جيريمي كوربين: كيف دفع السياسي المخضرم ضريبة الانتصار لفلسطين؟
وُلد جيريمي برنارد كوربين (Jeremy Bernard Corbyn) في 26 مايو 1949 بمدينة تشيبنهام البريطانية، لأسرة ذات توجهات يسارية وناشطة في مجالات السلام وحركات مناهضة التسلح النووي. تلقى تعليمه في مدرسة “آدامز غرامر”، وانخرط منذ مراهقته في العمل السياسي الميداني بانضمامه إلى حزب العمال وحملات نزع السلاح النووي.
عمل في شبابه مدرسًا للجغرافيا في جامايكا بشكل تطوعي، قبل أن ينتقل للعمل منظمًا نقابيًا لعدة نقابات عمالية بارزة مثل نقابة “عمال النقل”، وهو ما صاغ مبكرًا قناعاته الاشتراكية والانحياز للطبقة العاملة.
التطور السياسي والبرلماني

- المجلس المحلي وعضوية البرلمان: بدأ كوربين مسيرته الانتخابية عضوًا في مجلس هارينجي المحلي (1974–1983)، قبل أن يُنتخب عضوًا في البرلمان البريطاني (MP) عن دائرة إيزلينغتون الشمالية (Islington North) عام 1983، محتفظًا بمقعده فيها لعقود طویلة كنائب مستقل وحزبي على حد سواء. عُرف طوال فترة عمله كـ “نائب متمرّد” اعتاد مرارًا التصويت ضد التوجيهات الرسمية لقيادة حزبه كلما تعارضت مع قناعاته اليسارية.
- زعامة حزب العمال (2015-2020): حقق صعودًا سياسيًا استثنائيًا وغير متوقع عندما فُتحت زعامة حزب العمال عام 2015، حيث انتُخب رئيسًا للحزب وقائدًا للمعارضة الرسمية بدعم جماهيري شبابي واسع عُرف بـ “كوربينمانيا” (Corbynmania). قاد الحزب في الانتخابات العامة لعام 2017 محققًا مكاسب غير متوقعة، قبل أن يتراجع الحزب في انتخابات 2019 ليعلن استقالته التي تكللت بخلافة كير ستارمر له في نيسان/أبريل 2020.
- الخروج من حزب العمال وتأسيس “Your Party”: عقب توترات سياسية وتقارير داخلية، استُبعد من كتلة حزب العمال البرلمانية وترشح مستقلًا في انتخابات 2024 الفائز بها. وفي تموز/يوليو 2025، شارك في تأسيس حزب سياسي يساري جديد يُعرف باسم (Your Party)، وانتُخب رسميًا في آذار/مارس 2026 ليصبح قائده البرلماني ورئيس كتلته في ويستمنستر.
أبرز المحاور والسياسات الفكرية لجيريمي كوربين

