أنور إبراهيم ينعى جون إسبوزيتو.. من هو أبرز دارسي الإسلام في الغرب؟
نعى رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم الأكاديمي الأمريكي جون إسبوزيتو، واصفًا إياه بأنه أحد أبرز الباحثين في الإسلام في العالم، وصديق قديم امتدت علاقته به لأكثر من خمسة عقود.
ويفتح رحيل إسبوزيتو بابًا لاستعادة مسيرة أحد أهم الأصوات الأكاديمية الغربية التي حاولت تقديم الإسلام خارج الصور النمطية، خصوصًا بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، حين أصبحت الكتابة عن الإسلام في الغرب ساحة مشحونة بالخوف والسياسة وسوء الفهم.
أنور إبراهيم: صديق للعالم الإسلامي

قال أنور إبراهيم في بيان نعي إن علاقته بجون إسبوزيتو بدأت في أوائل السبعينيات، واستمرت لأكثر من 50 عامًا.
ووصفه بأنه «صديق عزيز» و«أحد أبرز علماء الإسلام في العالم»، مشيرًا إلى أن إسهامه في تعزيز الفهم المتبادل بين المسلمين والمسيحيين كان كبيرًا.
وأضاف أن إسبوزيتو لم يكن بالنسبة إليه باحثًا مهمًا فقط، بل صديقًا كان يثق بمشورته على مدى سنوات طويلة، ووقف إلى جانبه في المراحل الصعبة.
وقدّم أنور إبراهيم، باسم ماليزيا، تعازيه إلى زوجة إسبوزيتو، جين، وعائلته وزملائه وطلابه، معربًا عن أمله في أن يستمر أثر أعماله الأكاديمية والحوار الذي كرّس حياته لبنائه.
من هو جون إسبوزيتو؟
جون إسبوزيتو أكاديمي أمريكي بارز في دراسات الإسلام والشرق الأوسط والعلاقات بين الأديان، وارتبط اسمه لعقود بجامعة جورجتاون، حيث عمل أستاذًا للدين والشؤون الدولية والدراسات الإسلامية.
ويُعد إسبوزيتو من أكثر الباحثين الغربيين حضورًا في شرح الإسلام السياسي والفكر الإسلامي المعاصر للقارئ الأكاديمي والجمهور العام، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا.
لم يكتب إسبوزيتو عن الإسلام بوصفه موضوعًا دينيًا مغلقًا، بل بوصفه ظاهرة فكرية وسياسية واجتماعية واسعة، تتداخل فيها النصوص الدينية مع الدولة، والحركات الاجتماعية، والهوية، والاستعمار، والحداثة، والسياسة الدولية.
بناء جسور بدل حواجز حضارية
أسس إسبوزيتو في جامعة جورجتاون مركز الوليد للتفاهم الإسلامي المسيحي (Alwaleed Center for Muslim-Christian Understanding)، وهو من أبرز المراكز الأكاديمية المعنية بدراسة الإسلام والعلاقات بين المسلمين والمسيحيين.
كما ارتبط اسمه بمبادرة الجسر (Bridge Initiative)، التي تعمل على دراسة الإسلاموفوبيا وحماية التعددية الدينية والثقافية.
وبحسب نعي أنور إبراهيم، فقد بنى إسبوزيتو «جسورًا» في وقت كان آخرون يفضلون بناء «حواجز حضارية»، في إشارة إلى الجدل الواسع الذي شهده العالم بعد الحرب الباردة، ثم بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، حول علاقة الإسلام بالغرب.
أعمال أثرت في فهم الإسلام
ترك إسبوزيتو قائمة طويلة من الكتب والمراجع التي أصبحت جزءًا أساسيًا من دراسة الإسلام المعاصر في الجامعات الغربية.
ومن أبرز أعماله كتاب «ما يحتاج الجميع إلى معرفته عن الإسلام»، الذي سعى إلى تقديم إجابات مبسطة ودقيقة عن الأسئلة الشائعة حول الإسلام للمجتمع الغربي.
