العرب في بريطانيا | من المحافظين إلى "ريـفورم".. هل ينجو ...

1447 شعبان 8 | 27 يناير 2026

من المحافظين إلى “ريـفورم”.. هل ينجو الهاربون من سفينة اليمين بالغرق في أقصى اليمين؟

من المحافظين إلى "ريـفورم".. هل ينجو الهاربون من سفينة اليمين بالغرق في أقصى اليمين؟
عدنان حميدان January 27, 2026

في لحظة سياسية نادرة في التاريخ البريطاني الحديث، تتهاوى أسماء ثقيلة من حزب المحافظين تباعًا، معلنة مغادرتها الحزب الذي حكم بريطانيا لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، ومتجهة نحو حزب «ريـفورم»، الأكثر يمينية وتطرّفًا في المشهد السياسي البريطاني.

ليست هذه انشقاقات فردية عابرة، بل نزوح سياسي جماعي لشخصيات تولّت وزارات سيادية، وشاركت في صناعة القرار، وتحمّلت مسؤولية مباشرة عن السياسات التي أوصلت البلاد إلى واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية والاجتماعية منذ عقود.

المشهد يثير سؤالًا مركزيًا:

هل ما نشهده تحوّلًا فكريًا حقيقيًا؟

أم محاولة أخيرة للنجاة السياسية عبر القفز من يمين مأزوم إلى أقصى اليمين؟

تسعة أسماء… وسجل طويل من الجدل

سويلا برافرمان

سويلا برافرمان

وزيرة الداخلية السابقة، وأحد أبرز رموز الخطاب المتشدد في بريطانيا.

ارتبط اسمها بـ:

  • وصف طالبي اللجوء بـ«الغزو»
  • مهاجمة القضاء البريطاني
  • الدفع القسري نحو خطة الترحيل إلى رواندا
  • تجاهل تحذيرات المؤسسات الحقوقية

أُقيلت بعد تسريبات أمنية وتصريحات اعتُبرت تهديدًا للسلم المجتمعي.

أندرو روزنديل

نائب محافظ مخضرم، مثّل الجناح اليميني الصلب داخل الحزب، وارتبط بمواقف عدائية تجاه الهجرة والتشريعات الاجتماعية الحديثة، وكان من أشد الداعمين لبريكست دون تسوية.

روبرت جينريك

عضو بارز بالمحافظين البريطانى ينشق لصالح حزب الإصلاح.. ما القصة؟

وزير الإسكان السابق، الذي أُجبر على الاستقالة بعد فضيحة تتعلق بتدخله لصالح مشروع عقاري ضخم لمتبرع سياسي، في واحدة من أشهر قضايا تضارب المصالح في عهد بوريس جونسون.

اللورد أوفورد

وزير سابق لعب أدوارًا داخل مجلس اللوردات في تمرير تشريعات مثيرة للجدل، خصوصًا تلك التي قيّدت الهجرة وقلّصت حقوق طالبي اللجوء.

ناظم الزهاوي

ناظم الزهاوي ونايجل فاراج خلال المؤتمر الصحافي في لندن الاثنين (رويترز)

أحد أبرز الوجوه الحكومية في العقد الأخير، شغل مناصب وزير المالية ورئيس حزب المحافظين.

انتهت مسيرته السياسية تقريبًا بعد:

  • ثبوت مخالفات ضريبية بملايين الباوندات
  • فرض غرامة رسمية من هيئة الضرائب
  • تقرير حكومي أخلاقي وصف سلوكه بأنه «غير لائق بمنصب عام»

وكان أول رئيس حزب محافظ يُقال رسميًا على خلفية مالية.

داني كروغر

نائب اشتهر بخطابه المحافظ اجتماعيًا، ومعارضته لقوانين المساواة، وتصريحات وُصفت بأنها تعيد الخطاب السياسي إلى ما قبل نصف قرن.

