الكومنولث.. لماذا بقيت الرابطة بعد زوال الإمبراطورية البريطانية؟
يُعدّ الكومنولث، أو رابطة دول الكومنولث، أحد أبرز التجمعات الدولية التي تجمع دولًا من قارات مختلفة، تربط كثيرًا منها علاقات تاريخية ببريطانيا. ويضم اليوم 56 دولة مستقلة، تتعاون في مجالات متعددة، من بينها التنمية الاقتصادية والتعليم والديمقراطية والتجارة ومواجهة التغير المناخي.
ورغم ارتباط نشأة الرابطة بتاريخ الإمبراطورية البريطانية، فإنها تطورت لتصبح تجمعًا طوعيًا يضم دولًا مستقلة ومتساوية من حيث العضوية، بما فيها جمهوريات لا تعترف بالملك البريطاني رأسًا للدولة. فما الكومنولث، وكيف نشأ، وما أهميته لبريطانيا والدول الأعضاء فيه؟
ما هو الكومنولث؟

الكومنولث (Commonwealth of Nations) هو رابطة طوعية تضم 56 دولة مستقلة موزعة على أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين ومنطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ.
ويبلغ عدد سكان الدول الأعضاء مجتمعة نحو 2.7 مليار نسمة، أي ما يقارب ثلث سكان العالم، وفقًا لبيانات الرابطة. وتضم دولًا ذات اقتصادات كبيرة، مثل الهند وكندا وأستراليا، إلى جانب دول صغيرة وجزرية تواجه تحديات تنموية وبيئية خاصة.
وتؤكد الرابطة أن التعاون بين أعضائها يقوم على مبادئ مشتركة، تشمل الديمقراطية والسلام والتنمية وحقوق الإنسان والمساواة وسيادة القانون. كما تمنح الدول الأعضاء، بصرف النظر عن حجمها أو ثروتها، مكانة متساوية داخل التجمع.
لكن العضوية لا تعني وجود حكومة مشتركة أو سلطة مركزية تحكم هذه الدول، إذ تحتفظ كل دولة باستقلالها السياسي ونظامها القانوني وقراراتها السيادية.
كيف نشأ الكومنولث؟
ترجع جذور الكومنولث إلى الإمبراطورية البريطانية، التي حكمت مناطق واسعة من العالم، قبل أن تبدأ مستعمراتها وأقاليمها في الحصول على درجات متفاوتة من الحكم الذاتي، ثم الاستقلال.
وفي عام 1926، اتفقت بريطانيا وعدد من أقاليمها ذات الحكم الذاتي على مبدأ الشراكة المتساوية ضمن إطار عُرف باسم الكومونولث البريطاني.
وشهد عام 1949 تحولًا مهمًا مع صدور إعلان لندن، الذي أرسى أسس الكومنولث الحديث، وسمح للدول التي أصبحت جمهوريات بالبقاء في الرابطة دون الحاجة إلى الاعتراف بالملك البريطاني رأسًا للدولة.
وجاء هذا التغيير في سياق استقلال الهند ورغبتها في إقامة نظام جمهوري مع الاحتفاظ بعضويتها في التجمع. ومنذ ذلك الحين، أصبحت العضوية قائمة على التعاون الطوعي بين دول مستقلة، بدلًا من الارتباط الدستوري بالتاج البريطاني.
وفي عام 1965، أُنشئت أمانة الكومنولث في لندن لتنسيق أعمال الرابطة ومساعدة الدول الأعضاء على تنفيذ أهدافها المشتركة.
ما الدول الأعضاء في الكومونولث؟