- السياسة الخارجية المناهضة للحروب: يُعد كوربين أحد أبرز وجوه حركة السلام العالمية؛ فقد ترأس سابقًا ائتلاف “أوقفوا الحرب” (Stop the War Coalition)، وعارض بقوة التدخلات العسكرية الغربية، بدءًا من غزو العراق عام 2003 وصولًا إلى مواقفه الصارمة تجاه الحروب المعاصرة وسياسات حلف الناتو والتصعيد في الشرق الأوسط.
- القضية الفلسطينية وحقوق الإنسان: عُرف بدفاعه التاريخي والثابت عن حقوق الشعب الفلسطيني، من خلال نشاطه طويل الأمد في حملة التضامن مع فلسطين (PSC)، ومطالباته المستمرة بفرض حظر شامل على توريد الأسلحة لإسرائيل، فضلًا عن تحركاته المنتظمة المنددة بالانتهاكات في الأراضي المحتلة وغزة.
- العدالة الاقتصادية والاجتماعية: يتبنى رؤية اشتراكية ديمقراطية تقوم على ضرورة إعادة تأميم المرافق والخدمات الأساسية العامة (مثل السكك الحديدية والطاقة والقطاعات الحيوية)، وزيادة الضرائب على الثروات الكبرى والشركات لتمويل قطاع الصحة العامة (NHS) والتعليم، ومواجهة أزمات تكلفة المعيشة.
مؤسسات ومنظمات مرتبطة
- مشروع السلام والعدالة (Peace & Justice Project): أسسه عام 2020 بهدف توحيد النقابات والحركات الاجتماعية واليسارية حول أجندة سياسية واقتصادية عادلة.
- كتلة التحالف المستقل (Independent Alliance): مجموعة برلمانية تعاون من خلالها مع عدد من النواب المستقلين ذوي التوجهات التقدمية والمناصرة لفلسطين داخل البرلمان البريطاني.
مواقف جيريمي كوربين السياسية ودعمه للقضية الفلسطينية
زعيم حزب العمال البريطاني السابق جيرمي كوربن خلال مظاهرة سابقة في #لندن يؤكد بأن مخططات إسرائيل المستقبلية في #غزة لن تنجح إذا واصلنا نضالنا نصرة لأهلها
#العرب_في_بريطانيا AUK#غزه_الفاضحة pic.twitter.com/iebA1lVeoD
— AUK العرب في بريطانيا (@AlARABINUK) June 25, 2024
يُعد جيريمي كوربين أحد أبرز الشخصيات السياسية الغربية وأكثرها ثباتًا وجرأة في تبني الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. لم تقتصر مواقفه على الجانب الخطابي، بل امتدت لتشمل عقودًا من العمل الميداني والبرلماني؛ فقد ارتبط ارتباطًا وثيقًا بـ “حملة التضامن مع فلسطين” (Palestine Solidarity Campaign)، وكان صوته من أوائل الأصوات البرلمانية التي طالبت بإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، ووقف بيع الأسلحة لإسرائيل، ومحاسبتها على انتهاكات القانون الدولي الإنساني. كما عُرف برفضه القاطع لمحاولات تهميش الرواية الفلسطينية، معتبرًا أن السلام العادل في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال والاعتراف الكامل بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
مواجهات اللوبي الصهيوني والضغوط السياسية

تسببت مواقف كوربين الصلبة والمبدئية في جعله عرضة لحملات ضغط هائلة وممنهجة من قبل جماعات الضغط الموالية للاحتلال الإسرائيلي (اللوبي الصهيوني) وخصومه السياسيين داخل المؤسسة الحزبية والبرلمانية البريطانية وخارجها.
- حملات التشويه الإعلامي والسياسي: واجه كوربين اتهامات متكررة ومكثفة بمعاداة السامية خلال فترة زعامته لحزب العمال (2015-2020)، وهي اتهامات استهدفت تقويض شعبيته وتشويه تاريخه الطويل في مناهضة كافة أشكال العنصرية. وقد أكدت تقارير ومتابعات أن هذه الحملات صُممت بعناية من قبل أطراف مرتبطة باللوبي الإسرائيلي وأجنحة داخل الحزب لثنيه عن مواقفه الجذرية تجاه السياسة الخارجية، ولا سيما دعمه المستمر للفلسطينيين ورفضه للسياسات الإسرائيلية التوسعية.
- التضييق المؤسسي والإقصاء: بلغت تلك الضغوط ذروتها بتجميد عضويته البرلمانية داخل حزب العمال لاحقًا وإبعاده عن تولي أي مناصب قيادية رسمية داخل هياكل الحزب التقليدية، في محاولة لعزل خطه السياسي اليساري والمناهض للحروب. ورغم شراسة تلك المواجهات والضغوط الإعلامية والمؤسسية غير المسبوقة، حافظ كوربين على شعبيته الواسعة بين قواعد الناخبين والشباب، واستمر في تمثيل دائرته الانتخابية والانتصار للقضايا العادلة من مواقع عمله المستقلة والبرلمانية.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