كما شارك مع داليا مجاهد في تأليف كتاب «من يتحدث باسم الإسلام؟»، وهو عمل حاول تقديم صورة أوسع عن آراء المسلمين في العالم اعتمادًا على بيانات واستطلاعات، لا على الانطباعات السياسية والإعلامية وحدها.
وشارك أيضًا مع جون فول في كتاب «صنّاع الإسلام المعاصر»، الذي تناول مسارات متنوعة ومتباينة في الفكر السياسي الإسلامي الحديث.
موسوعات ومراجع أكاديمية
لم يقتصر أثر إسبوزيتو على الكتب الموجهة للجمهور العام. فقد تولى تحرير موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي، وهي من الأعمال المرجعية المهمة في دراسة الإسلام وتاريخه ومجتمعاته.
كما شغل منصب رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية (Middle East Studies Association of North America)، وهي واحدة من أبرز الجمعيات الأكاديمية المعنية بدراسات الشرق الأوسط.
ومن خلال هذه المواقع، ساهم إسبوزيتو في تشكيل لغة أكاديمية أكثر دقة في التعامل مع الإسلام، بعيدًا عن الاختزال الذي يربط الدين تلقائيًا بالعنف أو التطرف.
لماذا كان مهمًا بعد 11 سبتمبر؟
ازدادت أهمية أعمال إسبوزيتو بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، عندما أصبح الإسلام حاضرًا بقوة في الإعلام والسياسة والأمن في الغرب.
في تلك اللحظة، كان الخطاب العام يميل في كثير من الأحيان إلى التعميم، وإلى قراءة المسلمين من زاوية الخطر الأمني وحده. وجاءت كتب إسبوزيتو ومداخلاته لتقدم مقاربة أكثر تركيبًا، تميز بين الإسلام كدين، والمسلمين كمجتمعات متعددة، والحركات السياسية التي تتحدث باسمه.
لم يكن إسبوزيتو خارج الجدل. فقد تعرض أحيانًا لانتقادات من دوائر رأت أنه أكثر تعاطفًا مع الحركات الإسلامية مما ينبغي. لكن حضوره الأكاديمي ظل مهمًا لأنه أجبر النقاش الغربي على مغادرة القوالب الجاهزة، أو على الأقل مساءلتها.
علاقة خاصة بأنور إبراهيم

تكتسب شهادة أنور إبراهيم أهمية خاصة؛ لأنها لا تأتي فقط من رئيس حكومة، بل من شخصية سياسية وفكرية عرفها إسبوزيتو منذ عقود، وكتب عنها ضمن اهتمامه بمسارات الإسلام السياسي والفكر الإسلامي المعاصر.
وتشير كلمات أنور إبراهيم إلى علاقة تجاوزت الإطار الأكاديمي، إذ تحدث عن صداقة طويلة ومشورة شخصية ومساندة في أوقات صعبة.
إرث أكاديمي وحوار مفتوح
يصعب اختصار إرث جون إسبوزيتو في كتاب واحد أو منصب جامعي. فقد كان جزءًا من جيل حاول تفسير الإسلام للغرب بلغة أكاديمية، وفي الوقت نفسه دفع الغرب إلى النظر إلى المسلمين بوصفهم مجتمعات حية ومتنوعة، لا كتلة واحدة صامتة أو تهديدًا واحدًا ثابتًا.
وبين الدراسات الأكاديمية، والموسوعات المرجعية، والحوار الإسلامي المسيحي، ومواجهة الإسلاموفوبيا، ترك إسبوزيتو أثرًا في مساحة شديدة الحساسية: مساحة الفهم بين عالمين كثيرًا ما تحدث أحدهما عن الآخر أكثر مما تحدث معه.
وربما لهذا وصفه أنور إبراهيم في نهاية نعيه بأنه «صديق حقيقي للعالم الإسلامي»، وهي عبارة تلخص جانبًا كبيرًا من مسيرته: باحث لم يكتفِ بدراسة الإسلام من بعيد، بل حاول أن يجعل المعرفة جسرًا لا حاجزًا.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