تقرير: أين تُبنى المنازل الجديدة ولمن؟ خطة حكومية تعيد فتح جدل أزمة السكن
أعادت قواعد تخطيط جديدة أعلنتها الحكومة الاثنين 17 أغسطس/آب فتح واحد من أقدم الخلافات المرتبطة بأزمة السكن في إنجلترا: إذا كانت البلاد تحتاج إلى مئات الآلاف من المنازل الجديدة، فأين ينبغي أن تُبنى؟ وهل يكفي زيادة عدد الوحدات، أم أن السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه المنازل ستكون في متناول من يحتاجون إليها؟
وبموجب الإطار الوطني الجديد لسياسات التخطيط، ستصبح نقطة البداية بالنسبة إلى مشروعات الإسكان الواقعة على مسافة معقولة سيرًا من محطات القطارات والترام والمترو ذات الاتصال الجيد هي «الموافقة افتراضيًا»، مع وضع حد أدنى للكثافة السكنية المتوقعة في تلك المناطق. وتقول الحكومة إن الهدف هو بناء آلاف المنازل بالقرب من الوظائف والمدارس ووسائل النقل، في وقت تجاوزت فيه قليلًا ربع الطريق نحو هدفها المعلن ببناء 1.5 مليون منزل خلال دورة البرلمان الحالية.
لكن القواعد لا تتوقف عند الأراضي الموجودة داخل المدن. فقد أكد الوزراء أن المبدأ يمكن أن يمتد إلى بعض الأراضي الواقعة ضمن الحزام الأخضر (والحزام الأخضر هو تصنيف تخطيطي يفرض قيودًا على البناء في مساحات مفتوحة تحيط بعدد من المدن، بهدف الحد من التوسع العمراني والحفاظ على الفصل بين التجمعات السكنية). وهو ما أعاد فورًا الخلاف بين من يرون أن قيود التخطيط تمنع البناء في أكثر المواقع المناسبة للسكن، ومن يحذرون من أن أزمة الإسكان تتحول إلى مبرر للتوسع على حساب الريف والقرار المحلي.
لماذا المحطات؟

تقدم الحكومة اختيار المناطق المحيطة بمحطات النقل باعتباره حلًا لمشكلتين في الوقت نفسه: نقص المساكن وصعوبة وصول السكان إلى الوظائف والخدمات.
وقالت وزيرة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي أنجيلا راينر إن كثيرًا من الناس أصبحوا غير قادرين على تحمل تكلفة العيش في المجتمعات التي يريدون السكن والعمل فيها، وإن بناء مساكن حول مراكز النقل سيجعل الوصول إلى العمل والمدارس والخدمات أسهل، إلى جانب دعم الأنشطة الاقتصادية المحلية.
كما ترى وزيرة النقل هايدي ألكسندر أن زيادة الكثافة السكنية حول المحطات، مع تحسين المشي والدراجات والنقل العام، يمكن أن توسع وصول السكان إلى الوظائف والخدمات وتدعم استمرار شبكات النقل نفسها.
وتأتي السياسة ضمن تعديل أوسع لنظام التخطيط، يمنح دعمًا أقوى للبناء في المواقع التي تعتبرها الحكومة مستدامة، ويجعل السياسات الوطنية أكثر وزنًا عندما تتعارض معها بعض السياسات المحلية.
الحزام الأخضر في قلب الخلاف

المشكلة تبدأ عندما تقع المحطة المناسبة خارج حدود المناطق العمرانية.
في تصريحات أدلى بها لسكاي نيوز، أكد وزير الإسكان ماثيو بينيكوك أن سياسة «الموافقة افتراضيًا» يمكن أن تشمل مواقع في الحزام الأخضر، قائلًا إن سجلات الأراضي المطورة سابقًا لا توفر وحدها ما يكفي من المواقع القابلة للبناء لتلبية حجم الاحتياج إلى المساكن. وتقول الحكومة إنها ستعطي الأولوية للأراضي الأقل جودة، وإن المشروعات على أراضي الحزام الأخضر يجب أن تلتزم بما تسميه «القواعد الذهبية»، بما يشمل نسبًا أعلى من الإسكان الميسور ومساحات خضراء وبنية تحتية مناسبة.