تضم الرابطة 56 دولة موزعة على خمس مناطق جغرافية، وتشمل دولًا كانت مستعمرات بريطانية سابقة، إلى جانب دول انضمت إليها دون أن تكون لها علاقة استعمارية مباشرة ببريطانيا.
ومن أبرز الدول الأعضاء:
- في أفريقيا: نيجيريا، وجنوب أفريقيا، وكينيا، وغانا، وأوغندا، ورواندا، وموزمبيق، والغابون وتوغو.
- في آسيا: الهند، وباكستان، وبنغلادش، وماليزيا، وسنغافورة وسريلانكا.
- في أوروبا: بريطانيا، ومالطا وقبرص.
- في الأمريكتين والبحر الكاريبي: كندا، وجامايكا، وبربادوس، وبليز، وغويانا وترينيداد وتوباغو.
- في المحيط الهادئ: أستراليا، ونيوزيلندا، وفيجي، وبابوا غينيا الجديدة وساموا.
وتضم الرابطة أيضًا دولًا صغيرة، بينها جزر تواجه مخاطر متزايدة بسبب التغير المناخي وارتفاع مستوى سطح البحر. وتُعد هذه القضايا من الملفات التي تسعى الدول الأعضاء إلى تنسيق مواقفها بشأنها.
ما علاقة الكومنولث بالملك البريطاني؟
يشغل الملك تشارلز الثالث منصب رئيس الكومنولث، وهو منصب رمزي يهدف إلى تمثيل الرابطة وتعزيز الروابط بين أعضائها.
لكن هذا الدور لا يعني أن الملك يحكم الدول الأعضاء أو يتدخل في قرارات حكوماتها. فمعظم هذه الدول تتمتع بأنظمة سياسية مستقلة، وبعضها جمهوريات لها رؤساء دول منتخبون أو معيّنون وفق دساتيرها.
كما أن منصب رئيس الكومنولث ليس وراثيًا تلقائيًا؛ إذ يختار قادة الدول الأعضاء من يتولى هذا الدور. ولذلك، لا يعني تولي تشارلز الثالث عرش بريطانيا أنه أصبح رئيسًا للكونولث بحكم الوراثة وحدها.
وتتولى أمانة الكومنولث، ومقرها لندن، جانبًا أساسيًا من أعمال التنسيق والتعاون بين الحكومات الأعضاء.
كيف تتخذ دول الكومنولث قراراتها؟

يلتقي قادة الدول الأعضاء عادةً كل عامين في اجتماع رؤساء حكومات الكومنولث، المعروف اختصارًا باسم CHOGM، لمناقشة القضايا المشتركة وتحديد أولويات التعاون.
وتُتخذ القرارات من خلال التشاور والتوافق بين الدول، مع احتفاظ كل حكومة بحقها في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية.
وتساعد أمانة الكومنولث الدول الأعضاء في تنسيق المبادرات المشتركة وتقديم الدعم الفني، فيما تعمل مؤسسات أخرى مرتبطة بالرابطة على دعم مشاركة المجتمع المدني وتعزيز التنمية.
ولا تملك الرابطة سلطة تشريعية موحدة تفرض قوانينها على جميع الأعضاء، كما لا تحل محل الحكومات الوطنية أو المنظمات الدولية الأخرى.
لماذا يظل الكومنولث مهمًا لبريطانيا؟
يمثل الكومنولث لبريطانيا شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تشكلت على مدى عقود. وتعمل الحكومات البريطانية المتعاقبة على الحفاظ على علاقاتها مع الدول الأعضاء، من خلال التعاون الدبلوماسي والتجاري والمبادرات المشتركة.
كما توفر الرابطة إطارًا للحوار مع دول تختلف في أحجام اقتصاداتها وأنظمتها السياسية ومصالحها الإقليمية، ما يمنحها أهمية في مناقشة قضايا مثل التنمية والتجارة والتغير المناخي.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الكومنولث باعتباره امتدادًا للإمبراطورية البريطانية أو كتجمع يخضع لقيادة لندن؛ فالدول الأعضاء مستقلة، وتتفاوت مصالحها وأولوياتها، وقد تختلف مواقفها من القضايا الدولية.
هل يمنح الكومنولث مواطنيه امتيازات في بريطانيا؟

لا تعني عضوية دولة في الكومنولث أن مواطنيها يتمتعون تلقائيًا بحق الإقامة أو العمل في بريطانيا، ولا تمنحهم العضوية وحدها حق الحصول على الجنسية البريطانية أو مزايا هجرة خاصة.
وتخضع التأشيرات والإقامة والعمل للقوانين والأنظمة البريطانية ذات الصلة، وتختلف الشروط بحسب جنسية الشخص ونوع التأشيرة ووضعه القانوني.
لذلك، ينبغي التمييز بين العلاقات التاريخية والسياسية التي تجمع بريطانيا بدول الكومونولث، وبين الحقوق القانونية التي يتمتع بها الأفراد عند السفر أو الإقامة أو العمل.
الكومنولث اليوم: تعاون يتجاوز الإرث الاستعماري
تجمع رابطة الكومنولث دولًا تختلف في لغاتها وثقافاتها وأوضاعها الاقتصادية، لكنها تسعى إلى التعاون في ملفات مشتركة، من التنمية والتعليم إلى الديمقراطية والتجارة والبيئة.
ورغم أن جذورها ترتبط بتاريخ الإمبراطورية البريطانية، فإن شكلها الحديث يقوم على استقلال الدول الأعضاء ومساواتها رسميًا. وتبقى أهمية الرابطة مرتبطة بقدرتها على تحويل هذا الإطار المشترك إلى تعاون عملي يستجيب لاحتياجات الدول وشعوبها.
الرابط المختصر هنا ⬇