عودة وقت صلاة العشاء في لندن لا تعني انتهاء المشقة: قراءة فقهية في الجمع بين المغرب والعشاء
مع عودة العلامة الفلكية لدخول وقت صلاة العشاء في لندن في أواخر شهر يوليو/تموز 2026، وبحسَب المعطيات التي تشير إلى انتهاء فترة اختفاء العلامة في الـ21 من يوليو 2026، يبرز سؤال مهم لدى المسلمين في بريطانيا: هل تعني عودة دخول وقت العشاء انتهاء الحكم المتعلق بجواز الجمع بين المغرب والعشاء، أم أن التأخر الشديد في دخول وقت العشاء يمكن أن يبقي حكم الجمع قائمًا لمن تلحقه مشقة معتبرة؟
الجواب يحتاج إلى التفريق بين سببين مختلفين للرخصة:
- الأول هو غياب العلامة الشرعية لدخول وقت العشاء.
- الثاني هو وجود المشقة والحرج بسبب التأخر الشديد لوقت العشاء.
وهذا التفريق مهم في فهم فتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وفي فهم ما قرره عدد من العلماء والباحثين في فقه الأقليات المسلمة في أوروبا.
أولًا: عودة علامة دخول وقت العشاء تعني عودة الأصل، لكنها لا تعني بالضرورة زوال كل صور المشقة
الأصل في الصلوات المفروضة أن تؤدى في أوقاتها المحددة شرعًا، وقد أكد المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث أن أوقات الصلوات مرتبطة بعلامات شرعية محددة، وأن الاجتهاد في هذه المسائل إنما يكون عند وجود سبب معتبر، كاضطراب العلامات أو انعدامها أو ترتب الحرج والمشقة.
ومن هنا، فإن انتهاء فترة اختفاء علامة دخول العشاء في لندن يعني من حيث الأصل أن وقت العشاء أصبح يدخل بعلامته المعتادة، ومن ثَمّ لا يصح القول إن الجمع بين المغرب والعشاء أصبح حكمًا عامًا مستمرًا لكل الناس لمجرد أن وقت العشاء كان متعذرًا أو شديد التأخر في الأسابيع السابقة.
لكن في المقابل، فإن عودة العلامة لا تعني أن كل سبب للمشقة قد انتهى.
فقد تدخل صلاة العشاء في وقت متأخر من الليل، وقد يكون الفاصل بين المغرب والعشاء طويلًا جدًا، بحيث يواجه بعض الناس حرجًا حقيقيًا في الانتظار، خصوصًا من كان مرتبطًا بعمل مبكر، أو لديه ظروف صحية أو أسرية، أو مسؤوليات يومية لا تسمح له بالسهر إلى وقت متأخر بصورة متكررة.
وهنا تنتقل المسألة من حكم انعدام وقت العشاء أو اضطراب علامته إلى حكم آخر، هو الجمع للحاجة ودفع المشقة والحرج.
ثانيًا: قرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث يؤسس لجواز الجمع عند تأخر العشاء أو انعدام علامته

قرر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في قراره رقم 3/3 بشأن “الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء لتأخر وقت العشاء أو انعدام علامته الشرعية في بعض البلاد” جواز الجمع بين المغرب والعشاء في أوروبا في فصل الصيف عندما يتأخر وقت العشاء إلى منتصف الليل أو تنعدم علامته كليًا، مستندًا إلى قاعدة رفع الحرج، وإلى حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح مسلم، وفيه أن النبي ﷺ جمع بين الصلوات في المدينة من غير خوف ولا سفر، وبيّن ابن عباس أن المقصود من ذلك كان “ألا يحرج أمته”.
وفي الوقت نفسه، نبّه المجلس إلى أن الجمع لا ينبغي أن يكون من غير حاجة.
وهذا القرار مهم من جهتين:
- الجهة الأولى: أن المجلس لم يحصر الرخصة في حالة انعدام العلامة فقط، بل نص صراحة على حالة تأخر وقت العشاء إلى منتصف الليل.
- الجهة الثانية: أن المجلس ربط الحكم بمقصد رفع الحرج والمشقة، مع التأكيد على أن الجمع ليس أمرًا يُفعل بلا حاجة أو يتحول إلى عادة مطردة.
