العرب في بريطانيا | خيط خرز - العرب في بريطانيا - AUK

1445 شوال 3 | 12 أبريل 2024

خيط خرز

خيط خرز
جهان سيد عيسى March 22, 2024

تربَّعت العجوز على أريكة محشوة بلبّاد قاسٍ، ومزركشة بأشكال رسمها الغبار والطين، انحنت على كومة من خرز أبيض، حباتها كحبات السبحة، لكنها أكبر منها بقليل، وأمامها طفلة لم تتجاوز السنتين من عمرها، أعجبتها كومة الخرز فشرعت تلعب بها، ترفع واحدة وترمي أخرى، تفرح بتدحرج بعض حباتها، فتحبو وراءها كقطة تركض خلف كبكوبة صوف.

مدّت العجوز، الساهية عن وجود الطفلة أمامها، يدها داخل صدرها خلف أثوابها المهترئة، شعرت بصدرها يعلو ويهبط، فيهبط ويعلو معه مفتاح صَدِئ يختبئ فيه منذ عقود، يتأرجح بخيط قنب رسم شكله مع السنين على رقبتها، أمسكت بالمفتاح بأصابعها، ونزعته عن صدرها للمرة الأولى منذ عقود طويلة لم تَعُد تَعُدُّها.

فتحت كفها بعد أن نزعتها من صدرها، فبدا المفتاح كجثة باردة ممددة عليه، أو ربما كمومياء محنطة من زمن الفراعنة وما تزال تحلم بالخروج.

حاولت فك عقدة الخيط، لكنه استعصى عليها، ليس بسبب ضعف أصابعها ونظرها، وإنما لأن السنين قوَّته وجعلته جزءًا من انسيابية الخيط، فاستعانت بسكين قربها لقطع عقدته، حررت طرفيه عنوة، وجعلت المفتاح في منتصف الخيط تمامًا، ثم أمسكت برأسَي إصبعيها حبة من تلك الخرزات، وبيد مرتجفة أدخلت طرف الخيط بنفق حفر في داخلها، فانزلقت الخرزة في الخيط، تبعتها بأخرى وأخرى، كان انزلاقها يُحدِث صوتًا كطرق الباب العالي، بدأ قويًّا ثم ضعف مع تزايد عدد الحبات وانتظامها في الخيط.

 

تركت الطفلة اللعب بالخرز المكوم والمتناثر حولها، ودنت تتابع بشغف تدحرج الحبات عبر الخيط وارتطامها ببعضها، ضمت العجوز الخرز حول المفتاح من الطرفين، بحيث بدا كتعليقة في قلادة، وعندما لم يتبق من الخيط من طرفيه إلا مقدار عقدة الإصبع توقفت عن الضم، وربطت الطرفين ببعضهما في عقدة كبيرة شدتها بكل قوتها، ثم كررت ما فعلته مرتين أو ثلاث مرات، شدته فلم ينفلت، ضاعفت قوتها وكررت الشد، فكانت النتيجة ذاتها.

حاولت قطع العقدة أو حلها فامتنع العقد، فرجعت إلى الوراء بظهرها تسنده إلى قماش الخيمة بعد أن اطمأنت إلى عدم إمكانية انفلاته وتدحرج حباته، ثم مدت يدها إلى حضنها، وتناولت منه قلمًا أزرقَ، كانت قد طلبته قبلًا من معلم المخيم، لم تكن زُرقته تفوق زُرقة العروق النافرة في كفيها، ولا زُرقة عينَي تلك الطفلة المنشغلة بالقفز والحبو حولها، ولكنها كانت تفوق زُرقة السماء خارج الخيمة الممتدة نحو أفق بعيد، كسقف لا يحمله عمود، ولا تخشى سقوطه فوقهم عند هبوب الريح كسقف خيمتهم.

دحرجت حبات السبحة التي صنعتها قبل قليل بين أصابعها، تأملتها، ثم أمسكت بأول حبة من طرف العقد، وأفلتت باقي الحبات، أرادت أن تكتب عليها، فبدت لمن يراها من بعيد كساحرة تصنع تعويذة وتستحضر الجن والأرواح!

