ويلز: تاريخ عريق وطبيعة ساحرة وهوية سلتية أصيلة
تتميز ويلز بمكانة فريدة داخل بريطانيا، فهي ليست مجرد إقليم تابع، بل بلد قائم بذاته له لغته الوطنية، ومؤسساته، وبرلمانه، وهويته الثقافية المستقلة. ورغم أن صورتها النمطية ترتبط غالبًا بالجبال الخضراء والقلاع التاريخية، إلا أن حاضرها يعكس تحولات سياسية واقتصادية عميقة نجحت خلالها في انتزاع قدر واسع من إدارة شؤونها الخاصة.
واليوم، يُدار جانب كبير من القرارات اليومية التي تمس حياة السكان، كالتعليم والصحة والإسكان والبيئة والنقل، مباشرة من العاصمة كارديف بدلاً من العاصمة البريطانية لندن. وفي حين يبلغ عدد سكان البلاد نحو 3.19 ملايين نسمة وفق تقديرات عام 2024، فإن هذا الحجم السكاني الصغير يضم مجتمعًا متعدد الثقافات يحمل إرثًا صناعيًا وتاريخيًا زاخرًا.
جغرافيا متباينة ومركزية في الجنوب

تقع ويلز في الجزء الغربي من جزيرة بريطانيا العظمى، وتحدها إنجلترا شرقًا، بينما تحيط بها المياه البحرية من بقية الجهات. وتغلب الطبيعة الجبلية على مساحتها البالغة نحو 20,800 كيلومتر مربع، حيث تقع أرفع قمة جبلية فيها “إر وذفا” (سنودون) داخل متنزه إيريري الوطني.
وتتوزع البلاد إداريًا على 22 سلطة محلية وتضم سبع مدن رئيسية. غير أن الثقل السكاني والاقتصادي يتركز في الشريط الجنوبي الشرقي، وتحديدًا في العاصمة كارديف ومدينة نيوبورت وسوانزي. وفي المقابل، تتسم المناطق الوسطى والغربية بطابع ريفي وأقل كثافة سكانية.
وقد أدى هذا التوزيع الإقليمي والتضاريس الجبلية إلى وجود تفاوتات بين أحيائها المتقدمة والبلدات القديمة التي لا تزال تسعى لمعالجة الآثار الاقتصادية لتراجع الصناعات الثقيلة.
اللغة الويلزية: هوية حية وليست مجرد رمز

تُعد اللغة الإنجليزية الأكثر تداولاً في الحياة اليومية، إلا أن اللغة الويلزية تشكل ركنًا أساسيًا في هوية الدولة والعمل المؤسسي. وتشير أحدث البيانات الإحصائية لعام 2021 إلى أن أكثر من 538 ألف شخص يتحدثون الويلزية (نحو 17.8% من السكان)، مع تركيز أعلى للمتحدثين بها في مناطق الشمال والغرب.
ولا تقتصر الويلزية على المدارس والقنوات الإعلامية الرسمية فقط؛ بل تحرص السلطات على إبرازها في أسماء المناطق والدلائل الطرقية، حيث يُفضل اليوم استخدام الأسماء الويلزية الأصلية مثل “إيريري” بدلاً من الاسم الإنجليزي القديم “سنودونيا”، تأكيدًا على استعادة التراث وثقافة البلاد الأصيلة.
من صراعات القرون الوسطى إلى الثورة الصناعية
تعود جذور الهوية الوطنية في ويلز إلى القبائل السلتية القديمة التي قاومت التمدد الأنجلوسكسوني والنورماندي لقرون. وقام الملك الإنجليزي إدوارد الأول في القرن الثالث عشر بتشديد قبضته عبر بناء سلسلة من القلاع الضخمة التي ما زالت قائمة حتى اليوم، لتصبح البلاد معروفة باحتوائها على مئات القلاع والمواقع التاريخية.
وفي القرن السادس عشر، جرى دمج ويلز رسميًا في النظام القانوني الإنجليزي. ومع حلول الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، شهدت البلاد تحولًا جذريًا بفضل استخراج الفحم والصلب من وديان الجنوب، ونمو ميناء كارديف لتزويد الصناعة العالمية بالطاقة. وجذبت تلك الطفرة عمالة واسعة أسست مجتمعات حضرية ونقابية ذات تأثير سياسي واجتماعي امتد لعقود.
كيف تُحكم ويلز؟ تفويض السلطات ونظام الحكم الذاتي

تخضع ويلز لنظام الحكم الذاتي في إطار بريطانيا. ويتولى “السينيد” (البرلمان الويلزي) تشريع القوانين وإدارة الميزانيات المحلية للقطاعات الخدمية، حيث يقود الحكومة “الوزير الأول لويلز”، رون أب يورويرث، زعيم حزب “بلايد كامري”.
وفي الوقت الذي تظل فيه السياسات السيادية كالدفاع والصلاحيات الخارجية والهجرة وإدارة الضمان الاجتماعي بيد الحكومة البريطانية في لندن، تنفرد ويلز بنظام تعليمي وصحي مستقل. وعلى سبيل المثال، تُصرف الوصفات الطبية مجانًا للمرضى المسجلين لدى المراكز الصحية في ويلز، خلافًا لما هو معمول به في إنجلترا.
هل تتجه ويلز نحو الاستقلال؟
برز مطلب الاستقلال بوضوح أكبر في النقاش العام مقارنة بالعقود السابقة، وإن كان لا يمثل إجماعًا بين السكان. ويطالب حزب “بلايد كامري” باستقلال ويلز، بينما تدافع قوى أخرى عن توسيع نطاق الحكم الذاتي أو الابقاء على صيغة الاتحاد الحالية. وتلعب الموازنات الاقتصادية والتمويل العام والعلاقة المباشرة مع لندن دورًا حاسمًا في تحديد هذه المواقف يتجاوز التوجهات السياسية الحزبية.
وقد أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الخلافات بين كارديف ولندن حول توزيع الصلاحيات والتمويل، نقاشات متواصلة بشأن إدارة القرار المحلي، غير أن هذه النقاشات لم تتبلور بعد في مسار دستوري محدد. ويبدو الموقف العام مدفوعًا بهوية وطنية متميزة ونظام حكم ذاتي راسخ، بينما يظل موضوع الاستقلال الكامل خيارًا سياسيًا خاضعًا للتنافس والجدل العام.
اقتصاد يتجاوز حقبة الفحم

عقب تراجع التعدين والصناعات الثقيلة في أواخر القرن العشرين، تحول اقتصاد ويلز بشكل رئيسي نحو قطاع الخدمات. غير أن الصناعات المتقدمة لا تزال تلعب دورًا محوريًا؛ حيث تعتمد البلاد على قطاعات رائدة مثل هندسة الطيران، والتصنيع الدقيق، وتقنيات الطاقة المتجددة، إلى جانب علوم الحياة والأمن السيبراني.
كما تلعب السياحة والزراعة والصناعات الإبداعية، بما في ذلك الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، دورًا بارزًا في رسم الملامح الاقتصادية الحديثة واستقطاب الاستثمارات.
حضور عربي وإسلامي قديم في العاصمة
تتسم ويلز بتنوعها الديني والثقافي؛ إذ يُصنف المسلمون كأكبر أصل ديني بعد المسيحية بنحو 67 ألف نسمة (2.2% من السكان)، يتركز معظمهم في كارديف ونيوبورت وسوانزي.
ويعود الوجود الإسلامي والعربي في العاصمة كارديف إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين استقر البحارة اليمنيون والصوماليون والأفارقة في منطقة “بوتتاون” (تايغر باي سابقًا) لإدارة الملاحة وتجارة الفحم. وأسهمت تلك المجتمعات المبكرة في تأسيس واحد من أقدم المراكز الحضرية متعددة الثقافات في بريطانيا، والتي يمتد إرثها حتى اليوم عبر الجاليات العربية والإسلامية والطلاب والمهنيين الجدد.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