وعليه فإن انتهاء فترة اختفاء العلامة لا يلغي تلقائيًا كل حكم يتعلق بالمشقة؛ لأن السبب الذي أدى إلى الرخصة قد يتغير، وقد يبقى سبب آخر مستقل لها.
ثالثًا: المشقة بسبب تأخر العشاء تختلف عن انعدام العلامة
هذه النقطة هي مفتاح المسألة.
عندما تختفي العلامة الشرعية لدخول العشاء، تظهر مشكلة فقهية تتعلق بأصل الوقت: متى يدخل وقت العشاء؟ ولذلك جاءت اجتهادات فقهية وفلكية متعددة للتقدير، كما جاء قرار المجلس الأوروبي بجواز الجمع في الحالة التي تنعدم فيها العلامة أو يتأخر وقت العشاء إلى حد بالغ.
أما عندما تعود العلامة، فإن الإشكال الأول ينتهي؛ إذ أصبح وقت العشاء معلوم الدخول.
لكن قد يبقى إشكال آخر: ماذا يفعل من يدخل عليه وقت العشاء في ساعة متأخرة جدًا، ويترتب على انتظاره مشقة معتبرة؟
وهنا يمكن أن يقال: إن الحكم لا ينبغي أن يُبنى على قاعدة واحدة لكل الناس، بل ينظر إلى حال الشخص وحجم المشقة التي تلحقه.
- فمن كان قادرًا على الانتظار دون حرج معتبر، فالأصل أن يصلي العشاء في وقتها.
- أما من كان لا يستطيع الانتظار بسبب مشقة حقيقية، كمن يعمل عملًا يبدأ في وقت مبكر جدًا، أو يحتاج إلى النوم ليستطيع أداء عمله، أو يخشى أن يؤدي انتظار العشاء إلى تفويت الفجر أو الإخلال بواجباته الأساسية، أو تلحقه مشقة غير معتادة بسبب ظروفه الخاصة، فقد يدخل في حكم من جاز له الجمع للحاجة، بشرط أن تكون الحاجة حقيقية، وأن يقتصر الجمع على قدرها، وألا يتحول إلى عادة بلا سبب.
وهذا المعنى تؤكده فتاوى فقهية معاصرة تناولت صراحة حالة من يتأخر عليه وقت العشاء في أوروبا ويشق عليه الانتظار، فأجازت الجمع عند وجود المشقة، مع التأكيد على أنه لا يُتخذ عادة، وأن الحكم يدور مع الحاجة وجودًا وعدمًا.
رابعًا: رؤية الدكتور خالد حنفي: فقه التيسير في واقع المسلمين في أوروبا
تكتسب تصريحات الدكتور خالد حنفي، عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، أهمية خاصة في هذه القضية؛ لأنه تناول مسألة مواقيت الصلاة في أوروبا من زاوية تجمع بين الفقه والفلك وواقع الحياة اليومية للمسلمين.
وقد أوضح في حديث منشور عن هذه المسألة أن مشكلة وقت العشاء في أوروبا ليست مجرد مسألة فلكية مجردة، بل ترتبط بواقع اجتماعي وحياتي مختلف؛ فالمسلمون يعيشون في مجتمعات لا تُنظم ساعات العمل والدراسة والنوم وفق مواقيت العبادات، ولذلك تظهر المشقة بصورة أوضح، ولا سيما في فصل الصيف. كما أشار إلى أن هذه المشقة تظهر في حياة الأسر وتربية الأبناء، إذ قد يكون وقت المغرب متأخرًا أصلًا، ثم يتأخر وقت العشاء أكثر.
واللافت في طرح حنفي أنه يؤكد أن الفقه الموجه لمسلمي أوروبا ينبغي أن يأخذ واقع الناس وظروف حياتهم بعين الاعتبار، وأن الاجتهاد المعتبر الذي يرفع الحرج عن الناس ويحفظ قدرتهم على الالتزام بالدين يمكن الأخذ به متى كان مستندًا إلى دليل معتبر.
ومن المهم هنا فهم هذا الطرح بصورة دقيقة: فالتيسير لا يعني إلغاء مواقيت الصلاة، ولا يعني أن كل تأخر في وقت العشاء يبيح الجمع للجميع، وإنما يعني أن المشقة المعتبرة شرعًا قد تكون سببًا للرخصة عند من تحققت في حقه.