ويرحب مركز Centre for Cities بهذا الاتجاه. وقال مديره التنفيذي أندرو كارتر إن منح الموافقة الافتراضية للمساكن قرب المحطات يمثل «إصلاحًا حيويًا»، لأنه يفتح المجال لبناء أعداد كبيرة من المنازل المتصلة مباشرة بأسواق العمل في المدن الكبرى، معتبرًا أن القيود المفروضة على الحزام الأخضر أغلقت حتى الآن مواقع مهمة على خطوط تنقل العاملين. وأكد أن الأراضي المطلوبة لا تمثل سوى جزء صغير من إجمالي الحزام الأخضر.
وللمركز أبحاث أقدم تذهب إلى أن حجم الأراضي القابل للاستخدام كبير. ففي أحد تقديراته، يمكن أن يوفر السماح بالبناء حول محطات في الحزام الأخضر أراضي لنحو 2.1 مليون منزل بالقرب من خمس مدن إنجليزية كبرى، باستخدام أقل من 2 في المئة من مساحة الأحزمة الخضراء المعنية.
لكن حملة حماية الريف الإنجليزي CPRE تنطلق من تشخيص مختلف.
فالمنظمة تقول إن الأراضي الحضرية المطورة سابقًا يمكن أن تستوعب ما يصل إلى 1.4 مليون منزل، وترى أنه لا يوجد مبرر لإنشاء مناطق تحصل على ضوء أخضر شبه تلقائي للبناء حول محطات تقع خارج التجمعات العمرانية القائمة.
وتحذر CPRE تحديدًا من التعامل مع وجود محطة قطار باعتباره دليلًا كافيًا على استدامة الموقع، مشيرة إلى أن بعض المحطات الريفية تفتقر إلى الخدمات المحلية، وأن البناء حولها قد يؤدي في الواقع إلى مزيد من الاعتماد على السيارات والتوسع العمراني المتناثر. وهي تؤيد البناء بالقرب من المحطات داخل المناطق الحضرية وعلى الأراضي المطورة سابقًا، لكنها تعارض تحويل ذلك إلى قاعدة أوسع داخل الحزام الأخضر.
ومن يملك القرار؟
أثارت الخطة خلافًا ثانيًا لا يتعلق بالأرض نفسها بقدر ما يتعلق بمن يقرر استخدامها.
ووفقًا لما نقلته صحيفة الغارديان، فإن القواعد الوطنية الجديدة ستجعل السياسات المحلية أقل تأثيرًا عندما تتعارض مع الأولويات الوطنية المتعلقة بالبناء، وهو ما دفع المحافظين وحزب ريفورم إلى اتهام الحكومة بسحب السلطة من المجالس والسكان.
وقال ريتشارد تايس، نائب زعيم حزب ريفورم، إن السياسة تتناقض مع أجندة آندي بيرنهام الخاصة بتوسيع تفويض السلطة، معتبرًا أن الحكومة تعد المجالس بمزيد من الاستقلال من جهة، ثم تمنح وايتهول قدرة أكبر على دفع مشروعات إسكان كبيرة رغم اعتراضات محلية من جهة أخرى.
أما وزير الإسكان في حكومة الظل جيمس كليفرلي فوصف التغييرات بأنها «استيلاء على السلطة»، وقال إن الحكومة تجبر المجتمعات على قبول البناء في أماكن غير مناسبة بدل التركيز على المواقع التي يمكن تطويرها بصورة أفضل.
لكن أي منازل ستُبنى؟

وراء الخلاف بشأن مواقع البناء سؤال آخر: هل زيادة عدد المنازل وحدها كافية؟
تقول الحكومة إن المشروعات المقامة على الحزام الأخضر ستخضع لشروط تتعلق بالإسكان الميسور، كما تؤكد أن برنامجها الأوسع يشمل استثمارًا كبيرًا في الإسكان الاجتماعي والميسور. لكن مؤسسات تعمل في قطاع الإسكان تحذر من أن معالجة أزمة العرض من دون معالجة الأسعار قد تنتج وحدات جديدة لا يستطيع جزء كبير من السكان الذين تحتاجهم المدن شراءها أو استئجارها.
