دراسة: كيف تحافظ الألياف على صحة الدماغ والقدرات العقلية؟
تؤكد الأبحاث الحديثة أن الألياف الغذائية ليست مجرد عنصر مساعد في الهضم، بل تلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على صحة الجسم والدماغ وحتى إطالة العمر. ورغم هذه الفوائد الواضحة، لا يزال الكثيرون حول العالم، بما في ذلك في بريطانيا، يعانون من نقص ملحوظ في استهلاك هذا “المغذّي الأساسي”.
النظام الغذائي الغني بالحبوب الكاملة، والفواكه، والبقوليات، والمكسرات، والبذور — جميعها مصادر غنية بالألياف — يمنح الجسم فوائد صحية متعددة، بينما تشير الدراسات الحديثة إلى أن الألياف تعزز الميكروبيوم المعوي وتدعم محور الأمعاء – الدماغ، وهو القناة الحيوية التي تربط الجهاز الهضمي بالدماغ، ما يساعد على التخفيف من أعراض تدهور الوظائف الإدراكية مع التقدم في العمر.
وتقول كارين سكوت، أستاذة ميكروبيولوجيا الأمعاء في معهد رويت بجامعة أبردين: “زيادة استهلاك الألياف هي من أكثر التغييرات الغذائية تأثيرًا في صحة الدماغ.” بالمقابل، يعد نقص الألياف من أبرز عوامل الخطر الغذائية للإصابة بالأمراض المزمنة.
الألياف: كيف تعمل ولماذا هي مهمة؟
الألياف هي نوع من الكربوهيدرات التي يصعب تكسيرها بواسطة إنزيمات الجهاز الهضمي، لذا تمر عبر الأمعاء دون أن تهضم بالكامل.
تساهم الألياف في زيادة حجم البراز، وتعزز الشعور بالشبع لفترة أطول، كما أن هضمها البطيء يساعد على ارتفاع تدريجي في مستويات السكر في الدم. وأظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يتناولون الحبوب الكاملة يوميًا لديهم مؤشر كتلة جسم أقل ودهون أقل في منطقة البطن مقارنةً بمن يفضلون الحبوب المكررة.
ويشير جون كامينغز، أستاذ أمراض الجهاز الهضمي في جامعة دندي، إلى أن النظام الغذائي الغني بالألياف قد يساهم في إطالة العمر، ويعتبره من المغذيات الأساسية.
ووفقًا لمراجعة علمية شارك في تأليفها كامينغز، فإن الأشخاص الذين يتناولون كميات عالية من الألياف يقل لديهم خطر الوفاة بنسبة 15-30% مقارنة بأولئك الأقل استهلاكًا. وتُعد كمية 30 غرامًا يوميًا من الألياف كافية لتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية، والسكتة الدماغية، ومرض السكري من النوع الثاني، وسرطان القولون، ما يعادل 13 حالة وفاة أقل لكل 1000 شخص.
وأظهرت الدراسات أن أكبر الفوائد تتحقق عند استهلاك 25-29 غرامًا يوميًا. ويمكن الوصول إلى هذا المستوى من خلال إدخال الألياف في كل وجبة، مثل تناول بطاطا مشوية بقشرتها مع الفاصوليا المخبوزة، تليها تفاحة، لتوفر حوالي 15.7 غرام من الألياف. كما يمكن زيادة الكمية من خلال تناول المكسرات والبذور؛ فحفنة من المكسرات (30 غرامًا) توفر 3.8 غرام من الألياف.
الألياف وصحة الدماغ ودورها في تعزيز الإدراك وتقليل خطر الخرف
تلعب الألياف دورًا رئيسيًا في دعم صحة الدماغ عبر تأثيرها على الميكروبيوم المعوي. وعندما تهضم البكتيريا المفيدة الألياف، تنتج أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة مثل الأسيتات، البروبيونات، والبيوتيرات، التي توفر طاقة حيوية للخلايا وترتبط بانخفاض كبير في معدلات الوفاة.
وتوضح سكوت أن البيوتيرات تساعد في الحفاظ على بطانة الأمعاء، مما يقلل من دخول المواد الضارة إلى مجرى الدم وتأثيرها على الدماغ: “كلما زاد استهلاكك للألياف، زادت كمية البيوتيرات، وبالتالي زادت قدرتك على الحفاظ على الوظائف الإدراكية.”
وأظهرت دراسة أجريت عام 2022 على أكثر من 3,700 بالغ أن الأفراد الذين تناولوا كميات عالية من الألياف كانوا أقل عرضة للإصابة بالخرف مقارنةً بمن تناولوا أقل كميات. كما أظهرت دراسة أخرى على البالغين فوق 60 عامًا أن ارتفاع استهلاك الألياف يرتبط بتحسين الأداء الإدراكي.
التجارب العشوائية الأخيرة على التوائم أظهرت تأثيرًا سببيًا للألياف على القدرات العقلية، إذ تحسن أداء المشاركين الذين تناولوا مكملات ألياف بريبايوتيكية يوميًا في اختبارات الإدراك خلال ثلاثة أشهر مقارنة بمن تناولوا الدواء الوهمي، مع تغير واضح في ميكروبيوم الأمعاء وارتفاع مستويات البكتيريا المفيدة مثل Bifidobacterium.
وتقول ماري ني لوكلان، محاضرة الطب الشيخوخي في كلية كينغز لندن: “الميكروبيوم قابل للتعديل، وبعض الميكروبات ترتبط إيجابيًا بالصحة. هذه النتائج تفتح المجال لاستغلال النظام الغذائي لتعزيز صحة الدماغ والذاكرة لدى كبار السن.”
كما أظهرت الأبحاث أن زيادة إنتاج البيوتيرات تؤثر إيجابيًا على المزاج، النوم، والوظائف الإدراكية، فيما ارتبطت البكتيريا المنتجة للبيوتيرات بتحسين الرفاهية وتقليل المشاكل النفسية. وتشير نتائج دراسة حديثة لفريق سكوت إلى أن مرضى الزهايمر لديهم مستويات أعلى من العلامات الالتهابية في عينات البراز، مع انخفاض البكتيريا المنتجة للبيوتيرات، مما يعزز العلاقة بين صحة الأمعاء وصحة الدماغ.
نصائح عملية لزيادة استهلاك الألياف
تشير الدراسات إلى أن التنوع في الميكروبيوم المعوي مرتبط بحياة طويلة وصحية. ويمكن تعزيز هذا التنوع باتباع نظام غذائي غني بأنواع مختلفة من الألياف، بما في ذلك المكسرات، الفواكه، والخضروات.
زيادة الأطعمة النباتية، لا سيما البقوليات مثل البازلاء، الفاصوليا، والعدس، خطوة فعالة. ويمكن دمجها في الوجبات اليومية، مثل مزج الحمص المعلب في عجينة الفطائر أو إضافة البازلاء إلى المعكرونة.
كما يُنصح باستبدال الخبز والمعكرونة البيضاء بالحبوب الكاملة أو مزج النوعين لتسهيل التعود على الطعم، وضمان أن تكون حبوب الإفطار كاملة الحبوب. أما الوجبات الخفيفة مثل الفشار، التفاح، المكسرات والبذور، فتسهم في تعزيز تناول الألياف بشكل متنوع.
وتظل المكملات الغذائية خيارًا مفيدًا لمن يجد صعوبة في المضغ أو البلع، كما هو الحال لدى بعض مرضى باركنسون.
وتختتم كارين سكوت بالقول: “فوائد الألياف كبيرة لدرجة أن زيادة استهلاكها قد تكون أكثر خطوة فعّالة يمكن لأي شخص القيام بها لصحة جسمه وعقله.”
اتباع نظام غذائي غني بالألياف يمكن أن يكون خطوة بسيطة وفعّالة للحفاظ على صحة الدماغ والجسم معًا، خصوصًا مع التقدم في العمر. إدراج الحبوب الكاملة، البقوليات، الفواكه والخضروات في الوجبات اليومية يعزز الشعور بالشبع ويغذي الميكروبيوم المعوي، ما ينعكس إيجابًا على الصحة العقلية والبدنية. كما يمكن الاستفادة من المكملات الغذائية عند الحاجة، مثل الحالات التي يصعب فيها المضغ أو البلع، مع مراعاة تنويع المصادر الغذائية للحصول على أكبر قدر من الفوائد. التجربة العلمية تشير إلى أن هذه الخطوات البسيطة قد تُحدث فرقًا كبيرًا في الوقاية من الأمراض المزمنة وتحسين جودة الحياة.
المصدر : بي بي سي
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
