العرب في بريطانيا | جلاسكو من عاصمة الصناعة إلى مدينة الثقافة | الع...

جلاسكو من عاصمة الصناعة إلى مدينة الثقافة

جلاسكو من عاصمة الصناعة إلى مدينة الثقافة
صبا الشريف سبتمبر 28, 2026
شارك

على ضفاف نهر كلايد في غرب اسكتلندا، نشأت جلاسكو من مركز ديني صغير قبل أن تتحول إلى واحدة من أبرز المدن الصناعية في العالم، ثم تعيد بناء هويتها مع تراجع الصناعات الثقيلة لتصبح اليوم مركزًا للثقافة والموسيقى والتعليم.

وبلغ عدد سكان المدينة 654,330 نسمة في 30 يونيو/حزيران 2025، لتكون أكبر مناطق المجالس المحلية في اسكتلندا من حيث عدد السكان، وفق أحدث تقديرات السجلات الوطنية الاسكتلندية.

لكن قصة جلاسكو لا ترتبط بحجمها فقط، إذ تركت الصناعة أثرًا عميقًا في مجتمعها وحياتها السياسية، ولا تزال المدينة حاضرة في النقاشات المتعلقة بالطبقة العاملة والاقتصاد، ومستقبل اسكتلندا وعلاقتها ببريطانيا.

جذور دينية تعود إلى أكثر من ألف عام

ترتبط بدايات جلاسكو بالقديس مونغو (St Mungo)، المعروف أيضًا باسم القديس كينتيغيرن (St Kentigern)، الذي يُعتقد أنه أسس كنيسة في موقع المدينة الحالية نحو عام 600 ميلادي.

ومع مرور القرون، تطور الموقع ليصبح مركزًا دينيًا مهمًا، قبل أن تبدأ جلاسكو في التوسع كمركز تجاري. وفي عام 1175، حصلت المدينة على ميثاق منحها صفة “برغ” وسمح بإقامة سوق أسبوعية، ما ساعد على تعزيز نشاطها التجاري.

ولا تزال كاتدرائية جلاسكو شاهدة على هذه المرحلة المبكرة من تاريخ المدينة، إذ ارتبط موقعها بتقاليد القديس مونغو، بينما يعود جزء كبير من المبنى الحالي إلى القرنين 12 و13.

نهر كلايد يفتح الطريق أمام الصناعة

جلاسكو من عاصمة الصناعة إلى مدينة الثقافة
مجرى مائي ارتبط بنمو التجارة والصناعات البحرية. (AI)

كان نهر كلايد نقطة التحول الأبرز في تاريخ جلاسكو.

ومع تطوير الملاحة في النهر، توسعت التجارة، وبدأت صناعة السفن والهندسة والصناعات الثقيلة في النمو، خصوصًا خلال القرن 19.

وساعد موقع المدينة وقربها من مصادر الحديد والمواد الخام على ازدهار صناعة بناء السفن، وتحولت مناطق مثل غوفان (Govan) إلى مراكز رئيسية لهذا النشاط.

وبحلول أوائل القرن 20، كانت أحواض السفن على نهر كلايد تبني سفينة واحدة من كل 5 سفن في العالم، فيما وفرت الصناعة فرص العمل لعشرات الآلاف من السكان.

ولم تقتصر آثار هذا الازدهار على المصانع وأحواض السفن؛ فقد نشأت أحياء كاملة حولها، وأصبحت حياة آلاف العائلات مرتبطة بالعمل في الصناعة، كما اكتسبت النقابات والحركة العمالية حضورًا بارزًا في المجتمع المحلي.

وهكذا، لم تصنع الصناعة اقتصاد جلاسكو فحسب، بل ساهمت أيضًا في تشكيل شخصيتها الاجتماعية والسياسية.

تراجع الصناعة يغيّر وجه المدينة

لم يستمر العصر الصناعي إلى الأبد. فخلال القرن 20، بدأت صناعة بناء السفن والصناعات الثقيلة في التراجع، وخسرت المدينة عددًا كبيرًا من الوظائف التي اعتمدت عليها أحياؤها لعقود.

وكان التحول اقتصاديًا واجتماعيًا في الوقت نفسه؛ إذ واجهت جلاسكو تحديات مرتبطة بالبطالة وتراجع النشاط الصناعي والحاجة إلى إعادة تطوير المناطق التي ارتبطت سابقًا بالمصانع وأحواض السفن.

لكن الإرث الصناعي بقي حاضرًا في المدينة، سواء في أحيائها أو مبانيها أو الذاكرة الاجتماعية لسكانها.

كما استمرت قضايا العمل والسكن والخدمات العامة والفوارق الاقتصادية في لعب دور داخل الحياة السياسية، لتصبح خلفية مهمة لفهم مواقف المدينة من القضايا التي شغلت اسكتلندا خلال العقود الأخيرة.

