بين خيمة ممزقة في غزة وظروف صعبة في إسكتلندا.. لاجئ فلسطيني يرفض مكافأة مالية نظير أمانته
في تجسيد حي لمشاعر الأمانة والقيم الإنسانية النبيلة، سطر لاجئ فلسطيني مقيم في مدينة جلاسكو الإسكتلندية قصة ملهمة، بعد أن عثر على محفظة مفقودة تحتوي على مبلغ مالي كبير، وأصر على إعادتها إلى صاحبها، رافضًا بقوة قبول أي مكافأة مالية رغم الظروف القاسية التي يمر بها هو وعائلته.
تفاصيل العثور على المحفظة

تعود تفاصيل الواقعة إلى الشهر الماضي، عندما كان اللاجئ الفلسطيني، زكريا سالم، برفقة أحد أصدقائه في مدينة إدنبرة، حيث عثر مصادفة على محفظة مفقودة ملقاة على الأرض. وعند فحص المحفظة، تبين أنها تحتوي على:
- بطاقة مصرفية خاصة بالمالك.
- أوراق نقدية بقيمة 1,050 باوندًا.
- عملة معدنية واحدة من فئة الباوند.
- الأوراق الثبوتية وبطاقة الهوية الخاصة بصاحب المحفظة.
ونظرًا لعدم إتقانه اللغة الإنجليزية، سارع زكريا بالاتصال بجمعية “العمل الإيجابي في الإسكان” (Positive Action in Housing)، وهي منظمة خيرية معنية بحقوق الإنسان، بهدف إبلاغهم بالواقعة وطلب مساعدتهم لضمان وصول الأمانة إلى يد صاحبها الشرعي.
وفي رسالته التي وجهها للجمعية، قال زكريا:
“كما تعلمون، أنا لا أتحدث الإنجليزية، لذا فإن المحفظة معي الآن. وتحتوي أيضًا على بطاقة مصرفية. بصراحة، لا أعرف كم من المال يوجد بداخلها، لذا يجب أن نعيد المحفظة إلى صاحبها. إذا كان بإمكانكم الوصول إلى صاحب المحفظة، فاطلبوا منه إرسال عنوانه ورقم هاتفه. ليس لدي أي مشكلة في الذهاب إلى مكان إقامته وإعادة محفظته. أعتذر عن الإزعاج”.
رحلة البحث ورفض المكافأة

وفقاً لما نقلته شبكة “جلاسكو لايف” الإخبارية، قامت الجمعية الخيرية على الفور بالتنسيق والاتصال بمكتبات إدنبرة ومجلس المدينة لتعقب المالك. وبعد بضعة أيام، تم التوصل إلى صاحب المحفظة، وتبين أنه رجل مسن.
وعندما علم الرجل المسن بالقصة، وعرف أن الشخص الذي عثر على أمواله هو لاجئ فلسطيني، أبدى امتنانه الشديد وقدم عرضًا لزكريا بمنحه مكافأة مالية بقيمة 200 باوند من المحفظة تقديرًا لأمانته الاستثنائية.
لكن المفاجأة كانت في موقف زكريا، وهو أب لثلاثة أطفال تعيش عائلته حاليًا تحت وطأة القصف المستمر داخل خيمة ممزقة في قطاع غزة؛ إذ رفض العرض المالي بكرامة وأدب جم، قائلاً:
“شكرًا لك، ولكن هذا ليس من حقي؛ هذا ماله. اشكره جزيلًا٬ سعادتي تكمن في حصوله على محفظته كاملة”.
وفي سياق متصل، علق متحدث باسم جمعية “العمل الإيجابي في الإسكان” على هذا الموقف النبيل موضحًا حاجة زكريا الشديدة للمال، حيث قال:
“زكريا بحاجة ماسة إلى المال لدفع الرسوم الجامعية لابنه حتى يتمكن من الدراسة عبر هاتفه المحمول مع محاضرين قُصفت جامعاتهم وبنيتهم التحتية بالكامل في غزة، وليدفع ثمن الطعام والكهرباء. لكنه فعل الشيء الصحيح ورفض أخذ المال من رجل مسن”.
وانتهت هذه المعاملة بقيام زكريا بمرافقة أحد موظفي الجمعية الخيرية إلى مكتب البريد لإرسال المحفظة عبر البريد الخاص (Special Delivery) بناءً على رغبة صاحبها، ليصلته كاملة في اليوم التالي، محملة بأمنيات الرجل المسن لزكريا بالتوفيق والخير.
مبادرات إنسانية تكسر حدة التحيز
لم تكن قصة زكريا هي النموذج الوحيد الذي يبرز الوجه المشرف للاجئين؛ إذ أورد التقرير نموذجًا آخر لـ “شعاع أمل في هذه الأوقات العصيبة” من الجانب الجنوبي لمدينة جلاسكو. حيث قامت عائلة سورية تقطن بالقرب من شارع “كينمور” بفتح أبواب منزلها يوم الأحد، 21 حزيران/يونيو، ودعت الجيران وأفراد المجتمع دون استثناء لمشاركتهم وجبة غداء الأحد (Brunch) المصممة على الطريقة السورية.
وتقوم هذه العائلة بزراعة ثمار الكرز، البرقوق، التفاح، والفراولة في بقعة خضراء صغيرة خارج منزلهم، وأرادت من خلال هذه المبادرة الترحيب بالمجتمع المحلي بأذرع مفتوحة تعزيزًا لروابط التعايش.
الجمعية الخيرية تنتقد حملات التشوية وتدعو للإنصاف

