رئيس أساقفة يورك: “ميليشيات” إسرائيلية منعتني من زيارة الفلسطينيين في الضفة الغربية
في ظل تصاعد غير مسبوق لعنف المستوطنين في الضفة الغربية وتوسّع الاستيطان الإسرائيلي، بدأت أصوات دينية غربية بارزة تكسر الصمت، ليس فقط بوصف ما يجري، بل بالإقرار المباشر بتعرّضها هي نفسها لممارسات ترهيب ومنع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في مشهد يعكس اتساع رقعة القمع وتحوّله إلى واقع يومي لا يستثني أحدًا.
ترهيب ميليشيات إسرائيلية

أفاد ستيفن كوتريل، رئيس أساقفة يورك، أنه تعرّض لما وصفه بـ«الترهيب» من قبل ميليشيات إسرائيلية خلال زيارة أجراها إلى الضفة الغربية المحتلة في وقت سابق من هذا العام.
وقال كوتريل إنه أُوقف عند حواجز عسكرية، وإن مجموعات مسلحة أخبرته صراحة بأنه غير مسموح له بزيارة عائلات فلسطينية في الأراضي المحتلة، في سياق تشهد فيه الضفة الغربية مستويات قياسية من عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، بالتوازي مع التوسع المتسارع في بناء المستوطنات.
وكان المجلس الأمني الإسرائيلي قد صادق، مطلع هذا الأسبوع، على إنشاء 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، ما يرفع عدد المستوطنات التي حصلت على موافقات رسمية خلال السنوات الثلاث الماضية إلى 69 مستوطنة.
جدار رمزي يعكس واقع الاحتلال
وخلال زيارته، تلقّى كوتريل مجسّمًا خشبيًا لمشهد الميلاد من ممثلي جمعية الشبان المسيحيين (YMCA) في بيت لحم، وهي منظمة تعمل مع «مجتمعات فلسطينية مضطهدة» في الضفة الغربية.
ويُظهر المجسّم جدارًا إسمنتيًا رماديًا ضخمًا يحول دون وصول المجوس الثلاثة إلى مكان الميلاد، في إشارة رمزية مباشرة إلى الجدار والحواجز التي تقطع أوصال حياة الفلسطينيين.
وقال كوتريل: «كان من الصادم بالنسبة لي أن أرى هذا الجدار على أرض الواقع خلال زيارتي للأراضي المقدسة، حيث أُوقفنا عند عدة حواجز، وتعرضنا للترهيب من قبل ميليشيات إسرائيلية أبلغتنا بأننا لا نستطيع زيارة عائلات فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة».
جدران تتجاوز الجغرافيا
وفي عظة ألقاها يوم عيد الميلاد داخل كاتدرائية يورك، وسّع رئيس الأساقفة دلالة الجدار، معتبرًا أنه لا يقتصر على الأرض المقدسة وحدها، بل يمتد ليشمل «كل الجدران والحواجز التي نبنيها حول العالم، وربما الأخطر تلك التي نبنيها داخل عقولنا وقلوبنا».
وأضاف أن الخوف من «الآخر» — سواء كان مشرّدًا في شوارع المدن، أو لاجئًا يطلب اللجوء، أو شابًا محرومًا من الفرص — قد يقود المجتمعات إلى إنكار إنسانيتها المشتركة، محذرًا من أن ذلك قد يجعلها «تفشل في استقبال المسيح عندما يأتي».
موسم الزيتون تحت الهجوم

وجاءت تصريحات كوتريل عقب زيارة استمرت أربعة أيام إلى إسرائيل والضفة الغربية مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، وُصفت من قبل مكتبه بأنها «حجّ صلاة وتضامن» مع المطران الأنغليكاني في القدس.
ووفقًا لتقرير صادر عن جمعية كنائس القدس والشرق الأوسط، اطّلع رئيس الأساقفة ميدانيًا على التحديات التي يواجهها المزارعون الفلسطينيون خلال موسم قطف الزيتون، حيث أفاد التقرير بأن «مستوطنين مسلحين وملثمين حاولوا تعطيل زيارة لقرية أم الخير في جنوب الخليل، ولم يغادروا المكان إلا بعد تدخل الشرطة التي أبلغتهم بوجود رئيس أساقفة يورك».
وتؤكد الأمم المتحدة تسجيل ارتفاع ملحوظ في الاعتداءات على مزارعي الزيتون هذا العام، شملت اعتداءات جسدية، وسرقة المحاصيل والمعدات، وتخريب الأشجار. وأثار مقطع مصوّر يُظهر مستوطنًا ملثمًا يعتدي بعصا على امرأة فلسطينية (55 عامًا) أثناء قطف الزيتون موجة غضب واسعة بعد انتشاره على منصات التواصل الاجتماعي.
غزة في خطب عيد الميلاد

تزامنت تصريحات كوتريل مع مواقف دينية دولية مماثلة، إذ استغل البابا ليو الرابع عشر قداس عيد الميلاد لإدانة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، حيث يعيش الفلسطينيون في خيام هشّة وسط برد قارس.
وقال البابا إن قصة ميلاد المسيح في مغارة تعكس اختيارًا إلهيًا للوجود وسط الهشاشة، متسائلًا: «كيف لا نفكر في خيام غزة، المعرضة منذ أسابيع للمطر والرياح والبرد؟».
الاستيطان بين القانون الدولي والواقع المفروض
وتعتبر غالبية دول العالم أن المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 غير قانونية بموجب القانون الدولي، وهو ما أكدته قرارات متعددة لمجلس الأمن الدولي دعت إلى وقف جميع الأنشطة الاستيطانية. في المقابل، ترفض إسرائيل هذا الموقف، مستندة إلى روايات دينية وتاريخية لتبرير سيطرتها على الأرض.
العنف الاستيطاني يتجاوز حدود فلسطين
تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن ما يلفت في شهادة رئيس أساقفة يورك ليس بعدها الرمزي فحسب، بل اعترافها الصريح بأن عنف الاستيطان لم يعد مسألة فلسطينية داخلية أو ملفًا حقوقيًا بعيدًا، بل ممارسة يومية تطال حتى شخصيات دينية غربية رفيعة. كما يكشف تزامن هذه الشهادات مع خطب تدين أوضاع غزة عن تحوّل لافت في الخطاب الديني الغربي، من لغة التوازن الحذر إلى إدانة ضمنية لبنية الاحتلال نفسها، بما تحمله من قمع ممنهج، واستيطان متسارع، وسياسات تقوّض أي ادعاء أخلاقي بالحياد أو الدفاع عن «القيم المشتركة».
المصدر: ذا ناشونال (The National)
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
