باحثة إسرائيلية: الحُمّص.. طبق عربي أصيل
لم يكن الحُمّص يومًا طبقًا غامض الأصل أو مجهول الهُوية حتى يُختلف على جذوره أو يُتنازع على انتمائه الثقافي. فمنذ قرون طويلة، شكّل هذا الطبق ركنًا أساسيًا من المائدة العربية، ولا سيما في فلسطين وبلاد الشام، حيث ارتبط بالحياة اليومية للناس وبالتراث الاجتماعي والغذائي للمنطقة، قبل أن يحاول الاحتلال الإسرائيلي، في العقود اللاحقة، تقديمه للعالم بوصفه جزءًا من “المطبخ الإسرائيلي”.
لكن اللافت أن تفكيك هذه الرواية لم يأتِ هذه المرة من باحثين عرب أو مؤسسات فلسطينية، بل من داخل الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية نفسها.
كيف وصفت الباحثة الإسرائيلية أصل الحُمّص؟
فقد أكدت البروفيسورة الإسرائيلية دافنا هيرش، في كتابها “المسيرة الإسرائيلية للحمص: الاستيلاء الاستعماري، والأصالة، والتميّز”، الصادر عن مطبعة جامعة إنديانا، أن الحمص كان حتى عام 1948 طبقًا عربيًا خالصًا، ولم يكن جزءًا من الثقافة الغذائية لمعظم المستوطنين اليهود الذين قدموا إلى فلسطين من أوروبا.
ونقلت صحيفة “هآرتس” عن هيرش قولها إن “الحمص كان حتى عام 1948 طبقًا عربيًا لم يتناوله معظم المستوطنين اليهود القادمين من أوروبا”، في شهادة أكاديمية تنسف الرواية التي حاولت ربط الطبق بالهوية الإسرائيلية منذ بدايات المشروع الصهيوني.
وتوضح هيرش أن المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا الشرقية والغربية حملوا معهم أنماطًا غذائية مختلفة عن مطبخ المنطقة، وأن الحمص لم يكن ضمن أطعمتهم التقليدية أو مكونات مطابخهم الأصلية، بل تعرّفوا إليه بعد استقرارهم في فلسطين واحتكاكهم بالمجتمع العربي الفلسطيني، الذي كان يتناوله بوصفه طبقًا شعبيًا متجذرًا في الحياة اليومية.
ومع مرور السنوات، بدأت عملية تبنّي الأطعمة العربية المحلية وإعادة تقديمها باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية الإسرائيلية الناشئة، في سياق أوسع من إعادة تشكيل المشهد الثقافي للبلاد بعد النكبة الفلسطينية عام 1948.
أطباق فلسطينية أخرى نُسبت إلى “المطبخ الإسرائيلي”
ولا يقتصر الأمر على الحمص وحده، إذ شملت هذه العملية أطباقًا فلسطينية وعربية أخرى، مثل الفلافل، والمقلوبة، والكنافة، والمسخّن، وهي أطعمة ارتبطت تاريخيًا بالمطبخ الفلسطيني قبل ظهور دولة إسرائيل بعقود طويلة، ثم سُوِّقت لاحقًا في المعارض الدولية والحملات السياحية والإعلانية باعتبارها منتجات من “المطبخ الإسرائيلي”.
ما الأدلة التاريخية على عروبة الحُمّص؟
وتستند عروبة الحمص إلى شواهد تاريخية تتجاوز بكثير عمر الدولة الإسرائيلية نفسها. فقد وردت وصفات تعتمد على الحمص والطحينة ومكونات مشابهة في كتب الطبخ العربية التي تعود إلى العصور الوسطى، كما ارتبط الطبق بالمطابخ الشامية والمصرية والعراقية منذ قرون، وأصبح جزءًا من الهوية الغذائية لسكان المنطقة جيلًا بعد جيل.
وفي فلسطين تحديدًا، احتل الحمص مكانة مركزية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، سواء داخل البيوت أو في الأسواق والمطاعم الشعبية، وتحول إلى أحد أبرز رموز المطبخ الفلسطيني المعروفة في العالم.
لماذا تتجاوز قضية الحُمّص حدود الطعام؟
ومن هنا ينظر الفلسطينيون إلى محاولات نسبة الحمص إلى إسرائيل باعتبارها امتدادًا لمحاولات أوسع تستهدف إعادة صياغة الرواية التاريخية والثقافية للشعب الفلسطيني، ليس على مستوى الأرض والجغرافيا فقط، بل أيضًا على مستوى الذاكرة والتراث والهوية.
فالاستيلاء على التراث الغذائي لا ينفصل، في الوعي الفلسطيني، عن محاولات الاستيلاء على عناصر أخرى من الموروث الوطني، من الأزياء الشعبية والتطريز، إلى الأسماء والأغاني والرموز الثقافية المختلفة.
وتكتسب شهادة دافنا هيرش أهمية خاصة؛ لأنها تصدر عن باحثة إسرائيلية تعمل داخل المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية نفسها، وتقدم إقرارًا واضحًا بأن الحمص لم يكن جزءًا من ثقافة المستوطنين الأوروبيين الذين قدموا إلى فلسطين، بل كان طبقًا عربيًا أصيلًا جرى تبنيه لاحقًا وإعادة تقديمه ضمن سردية قومية جديدة.
وبينما يمكن تزوير الروايات أو إعادة صياغة الخطابات السياسية، تبقى الذاكرة الثقافية للشعوب أكثر قدرة على مقاومة المحو، ويبقى الحمص، بالنسبة للفلسطينيين والعرب، طبقًا عربيًا أصيلًا يحمل نكهة المكان وتاريخه وذاكرته، قبل أن تحاول مشاريع الاستعمار الاستيطاني إعادة تعريفه أو انتزاعه من جذوره الأولى.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