صمتنا خذلان يُكتب بالدّم
سكوتنا تجاه قرار إعدام الأسرى الفلسطينيين هو حلقة جديدة تُضاف إلى سلسلة طويلة من الخذلان التي أثقلت تاريخنا، وأصبحت جزءاً مؤلماً من ذاكرتنا الجمعية. إنه الصمت الذي لا يمكن تبريره، والعجز الذي لا يمكن تجميله، لأنه يقع في مواجهة قضية تمسّ جوهر الإنسان قبل أي اعتبار سياسي أو وطني.
الأسرى الفلسطينيون ليسوا أرقام تُذكر في نشرات الأخبار فحسب، ولا ملفات تُطوى في دهاليز السياسة، ولن يكونوا بيومٍ كذلك، وإنّما هم بشرٌ لهم أسماء ووجوه وذكريات، لهم أمهات ينتظرن، وأبناء يكبرون على غيابهم، وأحلام مؤجلة خلف جدران السجون. حين يُطرح قرار بإعدامهم، فإن الأمر لا يتعلق فقط بإنهاء حياة أفراد، الأمر يتعلّق بإعدام فكرة العدالة نفسها، وإعلان صريح أن الإنسان يمكن أن يُسلب حقه في الحياة تحت ذرائع القوة.
الصمت في هذه اللحظة تحديداً انحيازٌ غير مباشر إلى الجهة التي تمارس القتل. فالتاريخ لا يذكر من كان يملك القوة فقط، ويسجل أيضاً من وقف متفرجاً بينما كانت الإنسانية تُنتهك. كم مرة في تاريخنا وقفنا موقف المتلقي، نُحصي الخسارات ونندبها، دون أن نمتلك الجرأة على الرفض أو حتى التعبير عنه؟ وكم مرة أقنعنا أنفسنا أن الأمر لا يعنينا، حتى صار كل شيء يعنينا ولكن بعد فوات الأوان؟
إن أخطر ما في هذا الصمت أنه يُطبع الظلم، ويجعله يبدو وكأنه أمر طبيعي أو لا يستحق الضجيج. فحين لا يُقابل قرار بهذه الخطورة بغضب شعبي واسع، أو بمواقف حاسمة، فإن الرسالة التي تصل إلى العالم هي أن دماء هؤلاء ليست أولوية، وأن انتهاك حقوقهم يمكن أن يمر دون حساب. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح القتل خياراً مطروحاً لا يُقابل برفض حقيقي.
ربما يظن البعض أن الصوت الفردي لا يغير شيئاً، وأن الاعتراض لا يوقف قرارات كبرى، لكن الحقيقة أن الصمت هو ما يمنح هذه القرارات قوتها. فكل كلمة تُقال، وكل موقف يُعلن، يراكم وعياً ويصنع ضغطاً، حتى وإن بدا بسيطاً في لحظته. أما السكوت، فهو يراكم الخوف، ويُرسّخ الهزيمة في الداخل قبل الخارج.
نحن لا نُخذل الأسرى فقط بصمتنا، فنحن نخذل أنفسنا أيضاً. لأن الإنسان الذي يقبل بالظلم الواقع على غيره، يضعف تدريجياً أمام أي ظلم قد يطاله. القضية هنا ليست فقط قضية شعب أو أرض، هي قضية مبدأ: هل نقبل أن يُعدم إنسان وهو أعزل داخل زنزانته؟ هل يمكن أن نمرّ على هذا المشهد وكأنه خبر عادي؟ إذا كان الجواب نعم، فنحن لا نخسر الآخرين فقط، ولكن نخسر جزءاً من إنسانيتنا.
في تاريخ الشعوب، هناك لحظات فاصلة تُختبر فيها القيم، ويُكشف فيها معدن الناس. وهذه اللحظة هي واحدة من تلك اللحظات. إما أن نكون في صف الحياة، أو نكون في صف الصمت الذي يساوي الموت. لا توجد منطقة رمادية حين يتعلق الأمر بحق الإنسان في الحياة، ولا يمكن تبرير التردد عندما تكون القضية بهذا الوضوح.
