دراسة تكشف أسباب إصابات السكري من النوع الأول بين الأطفال
في ظلّ التزايد الملحوظ لإصابات السكري من النوع الأول بين الأطفال، تكشف دراسة علمية جديدة عن السبب البيولوجي الذي يجعل المرض أشدّ حدّة عندما يظهر في سن مبكرة. وتشير النتائج إلى أن بنكرياس الأطفال—خصوصًا دون سن السابعة—يكون في مرحلة نموّ حساسة تجعل خلايا بيتا أكثر عرضة للتدمير المناعي، ما يفسّر التسارع الكبير في إصابة الصغار مقارنة بالمراهقين والبالغين.
لماذا يكون السكري من النوع الأول أخطر لدى من يُشخَّصون في سن صغيرة؟

يحدث السكري من النوع الأول عندما يهاجم الجهاز المناعي خلايا البيتا في البنكرياس، وهي الخلايا التي تُفرِز هرمون الأنسولين الذي يُخبر الجسم بامتصاص السكر من الدم. الدراسة الجديدة توضّح أن البنكرياس لدى الأطفال دون سن السابعة يكون في مرحلة تطوّر نشطة، ما يجعله أكثر عرضة للتلف المناعي.
قصة غرايسي… إصابة مبكرة وتحدٍّ يومي
غرايسي، وهي فتاة من مقاطعة ميرسيسايد، أُصيبت بالمرض عندما كانت في عامها الأول. بدأت الأعراض كنزلة برد خفيفة في تشرين الأول/أكتوبر 2018، ثم تحولت سريعًا إلى حالة خطرة. يقول والدها غاريث: “انتقلت من طفلة سعيدة ترقص وتغني إلى طفلة تكاد تموت خلال 48 ساعة”.
منذ التشخيص، اضطرت العائلة للتكيّف مع فحوص السكر المستمرة، وحساب كل ما تأكله أو تشربه، وإعطاء الأنسولين. واليوم تستخدم غرايسي مضخة أنسولين وجهاز مراقبة مستمرة، ويقول والدها إنها “تتغلب على السكري مثل بطلة”.
ما الذي كشفته الدراسة؟

البحث المنشور في مجلة ساينس أدفانس (Science Advances) يوضح أن خلايا “البيتا” لدى الأطفال توجد في البداية على شكل مجموعات صغيرة أو خلايا منفردة، وتحتاج سنوات لتتجمع في تكتلات أكبر تُعرف باسم “جزر لانغرهانس”، وهي أكثر مقاومة للهجوم المناعي.
الفريق البحثي في جامعة إكستر درس عيّنات بنكرياس من 250 متبرعًا. وتبين أن الجهاز المناعي يلتهم الخلايا الصغيرة قبل أن تنضج، في حين تبقى الخلايا الموجودة داخل تكتلات كبيرة قادرة على إنتاج كمية محدودة من الأنسولين، ما يخفف حدّة المرض لدى المراهقين والبالغين.
وفي هذا السياق تقول الدكتورة سارة ريتشاردسون من جامعة إكستر: “هذه النتائج تفسّر للمرة الأولى سبب كون المرض أكثر حدّة عند الأطفال الصغار، لكنها أيضًا تجعل المستقبل أكثر وضوحًا لهم”.
نحو علاجات وقائية جديدة

تشير الدراسة إلى أن الأدوية المناعية أو العلاجات الوقائية يمكن أن تعطي البنكرياس وقتًا لينضج قبل أن يتعرض للتلف الكامل. بريطانيا رخّصت بالفعل عقار “تيبليزوماب” (teplizumab) القادر على تعطيل الهجوم المناعي مؤقتًا، رغم أنه غير متاح بعد في هيئة الخدمات الصحية (NHS).
تقول ريتشاردسون: “نأمل أن تساعد هذه العلاجات في تأخير المرض لدى الأطفال، وربما منعه مستقبلًا”.
قطعة كانت مفقودة من فهم المرض

المبادرة البحثية التي تقف خلف الدراسة هي مشروع التحدي الكبير للسكري من النوع الأول (Type 1 Diabetes Grand Challenge)، بدعم من مؤسسة ستيف مورغان، ومؤسسة السكري في بريطانيا، ومبادرة “اختراق السكري من النوع الأول” (Breakthrough T1D).
وتقول رايتشل كونور، مديرة الشراكات البحثية في المبادرة الأخيرة: “هذه الدراسة تقدّم جزئية مهمة كانت غائبة عن فهمنا، وتشرح سبب تقدم المرض بسرعة كبيرة لدى الأطفال”.
أما الدكتورة إليزابيث روبرتسون من مؤسسة السكري في بريطانيا، فترى أن “فهم أسباب شراسة المرض في سن مبكرة يمهّد لتطوير علاجات قد تثبّط أو توقف الهجوم المناعي، وتمنح الأطفال سنوات ثمينة قبل الحاجة للعلاج بالأنسولين”.
دراسة تعمق فهمنا للمرض بين الأطفال
ترى منصة العرب في بريطانيا (AUK) أن نتائج الدراسة تعمّق فهم التفاوت في تطوّر المرض بين الأطفال والبالغين، وتؤكد أهمية الاستثمار في العلاجات الوقائية والأدوية المناعية. وتشير المنصة إلى أن الجمع بين التشخيص المبكر، وبرامج الفحص للأطفال المعرّضين للخطر، وتطوير تدخلات تثبّط الهجوم المناعي يمكن أن يغيّر مسار المرض مستقبلًا، ويمنح الأسر وقتًا أثمن في مواجهة السكري من النوع الأول.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضا
الرابط المختصر هنا ⬇
