العرب في بريطانيا | شاعرة صومالية بريطانية تعبّر عن واقع جاليتها في...

1445 شوال 8 | 17 أبريل 2024

شاعرة صومالية بريطانية تعبّر عن واقع جاليتها في الغربة

شاعرة صومالية بريطانية تعبّر عن واقع جاليتها في الغربة
ترجمة || عبلة قوفي February 9, 2022

تمزج مجموعة شاعرة صومالية- بريطانية جديدة بين الشعر والتقرير لجذب أصوات الشتات الصومالي.

في يوم تعلوه الرطوبة حوالي عام 2013، شغّلت الشاعرة وارسان شاير جهاز التسجيل الصوتي ليتحدث عمها عن شبابه في الصومال، وعن حياته كلاجئ وعن إدمانه أوراق نبات القات المر. جلست شاير صاحبة الجبهة العريضة والشعر الأسود المجعّد البالغة 33 عامًا مع عمها في غرفة بمنزلٍ خشبي شمال غرب لندن، حيث يعيش هناك الكثير من المغتربين.

فقد عمها أكثر من سنّ بسبب إدمانه على القات الذي يبقيه مستيقظًا ولا ينام حسب ما تزعمه شاير. سألته عن ما يشعر به عند مضغ أوراق القات، فردّ قائلًا: “عندما تكون منتشيًا، يبدو الأمر وكأنك تبني بكلماتك وأحلامك تلك الأبراج الضخمة التي تتعلق بما ستفعله غدًا، وكيف ستصلح حياتك. ثم تشرق الشمس وتتهدم تلك الأبراج. ثم إنك تفعل ذلك كل يوم ولا تصل إلى أي مكان أبدا لأنك تكذب على نفسك باستمرار.”

حصل عم الشاعرة شاير على منحة دراسية للدراسة خارجًا عندما كان مراهقًا، ولكنه خسرها مع اندلاع الحرب الأهلية في الصومال في بداية التسعينيات.

وهاجر بعدها إلى إنجلترا ولم يتزوج مطلقًا. وهاجر والدا شاير أيضًا إلى إنجلترا كلاجئين، ومع مرور السنوات أصبحت الفتاة تتحدث كثيرًا مع عمها حول ماضيه، عمها الذي أخبرها كثيرًا وهو يحتسي الكاكسو -القهوة الصومالية المتبّلة بالقرفة والهيل- أنه “فشل في حياته” وكان “ملعونًا بالحرب”.

الشاعرة الصومالية تسلط الضوء على تجربة النساء المهاجرات

شاعرة صومالية بريطانية تعبّر عن واقع جاليتها في الغربة
شاعرة صومالية بريطانية تعبّر عن واقع جاليتها في الغربة (The New Yorker)

ركّزت الكثير من أشعار شاير حول تجارب النساء المهاجرات. ولكنها أصبحت أكثر فضولًا في السنوات الأخيرة بشأن الحياة الداخلية للرجال في عائلتها. قالت شاير: “كان هناك ذاك الشيء الذي طالما وجدته حزينًا وسط الرجال الذين ترعرعت بينهم”. وكتبت شاير “كانوا يرتدون تلك البدلات الكبيرة جدًا والتي تتدلى من فوق معاصمهم، كانوا يبدون وكأنهم أولادًا صغارًا ببدلات رسمية للذهاب إلى مقابلة العمل التي لن يتم قبولهم فيها أبدًا. ذكّرَني شيء من ذلك كيف كانت حياتهم عقيمة وعبثية في هذا العالم الجديد”.

ستصدر المجموعة الكاملة الأولى لشاير تحت عنوان” Bless the Daughter Raised by a Voice in Her Head” في مارس القادم. تصف قصيدة “وحدتي تقتلني” لقاءها مع عمها في المنزل الخشبي كعازفٍ للموسيقى الشعبية الصومالية:
“يتصاعد البخار من الكاكسو المرة مع الدموع، يبرم بعناية التبغ الذي يشبه لون يديه، يغني دائمًا، وحيدًا هذه المرة، وحيدًا في كل الأوقات”.

وفي نهاية الزيارة، قال لها عمها: “ابنتي، كوني أقوى من الوحدة التي سيقدمها لك العالم. “اقتبست شاير هذه الجملة في المقطع الأخير من قصيدتها وهي نفس الجملة التي ألهمتها كتابة العنوان. “كل ترانيم الصمود هذه”، “لقد كنت أفكر للتو بأنها أغاني للاجئين”.

