عرب بريطانيا يجتمعون في لندن… أمسية جمعت القانون بالأعمال تحت سقف واحد
لم تكن مجرد أمسية عادية تُضاف إلى قائمة الفعاليات المجتمعية المتكررة، بل كانت لحظة مختلفة النكهة، مختلفة الروح — لحظة شعر فيها كلّ من حضر أنه جاء في الوقت الصحيح، وإلى المكان الصحيح.
في قلب لندن، التقى نخبة من القانونيين والمحامين ورواد الأعمال العرب في بريطانيا، مساء السبت الموافق الخامس والعشرين من أبريل/نيسان 2026، في فعالية نظّمتها منصة “العرب في بريطانيا AUK”، وصفها كثيرون بأنها الأولى من نوعها على مستوى التنظيم والمضمون والطموح.
لم تكن ثمة طاولات رسمية مصطفة، ولا خطابات مطوّلة تثقل الأكتاف، كان المكان مفتوحاً، والأجواء دافئة، والهدف واحداً: أن يعرف أبناء هذا المجتمع بعضهم بعضاً حقاً.
افتتاح يرسم الأُطر

افتتح الأمسية رئيس المنصة عدنان حميدان، مرحبًا بالحضور في “بيتهم المشترك”، وفي كلمته سلط الضوء على الروابط العميقة التي تجمع بين الثقافة العربية والنظام القانوني البريطاني. وأوضح أن مفهوم “العدالة والإنصاف”، الذي يعد ركيزة أساسية في بريطانيا، يتقاطع في جذوره الفلسفية مع نظام “المظالم” في التراث العربي، والذي استهدف تاريخيًا معالجة جمود القوانين بروح الحق والعدل.
وعن طبيعة الشراكة بين الكفاءات العربية، قال حميدان:
“نحن اليوم لا نجتمع فقط كقانونيين ورجال أعمال، بل كعصب اقتصادي وقانوني واحد؛ فالقانوني هو ‘مهندس الأمان’ الذي يرسم خارطة الطريق، ورجل الأعمال هو ‘المحرك’ الذي ينطلق فيها.”
كما شدد في حديثه على أهمية العمل الجماعي، معتبرًا أن النجاح في بريطانيا لا يتوقف عند حدود الذكاء الفردي، بل يرتكز على بناء “شبكة ثقة” توفر الحماية والسند للجميع.
واختتم حميدان كلمته برسم ملامح المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن الهدف يتجاوز التعارف البروتوكولي، حيث قال:
“نحن في منصة العرب في بريطانيا لا نريد فقط تبادل بطاقات العمل، بل نطمح لتحويل المعرفة القانونية ورأس المال إلى مشاريع ملموسة تُعلي من شأن وجودنا هنا، وتصنع شراكات حقيقية تبدأ من هذه اللحظة.”
صوت القانون… ودوره الشريف

تلت كلمة الافتتاح جملةٌ من المداخلات التعريفية، كان أبرزها كلمة القامة القانونية الموقّرة الأستاذ صباح المختار، رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا، الذي تحدّث بثقل السنين وعمق التجربة، مؤكداً أن مهنة القانون رسالة قبل أن تكون حرفة، وأن على القانونيين العرب في بريطانيا أن يتعاملوا مع قضاياهم وعملائهم بمنتهى الحكمة والأمانة؛ لأن ثقة الناس بمن يحمل هذا اللقب أمانة لا تُباع ولا تُفاوَض عليها.
كانت كلماته استراحة وجدانية وسط دوامة المصافحات والبطاقات، ذكّرت الجميع بأن ما يجمعهم أعمق من المصلحة المشتركة.
بيئة مفتوحة… وروابط تُصنع في الهواء

ما ميّز هذه الأمسية أنها أدارت ظهرها للنموذج التقليدي للندوات المُقيَّدة بالوقت والأجندات، فبدلاً من ذلك، فُتحت المساحة لحضور متنوع؛ محامون ومستشارون قانونيون، إلى جانب رجال وسيدات أعمال من مختلف القطاعات، في بيئة استقبال تفاعلية أتاحت الحديث المباشر، وتبادل الخبرات، وبناء علاقات قد تتحول مع الزمن إلى شراكات حقيقية وثمرات ملموسة.
ومن أكثر الفقرات تميزاً، فقرة “Open Mic” التي أتاحت لعدد من المشاركين المسجّلين مسبقاً أن يقفوا على المنصة ويقدّموا أنفسهم ومشاريعهم في دقائق مركّزة، قبل أن ترتدّ إليهم التصفيقات وتُحرّك في الهواء خيوط تعاون جديدة.
أصوات من الميدان

لم تكن الآراء بعيدة عن الحرارة، فالدكتور عبدالله مواس، وهو من الوجوه الأكاديمية والمهنية الحاضرة باهتمام بالغ، أشاد بهذا النموذج من الفعاليات، مؤكداً أن المجتمع العربي في بريطانيا وصل إلى مرحلة نضج تستوجب أن تتحول اللقاءات الاجتماعية إلى بنية تحتية مهنية متينة، وأن هذه الأمسية خطوة في الاتجاه الصحيح نحو ترجمة الحضور العددي إلى ثقل نوعي حقيقي.
أما المحامي بسام طبلية، رئيس شركة BA International، فقد أكد أن الحاجة إلى تقريب المسافة بين عالم القانون وعالم الأعمال داخل الجالية العربية باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى، لا سيما في ظل تعقيد البيئة التشريعية البريطانية وسرعة تحوّلاتها.
وقال إن اللقاء المباشر بين المحامي ورجل الأعمال في بيئة غير رسمية وثّقها وأذاب الجليد، يُحقق ما لا تستطيع تحقيقه عشرات رسائل البريد الإلكتروني.

وعلى طرف آخر من الصالة، وقف مجد الحايك، الشاب المؤسس لمشروعه الريادي “وريد”، بابتسامة لم تفارق وجهه طوال الأمسية.
قال إنه جاء بتوقعات متواضعة وغادر بأكثر مما تمنّى؛ فقد وجد في حضور المحامين والخبراء القانونيين المتخصصين فرصة ذهبية للحصول على إرشادات مباشرة حول البنية القانونية لمشروعه الناشئ، إرشادات كان سيحتاج أسابيع وربما شهوراً للوصول إليها بالطريقة التقليدية. وأضاف بصدق مؤثر: “أنا بحاجة إلى هذا النوع من اللقاءات، ليس كترف، بل كضرورة.”
خرجت الأمسية بأكثر مما وُعد به المدعوون؛ خرجت ببطاقات تعارف، نعم، لكنها خرجت أيضاً بشيء أثمن: بإحساس مشترك أن هذا المجتمع، حين يُنظّم نفسه ويتجاوز العشوائية، قادر على صنع أثر حقيقي في مشهد الأعمال البريطاني.
وإذا كانت هذه الأمسية هي الأولى من نوعها كما وصفها منظّموها، فإن كل مؤشر رصده هذا المراسل — من جودة الحضور، إلى عمق الحوارات، إلى الدفء الذي ملأ الغاليري حتى آخر ساعة — يقول بوضوح: لن تكون الأخيرة.
المزيد من الصور:

اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