وبهذا يمكن فهم المسألة على مرحلتين:
- عند اختفاء علامة العشاء: توجد مشكلة تتعلق بدخول الوقت، وقد أفتى المجلس الأوروبي بجواز الجمع في هذه الحالة.
- عند عودة العلامة مع بقاء التأخر الشديد: يعود الأصل، وهو أداء العشاء في وقتها، لكن قد تبقى الرخصة لمن تحققت في حقه مشقة معتبرة بسبب التأخر، باعتبار المشقة سببًا مستقلًا للحكم.
خامسًا: الجمع ليس حكمًا جماعيًا دائمًا، بل رخصة مرتبطة بالحاجة

من أهم الضوابط التي ينبغي إبرازها في هذه المسألة أن القول بجواز الجمع لا يعني أن المسلم مخير دائمًا بين الصلاة في وقتها والجمع كيفما شاء.
فقرار المجلس الأوروبي نفسه نبّه إلى أن المسلم لا يلجأ إلى الجمع من غير حاجة، وهو قيد جوهري في فهم الفتوى.
وعليه فمن المناسب التفريق بين ثلاث حالات:
- الحالة الأولى (من لا تلحقه مشقة معتبرة): إذا كان المسلم يستطيع الانتظار إلى دخول وقت العشاء، ولا يترتب على ذلك حرج حقيقي، فالأصل أن يصلي العشاء في وقتها، ولا يجمع لمجرد سهولة الجمع أو اعتياد فعله.
- الحالة الثانية (من تلحقه مشقة معتبرة بسبب التأخر): إذا كان وقت العشاء متأخرًا جدًا، وكان الانتظار يؤدي في حق شخص معين إلى مشقة حقيقية غير معتادة، كالإرهاق الشديد المتكرر، أو تعارض ذلك مع عمل ضروري يبدأ في وقت مبكر، أو ترتب عليه اختلال شديد في النوم والقيام بالواجبات، فقد تتوجه إليه رخصة الجمع للحاجة، بحسَب حاله وتقدير أهل العلم.
- الحالة الثالثة (من يجمع دائمًا بلا مشقة): لا يصح أن تتحول الرخصة إلى عادة مستقرة لجميع الناس بمجرد وجود وقت متأخر للعشاء، إذا كان الشخص قادرًا على أداء الصلاة في وقتها دون حرج معتبر.
فالقاعدة هنا أن الجمع رخصة للحاجة، وليس بديلًا دائمًا عن أداء الصلاة في وقتها.
سادسًا: ما علاقة ذلك بلندن بعد 21 يوليو 2026؟
بناءً على ذلك، فإن عودة علامة دخول وقت صلاة العشاء في لندن في الـ21 من يوليو 2026 تنبغي أن تُفهم على النحو التالي:
إنها تعني انتهاء الحالة التي كان فيها البحث عن دخول وقت العشاء متعذرًا أو مبنيًا على التقدير بسبب اختفاء العلامة، ومن ثم يعود الأصل في وجوب أداء العشاء بعد دخول وقتها.
لكنها لا تعني بالضرورة أن كل مشقة مرتبطة بالتأخر قد انتهت في اليوم نفسه.
فإذا كان وقت العشاء قد عاد ليدخل، لكنه يدخل في وقت متأخر من الليل، فإن المسلم القادر على الانتظار يصلي العشاء في وقتها.
أما المسلم الذي لا يستطيع الانتظار إلا بمشقة معتبرة، وكانت ظروف عمله أو دراسته أو حياته الأسرية أو صحته تجعل الانتظار إلى ذلك الوقت شاقًا مشقة حقيقية، فإن البحث الفقهي ينتقل إلى باب الجمع للحاجة ورفع الحرج، وهو باب أوسع من مجرد قضية اختفاء العلامة الفلكية.
وهذا هو الفهم الأكثر اتزانًا لفتوى المجلس الأوروبي: عودة العلامة تنهي سبب الجمع المرتبط بانعدام دخول وقت العشاء، لكنها لا تنهي بالضرورة كل رخصة مبنية على المشقة والحاجة إذا بقيت المشقة قائمة في حق بعض الأشخاص.