جلاسكو في قلب نقاش استقلال اسكتلندا

جلاسكو من عاصمة الصناعة إلى مدينة الثقافة
صندوق الاقتراع يعكس تحولات سياسية داخل المدينة. (AI)

برز الدور السياسي للمدينة بصورة واضحة خلال استفتاء استقلال اسكتلندا عام 2014.

ففي الوقت الذي صوتت فيه اسكتلندا عمومًا ضد الاستقلال بنسبة 55.3% مقابل 44.7% لصالحه، صوت 53.5% من الناخبين في جلاسكو لصالح الاستقلال، مقابل 46.5% صوتوا ضده.

وأظهرت النتيجة ارتباط النقاش حول مستقبل اسكتلندا بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية التي كانت حاضرة بقوة في مدينة ذات تاريخ صناعي وعمالي مثل جلاسكو.

لكن الخريطة السياسية للمدينة واصلت التغير بعد الاستفتاء.

ففي الانتخابات العامة البريطانية عام 2024، فاز حزب العمال بجميع المقاعد البرلمانية الستة التي تمثل جلاسكو في مجلس العموم، بعد سنوات كان فيها الحزب الوطني الاسكتلندي قوة انتخابية رئيسية في المدينة.

وفي انتخابات البرلمان الاسكتلندي عام 2026، ظهر مشهد سياسي أكثر تنوعًا في دوائر جلاسكو، مع تمثيل للحزب الوطني الاسكتلندي وحزب العمال والخضر وريفورم، فيما يضم مجلس مدينة جلاسكو ممثلين عن عدة قوى سياسية.

وتعكس هذه التحولات استمرار ارتباط السياسة في المدينة بقضايا الاقتصاد والخدمات العامة والهوية الاسكتلندية، إلى جانب النقاش الأوسع حول مستقبل اسكتلندا داخل بريطانيا.

الثقافة تعيد تقديم جلاسكو

ومع تراجع الصناعة، بدأت جلاسكو في بناء هوية اقتصادية وثقافية جديدة.

وفي عام 1990، اختيرت المدينة عاصمة للثقافة الأوروبية، في محطة ساعدت على تغيير صورتها خارج اسكتلندا، من مدينة صناعية إلى مركز للفنون والثقافة.

ثم أصبحت في عام 2008 أول مدينة في بريطانيا تنضم إلى شبكة اليونسكو للمدن الإبداعية بوصفها مدينة للموسيقى.

وتتميز جلاسكو اليوم بمشهد موسيقي متنوع يشمل الروك والبوب والجاز والموسيقى الكلاسيكية والسلتية، إلى جانب المسارح والمتاحف والمعارض والمؤسسات التعليمية.

كما ساهمت إعادة تطوير أجزاء من الواجهة البحرية لنهر كلايد في تحويل مناطق كانت مرتبطة بالصناعة إلى مساحات جديدة تضم مؤسسات ثقافية وتعليمية ومراكز للعلوم والإعلام.

إرث الصناعة يتحول إلى جزء من الثقافة

جلاسكو من عاصمة الصناعة إلى مدينة الثقافة
مواقع صناعية قديمة تحولت إلى معالم ثقافية. (AI)

لم تتخلَ جلاسكو عن تاريخها الصناعي، بل أعادت تقديمه بطريقة مختلفة.

ويعد متحف ريفرسايد (Riverside Museum) أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إذ يقع عند التقاء نهري كلايد وكلفن، ويعرض تاريخ النقل والهندسة وبناء السفن وغيرها من الصناعات التي ساهمت في تشكيل المدينة.

كما لا تزال منطقة غوفان مرتبطة بتاريخ صناعة السفن، بينما أصبحت أجزاء من الواجهة البحرية شاهدة على التحول الذي شهدته جلاسكو خلال العقود الماضية.

وفي المدينة نفسها، تتجاور آثار العصر الصناعي مع المؤسسات الثقافية الحديثة، فيما تبقى كاتدرائية جلاسكو شاهدًا على مرحلة أقدم بكثير من تاريخها.

جلاسكو اليوم

تقدم جلاسكو اليوم صورة لمدينة تغيرت من دون أن تتخلى عن ماضيها.

فالنهر الذي ساعد على بناء ثروتها الصناعية لا يزال يمر في قلبها، وأحياء العمال التي نشأت حول المصانع وأحواض السفن لا تزال جزءًا من نسيجها الحضري، بينما أصبحت الثقافة والموسيقى والتعليم قطاعات أساسية في صورتها الحديثة.

وفي الوقت نفسه، لا تزال آثار تاريخها الصناعي حاضرة في الحياة السياسية والاجتماعية، من قضايا العمل والخدمات العامة إلى النقاش حول مستقبل اسكتلندا وعلاقتها ببريطانيا.

ومن مستوطنة دينية صغيرة إلى مركز صناعي عالمي، ثم إلى مدينة ثقافية نابضة بالحياة، تعكس جلاسكو قصة تحول مدينة أعادت تعريف نفسها مع كل مرحلة، بينما ظل نهر كلايد وإرث الصناعة والسياسة جزءًا من هويتها حتى اليوم.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

↑