدرب بالدونية، بل هي خطوات محسوبة، وهمة عالية لا تكل ولا تمل، نتيجتها الطبيعية أن تخرّج من تحت يديه صحفيون ومذيعون أصبحوا نجومًا.

رحم الله الأخ العزيز والزميل الفاضل محمود المسلمي (أبو مصطفى) رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا. وخالص العزاء لزوجته الفاضلة ولابنه الدكتور مصطفى وكريماته الفضليات، وكل محبيه في أقطار الأرض قاطبة من زملاء ومستمعين، حيث كان برنامجه الشهير، همزة وصل، نموذجًا حيًّا يُحتذى به للبرامج الإذاعية التفاعلية التي غطت عددًا لا يُحصى من القضايا والمضامين، عالجها محمود بمهنية عالية أصيلة. نسأل الله العلي القدير أن يكون مثواه الجنة، وأن يربط على قلوب عائلته الصغيرة، ويغدق شآبيب رحمته علينا جميعًا.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.