تنتمي شاير لجيل الشعراء الشباب الذين جذبوا شريحة كبيرة من الجماهير بنشر شعرهم أولًا على الانترنت. وبرزت لأول مرة على شبكة تمبلر ولديها الآن 80 ألف متابعًا على تويتر و57 ألف متابعًا على انستغرام.

قالت إليسا رونزهايمر، الباحثة الأدبية في جامعة بييفيلد الألمانية أن شعر شاير “ينتج شيئًا ذا قيمة في قلب أرضية غير محكمة وقابلة للتأثر، ولكنه ليس من الثقافة الشعبية -كما أعتقد أيضًا-“.

اشتهرت شاير بتعاونها مع المغنية بيونسي في 2016 في الألبوم المصوّر ليموناد الذي تتداخل فيه الموسيقى مع أشعار الصومالية.

شراسة بلاث في أشعار شاير

شاعرة صومالية بريطانية تعبّر عن واقع جاليتها في الغربة
شاعرة صومالية بريطانية تعبّر عن واقع جاليتها في الغربة

قال الشاعر تيرانس هايز والذي يدرس في جامعة نيويورك: “تمتلك شاير طريقة سيلفيا بلاث الشرسة في قول الحقيقة”. وفي تعبيره عن دهشته بمدى إعجاب طلبته بأشعارها قال: “مدى شعبيتها يفوق الناس الذين يشاهدون بيونسي، بل تصل لأولئك الذي يريدون أن يصبحوا شعراء بدراسة ما تقوم به”.

اعتمدت شاير على مقابلات وملاحظات أقاربها أثناء تأليف كتابها. حيث رَوَتْ تلك المقابلات فظائع الحرب التي شهدها الكثير من عائلتها وقصة كفاحهم في إنجلترا. كان والدها يعلّق صورًا كثيرة لمقديشيو قبل الحرب وبعدها. قالت شاير: “كل شخص يشبه صورة قبل وبعد الحرب. لقد حاول بعض الرجال الاندماج في الثقافة البريطانية وتجنب كل شيء يذكرهم بالصومال، لكن شعور الاغتراب الثقافي استحوذ عليهم في النهاية”.

كتبت شاير في قصيدة تحت عنوان” منتصف الليل في ممر الطعام الأجنبي”: “عمي العزيز، هل كل ما تحبه أجنبي / أم أنك غريب على كل ما تحب… الحب ليس حرامًا لكن بعد سنوات من مضاجعة النساء اللواتي لا يستطعن نطق اسمك / تجد نفسك اليوم وحيدًا في ممر الطعام الأجنبي /.. تصلي بلغة لم تستعملها منذ سنوات “.

تمزج مجموعة شاير الشعرية بين الشعر وتصوير واقع الشتات الصومالي، حيث قالت إنها لم تسمع صوت جدتها أو صوت جدها قطّ، كما أنها لم ترَ الكثير من أفراد عائلتها لأنهم ماتوا في الحرب. لهذا صرحت: “أريد أن يكون أطفالي قادرين على سماع هذه الأصوات”، كما أرادت تسجيل تجارب أقاربها، لأنها قصص غير عادية وأصحابها لا زالوا على قيد الحياة ما يجعلها تلحُّ راغبة في القيام بذلك.

رحلة شاير إلى ديار الغربة

نشأ والد شاير في عائلة من البدو الرحّل وأصبح صحفيًا سياسيًا في مقديشو، بينما كانت أمها ربة بيت. ألّف والدها كتابًا حول الفساد بعنوان “تكلفة المجزرة” في أواخر الثمانينات ما جعله يتعرض إلى تهديدات متكررة بالسجن. اضطر الزوجان للذهاب إلى كينيا حيث أنجبا طفلتهما شاير عام 1988، وانتقلت العائلة بعدها إلى لندن ليولد سعيد شقيق شاير في 1991.

اندلعت الحرب الأهلية في الصومال وأطاحت مليشيات القبائل المحلية بالنظام العسكري للرئيس محمد سياد باري، وفي مدة أربعة أشهر قُتِل حوالي 25 ألف شخص مع تسجيل مليوني مفقود كما غادر مليون ونصف آخرون البلاد بما فيهم أقارب شاير. يطلق الكثير من الصوماليون على هذه الفترة اسم “بوربور” التي تعني بالصومالية صوت انهيار المباني. وتقول نعيمة نور صديقة شاير: “هناك مقطع من أغنية صومالية يقول: “ابتسم وأنت تنزف” وهذا يلخّص تمامًا الثقافة الصومالية التي تأذّى وعانى فيها الكثيرون ورغم كل معاناتهم يتعيّن عليهم إظهار الوجه الباسم والقوي.

نشأت شاير في وقت عُرِف فيه نشر الشعر بنسخ مطبوعة صغيرة تُقرأ أساسًا في الحرم الجامعي وغير متوفرة للعامة. وفي بدايات العشرينيات من القرن الماضي، بدأ العديد من الشعراء الشباب نشر أعمالهم على الانترنت وعلى مواقع مثل تمبلر. لتنشر القصائد لاحقًا أكثر وأكثر على مواقع التواصل الاجتماعي في تويتر وانستغرام وموجهة لشريحة أكبر من المجتمع. نجد على سبيل المثال القصيدة غير المعنونة لروبي كور “يذهب الناس، ولكن كيفما ذهبوا يبقون” لديها 4 ملايين متابع على الانستغرام، كما باعت من مجموعتها “حليب وعسل” مليونين ونصف نسخة بخمسة وعشرين لغة.

قد تكون قصائد شاير الأولى على تمبلر أقل شهرة، ووصف هايز أعمالها بأنها تعكس تجاربها الحياتية بنوع من السريالية والمزاعم التي ليست اعترافات علاجية عارية”.

سافرت شاير إلى إيطاليا في عام 2010 لإلقاء بعض قصائدها، وخلال الزيارة دعتها مترجمتها باولا سبليندور لمقابلة أفراد الجالية الصومالية التي تعيش في روما. قالت عنها سبلندور: “لقد كانت فتاة خجولة للغاية ومتحفظة أيضًا – كانت شخصًا مختلفًا تمامًا”.

أغلقت السفارة الصومالية أبوابها خلال الحرب الأهلية، وبدأ العشرات من طالبي اللجوء في التجمع هناك، ينام البعض في سيارات مهجورة، والبعض الآخر في الشرفة الخلفية أو في المرآب. لم تكن هناك كهرباء، كان هناك حمام واحد فقط، وحنفية مياه باردة واحدة. تقدّم معظم الرجال بطلبات اللجوء لكنهم لم يكونوا مؤهلين للحصول على تراخيص عمل أو مساعدة.

احتفظت إيطاليا بجزء من الصومال الحديثة كمستعمرة من ثمانينيات القرن الماضي حتى عام 1942 واستمرت في التدخل في سياساتها لعقود بعد ذلك. عندما كانت شاير صغيرة، كانت والدتها أحيانًا توبخها بعبارات إيطالية. سألت شاير اللاجئين عن حياتهم. قالوا لها: أتينا إلى إيطاليا هربًا والله يعلم ذلك. تضعك سلطة الهجرة في مركز احتجاز. عندما يتم إطلاق سراحك، يخبرك أحدهم بأنه “عليك أن تذهب إلى حيث يوجد الأفارقة”، فتذهب إلى السفارة القديمة. وتخرج للتسول في النهار.

كتبت شاير بعد سماعها هذه القصص:

لا أحد يغادر الوطن

إلا إذا كان الوطن فم قرش

أنت فقط تركض إلى الحدود

أين ترى المدينة كلها تركض

أيضًا

يجب أن تفهم

أن لا أحد يضع أطفاله في قارب

لا أحد يختار مخيمات اللاجئين

أو عمليات البحث

التي يعرى فيها جسدك

أو السجن

لأن السجن أكثر أمانًا

من مدينة من نار

وحارس سجن واحد

في الليل

أفضل من حمولة

من الرجال أشباه والدك

شاعرة صومالية بريطانية تعبّر عن واقع جاليتها في الغربة
شاعرة صومالية بريطانية تعبّر عن واقع جاليتها في الغربة

تعمل شاير الآن على تأليف كتاب من شعر النثر حول المرض العقلي. وقالت: “أنا ملتزمة شخصيًا بإزالة أكبر قدر من وصمة العار أو المحرمات من الأشياء التي أشعر بالخجل منها أحيانًا”.

وأضافت: “لقد تعرفت على النساء اللاتي يعانين من اضطرابات عقلية وأكتب عليهن. وأنا واحدة منهن”. يمكن أن يكشف الكتاب أيضًا عن إجهاضها في 2018 وتجربة الأمومة التي حظيت بها لاحقًا. في قصيدة “بارك البنت” قالت شاير كل ما تحتاج قوله فيما يخص نشأتها “لقد كانت آخر، آخر قطعة من الرجس لرميها من على تلك الفترة من حياتي”

” أنا أشعر الآن بالسلام التام، وبالمضي قدمًا.”

المصدر: The New Yorker


 اقرأ المزيد:

أربع عربيات ضمن قائمة بي بي سي لمئة سيدة لعام 2021

استهداف صوماليين في بريطانيا بعد مقتل النائب المحافظ

السورية نادين قعدان تقرأ القصص لطلبة المدارس في كينت