وتقدم أبحاث حديثة لمجموعة G15، التي تضم عددًا من أكبر جمعيات الإسكان في لندن، مثالًا على هذا الجانب من الأزمة.
فبحسب تحليل أجراه مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال CEBR لصالح المجموعة، ساهم سكان الإسكان الاجتماعي في لندن بنحو 27.8 مليار باوند في الناتج الاقتصادي للعاصمة خلال 2024، بينما يعمل 65 في المئة من العاملين منهم في وظائف أساسية، بينها الصحة والرعاية والتعليم والنقل والتجزئة.
ويقول إيان ماكديرموت، رئيس G15 والرئيس التنفيذي لـPeabody، إن نقص الإسكان الاجتماعي لا يمثل مشكلة اجتماعية فقط، وإنما يضر بالاقتصاد لأن ارتفاع تكلفة السكن يجعل توظيف الممرضين والمدرسين ومقدمي الرعاية وعمال النقل وغيرهم أكثر صعوبة.
وتظهر بيانات التقرير حجم الفارق الذي يمكن أن يصنعه نوع السكن؛ إذ يبلغ متوسط إيجار منزل اجتماعي من غرفتين نحو 715 باوندًا شهريًا، بينما يمكن أن تستهلك الإيجارات الخاصة لمنزل مماثل جزءًا هائلًا من دخل العاملين في بعض أحياء العاصمة.
ومن هذه الزاوية، لا يكون السؤال فقط ما إذا كانت الحكومة تستطيع وضع آلاف الشقق قرب محطة قطار، بل من يستطيع أن يعيش في تلك الشقق بعد بنائها.
هل تكفي الأراضي المطروحة أصلًا؟
الخلاف لا يعني أن الأطراف تختلف على وجود أزمة سكن.
فالحكومة نفسها تقول إن البلاد تحتاج إلى بناء 1.5 مليون منزل خلال البرلمان، وإنها تجاوزت الآن بقليل ربع هذا الهدف.
لكن CPRE تقول إن جزءًا كبيرًا من الاحتياج يمكن تلبيته على الأراضي المطورة سابقًا إذا أُعطيت الأولوية لإعادة استخدام المواقع داخل المدن، بينما يرى Centre for Cities أن الاعتماد على هذه الأراضي وحدها لن يوفر مساكن كافية في الأماكن التي ترتفع فيها الأسعار والطلب، وأن الحزام الأخضر حول المدن الكبرى يمنع التوسع تحديدًا على خطوط النقل التي تربط السكان بالوظائف.
وهناك خلاف موازٍ حول الإسكان الميسور. فـCPRE نفسها تطالب بأن ترتبط المنازل الميسورة الجديدة بالدخول المحلية لا بأسعار السوق، وتحذر من أن قواعد «الجدوى المالية» التي يستخدمها المطورون قد تسمح لاحقًا بتقليص نسب الإسكان الميسور أو مساهمات البنية التحتية حتى في المشروعات المقامة على الحزام الأخضر.
وهكذا تجمع خطة الحكومة تحت عنوان واحد ثلاثة نقاشات مختلفة: الحاجة إلى زيادة المعروض، وحماية الأرض والقرار المحلي، وطبيعة المنازل التي ينبغي أن تُبنى.
الحكومة تراهن على أن البناء حول محطات النقل يجمع بين السكن والنمو والوظائف في موقع واحد. ويرى مؤيدو الخطة أن القيود الحالية تحرم المدن من أراضٍ مناسبة للبناء، بينما يحذر المدافعون عن الحزام الأخضر من أن «الموافقة افتراضيًا» قد تتحول إلى توسع على الأراضي الريفية يمكن تجنبه. وفي الوقت نفسه، يقول قطاع الإسكان الاجتماعي إن عدد الوحدات الجديدة لن يحسم الأزمة إذا ظلت المنازل بعيدة عن قدرة العاملين على تحمل تكلفتها.
وبذلك يعود النقاش إلى السؤال الذي بدأت منه الخطة نفسها: إذا كانت البلاد متفقة تقريبًا على أنها تحتاج إلى مزيد من المنازل، فأين ينبغي أن تكون هذه المنازل، ومن يقرر موقعها، ولمن تُبنى في النهاية؟
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