 

كانت تظن الأمر سهلًا، فإذا بالأسماء تتزاحم في رأسها وتتسابق، شعرت بتشويش يسيطر على ذهنها، تدافعت الصور في ذاكرتها، كل الصور تراكمت فجأة، ثم تناثرت في فوضى عجيبة، هي تريد أقدمها، تريد أن تبدأ بالأقدم فالأحدث، لذا غاصت في عمق الذاكرة، فإذا بصورة عمها حسن يرنو إليها من بعيد، وهو بأبهى حلته: “لا، عمي حسن قُتِل في مجزرة قلقيلية مع أغلب أهله وسبعين من أهل القرية”، تخاطب ذاكرتها،

“ومجزرة قلقيلية كانت عام 1956، إذ قصفها الصهاينة قبل اقتحامها”، فتبعد الصورة وتبحث وراءها عن صورة أقدم، فتتسلل من بين غبار الصور رائحة البحر، بحر حيفا ونسماته الباردة، ورائحة أغصان تتكسر في تنور نضج خبزه، ثم اختلطت برائحة البارود والدماء، هي مجزرة الطنطورة تقترب منها بصورتها،

أكوام من الجثث مكدسة، بينهم جدها وجدتها، وجيرانهم، وأمامها قافلة تنزف جراحها وفجيعتها، تمضي فيها هي ومن نجا معها بخطى منهكة وأقدام حافية، تسير في بداية طريق التيه، ثوبها مبلل بالدمع والبول، وبدم جرح أصاب كتف أمها وهم يبعدونها بعقب بندقية عن جثة أمها (جدتها)، وبِطِين من أرض ضيعتهم صبغ ثوبها ولم تنهرها أمها بسببه كالمعتاد.

ورغم سنواتها الست حينها، فما تزال تحمل تلك الصورة واضحة مشتعلة بكل تفاصيلها ووجعها، ما تزال تذكر فرحتها حين لحق بهم أبوها وأعمامها، بعد أشهر من الدفاع على حدود حيفا وقراها، تنهّدت وابتلعت ريقها، قالت: “ليست هذه الصورة التي أريد، هذه مجزرة الطنطورة،

صحيح أنها حدثت عام 1948، ولكنها في شهر أيار، هناك صور أقدم منها”، فدفعت الصورة، وغاصت وراءها عميقًا بين الصور، فهناك ما هو أقدم، لكن الصور كانت متراكمة ومبعثرة بفوضى عجيبة، ولم ترتبها منذ زمن: “آهِ على الزمن في الذاكرة يتلاشى خيطه وينعدم إحساسنا به”، همست لنفسها، تريد أول صورة لأول مجزرة في ذاكرتها، “أين ذهبت؟!” مع أنها كانت حاضرة دائمًا في كوابيسها وأحلامها رغم كل محاولاتها لدفعها ودفنها.

 

في البداية كانت تأتيها واضحة متفردة، ثم صارت تأتيها مختلطة بباقي الصور، كل الدماء في الصور تمازجت، وصار يصعب تمييزها، كل الآهات والصرخات والعويل والخوف يجتمعون في صورة واحدة عند نومها، يأتون معًا، يملؤون المشهد جثثًا، وقتلى وأشلاء،

وهي فوقهم تبحث وتباعد، وتحمل وتضم ما حملت إلى صدرها، تقبّلهم، فتبتل خدودها بدمائهم، تستيقظ من لزوجتها، تمسحها بأصابعها دمعًا مالحًا يشاهده الجالس قربها، سحبت صورة، فظهرت لها أمها وأبوها وإخوتها الصغار: قاسم وطه ومحمود، وعمها خالد، وعمتها فاطمة وبنات عمتها، وأخوالها وزوجاتهم وأولادهم، تجمعوا كلهم في ملجأ من ملاجئ تل الزعتر، هدَّهم جوع الحصار وعطشه، وقتلهم الخوف مئات المرات تحت نيران قصف إسرائيل، مدعومة بجيش حافظ الأسد والكتائب اللبنانية،

هدتها صورتهم، “من أين ظهرت هذه؟!”، كم حاولت دفنها في قاع ذاكرتها، لكن صورتهم كجثثهم استعصت على الدفن، وبقيت تطل عليها مع تقارير التلفزيونات التي جاءت لاحقًا لتوثق الحدث، كان يُفترَض أن تكون جثتها من بين جثثهم، ويا ليتها كانت، لكنها غادرتهم قبل أسبوع من الحصار لمخيم اليرموك في دمشق.