سابعًا: بين الفتوى العامة والحكم الخاص

من المهم كذلك أن نفرق بين إصدار فتوى عامة للمجتمع المسلم وبين تقدير حاجة فرد بعينه.
فقد يكون وقت العشاء في لندن قد دخل مثلًا في وقت يستطيع معظم الناس انتظاره دون مشقة بالغة، في حين توجد فئة معينة من الناس لا تستطيع ذلك بسبب طبيعة أعمالها أو ظروفها الصحية أو الأسرية.
وفي هذه الحالة، لا يلزم أن يكون الحكم واحدًا للجميع.
فالفتوى العامة قد تقول: عاد وقت العشاء، والأصل الصلاة في وقتها.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يقال للفرد الذي تحققت في حقه المشقة: إذا بلغت المشقة حدًا معتبرًا، واستحال أو شق عليه الانتظار بصورة غير معتادة، فله أن يستفيد من الرخصة المعتبرة في الجمع للحاجة، بقدر حاجته، دون أن يجعل ذلك عادة بلا سبب.
وهذا التفريق يحفظ أمرين في آن واحد: احترام أوقات الصلاة، ورفع الحرج عن المكلفين.
إن عودة علامة دخول وقت صلاة العشاء في لندن في الـ21 من يوليو 2026 تمثل عودة إلى الأصل في أداء صلاة العشاء في وقتها، بعد انتهاء فترة غياب العلامة التي كانت سببًا مباشرًا في فتوى الجمع في فترة الصيف.
لكن من الخطأ الفقهي أن يُقال إن عودة العلامة تعني بالضرورة انتهاء كل صور الرخصة لجميع الناس؛ لأن تأخر وقت العشاء نفسه قد يبقى سببًا للمشقة عند بعض المسلمين.
وقد قرر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث جواز الجمع بين المغرب والعشاء في أوروبا عندما يتأخر وقت العشاء إلى منتصف الليل أو تنعدم علامته، مستندًا إلى رفع الحرج، مع التنبيه إلى عدم الجمع من غير حاجة.
كما أن الطرح الذي قدمه الدكتور خالد حنفي في هذه المسألة يؤكد ضرورة النظر إلى واقع المسلمين في أوروبا، وإلى المشقة التي قد تترتب على مواقيت الصلاة المتأخرة، مع الاستناد إلى اجتهاد فقهي معتبر يراعي أحوال الناس ويحفظ قدرتهم على ممارسة دينهم.
وعليه فإن القاعدة العملية بعد عودة وقت العشاء يمكن تلخيصها في عبارة واحدة: من عاد إليه وقت العشاء بعلامته الشرعية، وكان قادرًا على الانتظار بلا مشقة معتبرة، فالأصل أن يصلي العشاء في وقتها؛ أما من بقيت في حقه مشقة حقيقية بسبب تأخر وقت العشاء، بحيث لا يستطيع الانتظار إلا بحرج معتبر، فله أن يبحث في رخصة الجمع للحاجة، وفق الضوابط الشرعية، ومن غير أن يجعل الجمع عادة دائمة بلا حاجة.
وهكذا يجتمع في المسألة أصلان شرعيان متكاملان: المحافظة على أوقات الصلاة، ورفع الحرج والمشقة عن المكلفين. وليس بينهما تعارض؛ لأن الشريعة التي جعلت للصلاة أوقاتًا محددة هي نفسها التي راعت أحوال المكلفين، وفتحت باب الرخصة عند وجود الحاجة والمشقة المعتبرة.
مواعيد عودة علامة دخول وقت صلاة العشاء 2026
| المدينة | التاريخ التقريبي لعودة علامة دخول العشاء |
| لندن | 21 يوليو/تموز |
| برمنغهام | 23 يوليو/تموز |
| كارديف | 22 يوليو/تموز |
| مانشستر | 25 يوليو/تموز |
| ليفربول | 25 يوليو/تموز |
| ليدز | 24 يوليو/تموز |
| نيوكاسل | 31 يوليو/تموز |
| إدنبرة | 3 أغسطس/آب |
| غلاسكو | 4 أغسطس/آب |
| لرويك (جزر شتلاند) | 9 أغسطس/آب |
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