أمام هذه المواقف، وجهت جمعية “العمل الإيجابي في الإسكان” (PAIH) رسالة قوية ومباشرة لوسائل الإعلام والرأي العام، داعية إياهم إلى تذكر زكريا والعائلة السورية عند سماع أي حملات تشويه تستهدف المهاجرين، والمسلمين في الصحافة.
وأكدت الجمعية أن الأفعال الإجرامية التي ترتكبها أقلية صغيرة جدًا تُستغل بصورة سيئة لتشويه مجتمعات بأكملها، في حين يتم تجاهل عدد لا يحصى من مواقف الأمانة، اللياقة، واللطف. وشددت على أن “الناس يجب أن يُحكم عليهم من خلال أفعالهم، وليس من خلال عرقهم أو دينهم أو مكان ولادتهم”.
وأعربت المنظمة عن قلقها البالغ إزاء حوادث الكراهية الأخيرة، مشيرة إلى الهجوم الذي استهدف خمسة مسلمين في إدنبرة، وتعرض امرأة مسلمة للدهس المتعمد بسيارة في إنجلترا، واصفة إياها بالجرائم المقلقة والمخيفة.
وحذرت الجمعية من تصاعد العنف وجرائم الكراهية المحرض عليها من قبل “طبقة المليارديرات” عبر منصاتهم الإعلامية القوية، والذين يستغلون مناخ عدم الاستقرار الاقتصادي والخوف لإلقاء اللوم على المهاجرين بدلًا من الأثرياء فاحشي الثراء، ما يترك الأقليات الظاهرة في حالة عزلة وعدم أمان. وختمت الجمعية بيانها بالقول: “قصص مثل قصة زكريا تذكرنا بحقيقة بسيطة: إنسانيتنا المشتركة أقوى بكثير من التحيز الذي يسعى إلى تقسيمنا”.
المساعي القانونية للم الشمل

وعلى الصعيد الإنساني والقانوني، تبذل جمعية “العمل الإيجابي في الإسكان” جهودًا حثيثة في الوقت الراهن لمساعدة زكريا في لم شمل عائلته وإحضارهم إلى إسكتلندا، بما في ذلك زوجته التي تعمل كصيدلانية مؤهلة.
وأوضحت الجمعية أنها تواصلت مع الجهات الرسمية؛ وفي حين أبدت وزارة الخارجية (Foreign Office) استعدادها للمساعدة في إجلاء زوجته وابنه الأصغر، فإن الأمر ما زال يتطلب موافقة ومصادقة رسمية من وزارة الداخلية (Home Office) لإتمام العملية.
المصدر: Daily Record
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