إن تكرار الخذلان عبر التاريخ لم يكن نتيجة مؤامرات فقط، كان نتيجة اعتيادنا على الصمت، وقبولنا بأن نكون هامشاً في قضايا مصيرية. وكل مرة نصمت فيها، نُمهّد الطريق لخذلان جديد، ونُرسّخ صورة العجز التي تلاحقنا. وربما الأشد ألماً أن هذا الصمت لا يُفرض علينا دائماً، ولكن نحن نختاره أحياناً بدافع الخوف أو اللامبالاة أو الشعور بعدم الجدوى.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن كل موقف— لو كان بسيطاً—له قيمة. الكلمة لها أثر، والموقف له وزن، والرفض—لو كان رمزياً—هو إعلان أن هناك من لا يزال يرى، ويشعر، ويرفض أن يتحول إلى شاهد صامت على الظلم. فالتاريخ لا يُكتب فقط بالانتصارات، ولكن يُكتب أيضاً بالمواقف، حتى تلك التي بدت صغيرة في حينها.
الأسرى الذين يواجهون خطر الإعدام اليوم، يواجهونه وحدهم جسدياً، لكنهم لا يجب أن يُتركوا وحدهم معنوياً. أقل ما يمكن أن يُقدّم لهم هو أن يشعروا أن هناك من يرفض هذا المصير، من يرفع صوته لأجلهم، من يرى في قضيتهم قضية إنسانية لا تقبل التجاهل. لأن أخطر ما قد يواجهه الإنسان ليس الموت، ولكن أن يُنسى، وأن يمرّ موته دون أن يهتز له ضمير.
في النهاية، السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: ماذا نستطيع أن نفعل؟ بل: لماذا نصمت؟ لأن الإجابة على هذا السؤال تكشف الكثير. تكشف حدود خوفنا، وحدود وعينا، وحدود استعدادنا للدفاع عن القيم التي ندّعي الإيمان بها. وربما يكون الاعتراف بهذا الصمت هو الخطوة الأولى لكسره.
إن الخذلان تراكم طويل من المواقف التي لم تُتخذ، والكلمات التي لم تُقال، والاحتجاجات التي لم تحدث. وكل مرة نختار فيها الصمت، نضيف سطراً جديداً في هذا التاريخ. لكن في المقابل، كل مرة نختار فيها أن نتكلم، حتى لو كان الصوت خافتاً، نفتح احتمالاً لكتابة تاريخ مختلف.
قد لا نملك القدرة على تغيير القرارات الكبرى، لكننا نملك القدرة على أن نكون في الجهة الصحيحة منها. أن نرفض، أن نُعلن موقفنا، أن نُذكّر بأن هناك إنساناً يُسلب حقه في الحياة. وهذا بحد ذاته ليس أمراً بسيطاً، فهو هو الحد الأدنى من الوفاء لإنسانيتنا.
لذلك، فإن سكوتنا اليوم لن يُنسى، كما لم تُنسَ لحظات الصمت السابقة. وسيبقى شاهداً علينا، كما ستبقى المواقف الشجاعة—مهما كانت قليلة—نقاط ضوء في عتمة التاريخ. والسؤال الذي سيبقى معلقاً: هل كنّا شهوداً صامتين، أم كنا ممن حاولوا، ولو بالكلمة، أن يقفوا في وجه هذا الظلم؟
الإجابة، في النهاية، لا يكتبها أحد سوانا.
اقرأ أيضًا:
- نداء عاجل للتوقيع على عريضة تجبر حكومة ستارمر على التدخل ضد إعدام الأسرى
- كيف يمكن أن تعترض لدى الخارجية البريطانية بشأن “قانون إعدام الأسرى” وهل يفيد ذلك؟
- في يوم أسود للعدالة البريطانية: إدانة “صوتي فلسطين” بن جمال وكريس ناينم.. والمقاومة القانونية مستمرة
الرابط المختصر هنا ⬇