نادين دوريز

وزيرة الثقافة السابقة، التي تحولت إلى ظاهرة إعلامية أكثر منها سياسية:

  • أعلنت الاستقالة ثم تراجعت عنها
  • هاجمت مؤسسات الدولة علنًا
  • دخلت في صراعات مع رؤساء الحكومات
  • استثمرت خطابها الشعبوي بعد خروجها من البرلمان

دام أندريا جينكينز

تنقلت بين الأحزاب، من العمال إلى المحافظين ثم إلى «ريـفورم»، واشتهرت بخطاب حاد ضد المهاجرين، وبحث دائم عن التموضع الإعلامي.

لي أندرسون

نائب محافظ سابق ونائب رئيس الحزب، فُصل بعد تصريحه بأن «عمدة لندن واقع تحت سيطرة الإسلاميين»، وهو تصريح أدانه البرلمان البريطاني رسميًا باعتباره تحريضًا مباشرًا.

لماذا يهربون الآن؟

السبب لا يتعلق بقناعة فكرية جديدة، بل بواقع سياسي صارم.

حزب المحافظين اليوم:

  • خسر الشارع
  • تآكل تنظيمًا
  • انهار انتخابيًا
  • استُنزف بالفضائح
  • وفشل اقتصاديًا في ملفات المعيشة والسكن والطاقة

والأهم:

لم يعد حزبًا قادرًا على إعادة هؤلاء إلى السلطة.

فكان الخيار الأسهل:

الهروب من اليمين التقليدي… إلى اليمين الأقصى.

هل ينقذهم حزب «ريـفورم»؟

التجربة الأوروبية الحديثة تجيب بوضوح: نادراً.

في فرنسا، حصد اليمين المتطرف ملايين الأصوات، لكنه فشل مرارًا في الوصول إلى الحكم.

في ألمانيا، يتقدم حزب البديل في الاستطلاعات، لكنه معزول سياسيًا وأمنيًا.

في إيطاليا، وصلت جورجيا ميلوني إلى السلطة، لكنها سرعان ما تخلّت عن خطابها المتشدد، واصطدمت بواقع الاقتصاد والأسواق.

القاعدة الأوروبية واضحة:

اليمين المتطرف ينجح في الاحتجاج، لكنه يفشل في الحكم.

سؤال أبعد: هل نجحت حكومة يمينية متشددة واحدة؟

نايجل فاراج يسعى إلى استغلال فوز ترامب لتعزيز سيطرته في بريطانيا

في واقعنا المعاصر، لا توجد تجربة واحدة حققت:

  • نهضة اقتصادية مستدامة
  • استقرارًا اجتماعيًا
  • وحدة وطنية
  • أو ازدهارًا طويل الأمد

عبر:

  • شيطنة المهاجرين
  • تغذية الخوف
  • تقسيم المجتمع
  • وتحميل الأضعف مسؤولية الفشل

بل كانت النتيجة دائمًا:

  • عزلة دولية
  • تراجع استثمارات
  • هجرة العقول
  • وانقسام داخلي حاد

ماذا يعني ذلك لبريطانيا؟

بريطانيا دولة مؤسسات، متعددة الأعراق والثقافات، ولا تُدار بالغضب ولا بالشعارات.

اليمين المتطرف لا يملك:

  • خطة اقتصادية
  • برنامجًا اجتماعيًا
  • حلولًا لأزمة السكن
  • أو رؤية للصحة والتعليم

بل يملك خطابًا واحدًا:

الغضب بدل الحلول.

ولهذا فإن انتقال هذه الأسماء إلى «ريـفورم» لا يمثل مشروعًا سياسيًا، بل محاولة إنقاذ شخصية لمن انتهت صلاحيتهم داخل حزبهم الأصلي.

وفي الختام، من يهرب من الفشل لا يصنع مستقبلًا.

والقفز من يمين مأزوم إلى أقصى اليمين لا يصنع دولة، بل يوسّع الشرخ داخل المجتمع.

التطرف لا يبني اقتصادًا،

ولا يعالج أزمة معيشة،

ولا يعيد ثقة الناس بالمؤسسات.

كمواطنين بريطانيين، وكعرب ومسلمين، فإن مسؤوليتنا ليست الوقوف خلف طرف دون آخر، بل الدفاع عن الاعتدال، وسيادة القانون، والعيش المشترك.

لأن التاريخ يكرر درسه دائمًا:

حين يفشل الوسط، لا تُنقَذ الدول بالقفز إلى الحافة.

 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة