من الترحيب إلى العداء.. كيف تحولت بريطانيا إلى بيئة طاردة للمهاجرين؟
تشهد بريطانيا منبعاً لمتغيرات عميقة ومقلقة في فضاءاتها الاجتماعية والسياسية، حيث تبدلت صورتها التاريخية كوجهة جاذبة ومستقرة للأقليات العرقية والمهاجرين إلى بيئة متوترة تتصاعد فيها مشاعر العداء والعنصرية العلنية. هذا التحول بات يدفع بعض السكان من ذوي البشرة الملونة، ممن عاشوا عقوداً في البلاد، إلى الشعور بالخوف على هوياتهم وسلامتهم الشخصية.
شرارة الأحداث: جرائم وتوترات ميدانية

تزامنت هذه المتغيرات مع سلسلة من الأحداث الأمنية؛ ففي مدينة ساوثهامبتون، اندلعت احتجاجات عقب صدور حكم بسجن رجل بريطاني من أصول سيخية بتهمة القتل، بعدما تبين زيف ادعاءاته بأن الضحية قد نفذ بحقه اعتداءً بدوافع عنصرية. ونشرت السلطات مقطع فيديو يظهر قيام الشرطة بتقييد الضحية بالأصفاد أثناء تدهور حالته الصحية قبيل وفاته، الأمر الذي أثار ردود فعل شعبية واسعة، ودعت قوى سياسية مختلفة إلى إلغاء الإرشادات الشرطية التي تنص على تنوع أساليب التعامل وفقاً للانتماء العرقي.
ولم تكد تهدأ الأوضاع حتى شهدت مدينة بلفاست في أيرلندا الشمالية اضطرابات واسعة؛ حيث جابت مجموعات من الرجال الملثمين الأحياء بحثاً عن مهاجرين، عقب قيام لاجئ سوداني (مُنح حق الإقامة) بطعن رجل أبيض وفقدانه إحدى عينيه. وأدت أعمال الشغب هناك إلى إحراق منازل ومركبات تابعة للأقليات، مما دفع عائلات بأكملها، مثل عائلة اللاجئة السودانية تواصل محمد، إلى العيش في رعب والامتناع عن إرسال الأطفال للمدارس. وامتدت الشرارة إلى اسكتلندا، حيث وُجهت اتهامات لرجل في إدنبرة على خلفية هجمات تبدو ذات دوافع معادية للمسلمين.
التضليل الرقمي وتأجيج الشارع
تغذي هذه الأحداث موجة مستمرة من التضليل على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي وصفها هارديب سينغ، نائب مدير شبكة المنظمات السيخية، بأنها تحولت إلى “مستنقع من السموم” بعد تلقيه رسائل كراهية تدعو لإبادة ديانته. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان أحداث عام 2024 التي تلت مقتل ثلاث فتيات في مدينة ساوثبورت، حين انتشرت شائعات كاذبة تزعم أن المنفذ طالب لجوء وصل عبر القوارب، قبل أن يتبين لاحقاً أنه مواطن بريطاني وُلد لأبوين من رواندا.
إحصاءات صادمة: تصاعد جرائم الكراهية والتمييز

تترجم الأرقام الرسمية والنقابية هذا الواقع الجديد؛ إذ سجلت جرائم الكراهية العنصرية لدى الشرطة في إنجلترا وويلز ارتفاعاً بنسبة 6% لتصل إلى 82,490 حادثة في السنة المنتهية في مارس 2025.
وفي القطاع الصحي، أفادت الكلية الملكية للتمريض بقفزة بلغت 55% في حوادث التمييز العنصري ضد العاملين منذ عام 2022. وأكد بول ريس، رئيس مجلس التمريض والقبالة، أن ثلث العاملين في هذا القطاع لعام 2025 هم من السود والآسيويين والأقليات، وأنهم يواجهون مستويات إساءة غير مسبوقة منذ عقود، تشمل رفض بعض المرضى تلقي العلاج منهم.
الخطاب السياسي وأزمة الهوية الوطنية
رغم الإدانات المتكررة من رئيس الوزراء كير ستارمر للعنف والعنصرية، يرى خبراء وقادة نقابات أن الخطاب السياسي العام ساهم في إيجاد بيئة متسامحة مع التمييز. فبينما يركز السياسيون على قضايا الجريمة المرتبطة بالمهاجرين -رغم أنها لا تمثل الغالبية العظمى منهم- يتصاعد الخطاب اليميني؛ حيث زعم نايجل فاراج، زعيم حزب “ريفورم يو كي”، أن المؤسسات البريطانية تمارس تحيزاً ضد البيض، وهو ما رفضه ستارمر متهماً إياه باستغلال المآسي لإثارة الانقسام.
ويشير سائق الأجرة المسلم علي حيدر (44 عاماً)، الذي يعيش في بريطانيا منذ طفولته، إلى أن التمييز يعود للواجهة دائماً مع التوترات السياسية، مثل فترة استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي “بريكست” عام 2016، مؤكداً تعرضه لمواقف عدائية مؤخراً من ركاب يعتقدون أن المسلمين لا ينسجمون مع الغرب.
طفرة الأرقام والضغط على الخدمات العامة

تكشف البيانات التحول الجذري في الرأي العام؛ فوفقاً لاستطلاعات “المواقف الاجتماعية البريطانية”، تراجعت نسبة من يعتقدون أن الهجرة تفيد الاقتصاد والثقافة من 50% في عام 2022 إلى 32% في عام 2025، وتتركز المخاوف الأساسية حول طالبي اللجوء عبر القوارب الصغيرة.
وتعود الجذور الاقتصادية للأزمة إلى الطفرة التي عقبت “بريكست”، حيث ارتفع صافي الهجرة لسد النقص في قطاعي الصحة والتعليم، ليسجل رقماً قياسياً بلغ 944 ألف شخص في السنة المنتهية في مارس 2023، مقارنة بمتوسط لم يكن يتجاوز 260 ألفاً في العقود السابقة. ورغم أن الإجراءات الصارمة خفضت صافي الهجرة بحلول عام 2025 إلى 171 ألفاً، فإن أعداد قوارب اللجوء الصغيرة ارتفعت بنسبة 13% لتصل إلى 41 ألف شخص في نفس العام، مما منح المعارضين ذريعة لاتهام الحكومة بفقدان السيطرة على الحدود. وفي هذا السياق، حذرت وزيرة الداخلية شابانا محمود من أن مستويات الهجرة القياسية فرضت ضغوطاً هائلة على الخدمات العامة، منبّهة إلى أن عدم إصلاح النظام قد يعرض المهاجرين المستقرين تاريخياً لردود فعل شعبية عكسية.
ويمثل الصعود السياسي لحزب “ريفورم يو كي” وتصدره استطلاعات الرأي طوال العام الماضي -مطالباً بالترحيل الواسع للمهاجرين غير القانونيين وحرمان الأجانب من السكن الاجتماعي- مؤشراً مقلقاً للأقليات.
المصدر: reuters
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