“آهِ مخيم اليرموك”، ها قد جاءت صورته تتداعى دون أن تبحث عنها. في مخيم اليرموك تزوجت، وأكملت دراستها، ثم درّست في مدرسته أبناء المخيم المولودين فيه، أو القادمين إليه لاحقًا بعد مجازر أخرى حلّت بقراهم ومدنهم، تعرفهم جميعًا، تحفظ أسماءهم، وأسماء مجازرهم، وتعرف حكاياهم، وفي مخيم اليرموك أنجبت أبناءها الخمسة، فرحت بهم، عوّضوها بعض من فقدت،

لم تكتفِ بكتب المدرسة، بل وفرت لهم كل ما استطاعت من كتب، حلمت بهم أساتذة في أرقى الجامعات، حكت لهم عن فلسطين، وحفرتها في قلوبهم، وعلقتها صورًا على جدران البيت، وفيه جلست تراقب معهم ومع الجيران المجازر على شاشات التلفزيون، وتحمد ربها في سرها أنها بعيدة بأبنائها عن مكان المجزرة، ثم تستغفر الله على خاطرها هذا، فكل المقتولين من فلسطين ولا أحد أغلى من أحد.

وفي مخيم اليرموك خططت لزيارة أهل زوجها، واشترت الهدايا لهم ولأطفالهم، كانت عروسًا حينها، وكان موعد الزيارة قبل اقتحام الكتائب اللبنانية مع الجيش الإسرائيلي للمخيم بأسبوع، لكن مدير مدرستها لم يعطها إجازة، فأجّلوا الزيارة إلى موعد العطلة الانتصافية، “آهِ كم من المجازر نجوت منها وما نجوت!”،

كانت مجزرة صبرا وشاتيلا تاريخًا مفصليًّا في حياتها، إذ تحول زوجها المَرِح الشَّغوف المُفعَم بالحياة بعدها إلى تمثال صمت، يتحرك كشجرة تُحرِّك الريح أغصانها رغمًا عنها. لقد أخبره أحد أصحابهم الناجين كيف دخلوا على أهله واطلقوا عليهم الرصاص جميعًا،

وقد اجتمعوا على طعام العشاء، سافر مباشرة إلى بيروت فور سماعه الخبر على شاشات التلفزيون، دخل المخيم، كل ما فيه رماد وأشلاء وخراب، وصل بيتهم، لم يجد منه ولا من أهله إلا الأنقاض، أخرج من تحتها بضع أقدام وبقايا رؤوس! جمعهم في كيس، وعاد بهم إلى مخيم اليرموك، دفنهم في مقبرة المخيم، ومن يومها وهو صامت لا نسمع منه سوى الأجوبة المقتضبة.

اللاجئين السوريين
المخيمات في سوريا

لا، لا تريد هذه الصورة، حدّثت ذاكرتها مع زفرة طويلة زفرتها، بحثت في الخلف تريد صورة أقدم، فظهرت لها صورة شباب في عمر الورود في باحة سجن في صحراء تدمر السورية، ورشاشات البنادق تُصوِّب فوهاتها تجاه صدورهم العارية، فتتطاير أجسادهم الغضة أشلاء، وتلتصق لحومهم بالجدران، شهقت دون أن تشعر، وقالت: “لا، لا أريد هذه؛ فهذه مجزرة سورية وليست فلسطينية، حتى لو كان ولداي وابن أختي من ضمن هؤلاء الشباب”.

مسحت دمع الذاكرة، وأعادتها إلى مكانها، وتناولت أخرى، فإذا بصورة تعيدها مجددًا لمخيم اليرموك، في بدايات ثورة 2011 في سوريا، حيث أصبح المخيم ملاذًا للهاربين من بطش النظام، وحيث رفض أهله الاصطفاف معه في آلة بطشه وإجرامه ضد شعبه، فعاقبهم بحصار دام ثلاثة أشهر، مات فيها المئات منهم ابنتها الحامل في شهرها التاسع، لم يحتمل جسمها ولا قلبها الألم، فلفظت طفلتها وأنفاسها،

ولحقت بعريسها الذي قُتِل مع أبيها وأخويها قبل ثمانية أشهر في مجزرة جامع الحسيني الذي قصفه النظام بالبراميل، قُتِلوا كلهم وتركوها وحيدة، لم يبقَ سواها وسوى تلك الطفلة تحملها معها على ظهرها في رحلة نزوح جديدة، لكن هذه المرة ليس من الطنطورة، ولكن من اليرموك باتجاه الشمال السوري،

لتحط رحالها في خيمة عند الحدود، تذكرت الطفلة، نظرت إليها، رأتها تحبو بسرعة، فرحت بها: “لولا هذه الطفلة لَمِتُّ من القهر، لأجلها فقط أقاوم هذه الحياة”، همست لنفسها، ثم غاصت في ذاكرتها، تتابع نبشها بين صورها عن أقدمها.

وفجأةً صرختْ صرخةَ مَن وجد ضالته بين الجثث، ها قد لاحت لها، مدت يدها في عمق الذاكرة، مسحت عنها ما التصق عليها من صور، فبانت لها واضحة جلية بكل ألوانها وروائحها وأصواتها وسخونتها، وكأنها قد حدثت أمس، بدت لها تتحرك كشريط فيديو طويل رغم كثافة لحظاته، لكنها كانت طويلة كدهر.

ها هي خالتها حسنى وبطنها مكور أمامها ومفتوح كطاقة أو شباك، ورأس جنين يتدلى منه، ومثلها كل النساء الحوامل في القرية، كُنَّ مبقورات البطون، وصرخات رعب وخوف وألم تجمدت على وجوههن، إذ بقرت بطونهن بفوهات البنادق وهن على قيد الحياة، وتُرِكن هكذا للموت يتسلى بهن، فيأخذ أرواحهن على مهل، وصور أطفال حولهن، بعضهم ما زالت يده متيبسة تمسك بثوب الأمهات المقتولات وجميعهم بلا آذان، وكومة آذان مرمية على الناصية،

وجثث الرجال متناثرة في كل أرجاء الصورة، ودم يغطي المشهد كله. إنها مجزرة دير ياسين، أول مجزرة في ذاكرتها رغم وجود ما يسبقها، حدثت في نيسان 1948 قبل الطنطورة بشهر واحد، كان من المفترض وجودها بين الأطفال المقتولين مع أمهاتهم، فقد كانوا عند خالتهم قبل المجزرة بأسبوع، وعندما اشتد القتال حول حيفا وقراها، اختصروا أيام زيارتهم وعادوا إلى قريتهم الطنطورة؛ لوداع والدها قبل التحاقه بالمقاتلين في الجبال.

في تلك المجزرة مُسِحت قرية دير ياسين بالكامل وقُتِل أغلب أهلها، قدّروهم بالمئات، ونُسِفت بيوتهم، وهُجِّر من بقي منهم نحو القرى المجاورة، ليعيشوا مجازر تلك القرى والتهجير في كل قرية يرحلون إليها.

ها قد وصلت إلى تلك الصورة أخيرًا، أمسكتها بكل ما بقي فيها من قوة وطاقة، تناولت القلم وراحت تكتب الأسماء على حبات سبحتها: دير ياسين، والطنطورة، وتل الزعتر، وصبرا وشاتيلا… عشرات بل مئات الأسماء، ثم ضمّت عقد الحبات لصدرها، قرّبته لأنفها، شمّت فيه روائح من ذهبوا، بلّلته بدموعها، فخشيت على الأسماء أن تمحى، لم تَدرِ أن دمع الحزن يَحفر لا يَمحو، انحنت نحو الطفلة أمامها رفعتها إلى حضنها، تأملتها، عيناها الزرقاوان كسماء الطنطورة، وشعرها الحنطي كحنطتها، وبياضها الذي لوحته شمس النزوح كأرغفة خبزها في التنور عند الفجر، كل ما فيها يحكي أصلها وقريتها، ضمّت العقد حول رقبة الطفلة، رفعت جديلتها عنه ووسدتها عليها، فتدلى العقد من عنقها، وارتطمت الأسماء ببعضها وبالأرض، ابتسمت الطفلة لجدتها ثم عادت لحبوها.

اطمأنت العجوز على أسمائها، وعادت هي أيضًا إلى ذاكرتها؛ لتعيد ترتيب صورها من جديد، فإذا بصورة معلقة على بوابة الذاكرة كجثة على حبل مشنقة، كلما كانت تحاول الهرب منها تظهر لها تواجهها، تخاف، تصرخ، تهرول، ثم تولول لتجمع حولها كل أهالي المخيم، إنها صورة آخر مجزرة في ذاكرتها،

وهي في طريق نزوحها الأخير، كانت الطائرات تقصف والناس يتراكضون، وبيدها عربة صدئة تسحب عليها حفيدتها، ثم صاروخ يصيب المكان، تطير العربة أمتارًا، وتتطاير معها الطفلة، ولا يبقى منها سوى الدم وبعض الأشلاء ورأس تتدلى من عنقه سبحة بيضاء، والكثير الكثير من الأسماء…!

 


إقرأ أيّضا 

اترك تعليقا

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.