العرب في بريطانيا | وأخيرًا.. عرفات

وأخيرًا.. عرفات

وأخيرًا.. عرفات
محمد خير موسى مايو 26, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

وأخيرًا عرفات؛ اليوم الذي تصعد فيه الأرض إلى السماء، وتخلع فيه القلوب أثوابها القديمة كما يخلع ‏الحجيج مخيطهم، وتقف الإنسانية في ذلك المشهد الأبيض العجيب كأنّها عادت إلى أوّل الفطرة، وجاءت ‏من أطراف الدنيا تحمل تعب السنين ووجع الطريق وحيرة السؤال ورجاء العفو ثم بسطت يديها بين يدي ‏الله تعالى فأصبح البياض لغةً والدعاء وطنًا والدمع شاهدًا والوقوف عودةً إلى المعنى الأول الذي خُلق ‏الإنسان لأجله عبدًا يعرف ربَّه ويعرف فقره ويعرف طريقه، ويعرف أنّ كلّ دروب الأرض حين تتشعّب تنتهي ‏عند بابٍ واحدٍ هو باب الله تعالى.

في عرفات ترى الروح أعجب مشاهدها؛ أجسادٌ متعبةٌ من سفر طويل، ووجوهٌ لفَحتها الشمس، وأكفٌّ ‏ارتفعت حتى كأنّها تريد أن تمسك بطرف الرحمة، وشفاهٌ تلهج بنداءٍ واحدٍ يذيب الفوارق كلّها، وقلوبٌ ‏خرجت من أسواق الدنيا إلى ساحة الاعتراف؛ فيفيض عليها من لطف الله معنى تضيق عنه كلّ عبارة، وقد ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا اليوم العظيم: “ما مِن يومٍ أكثرَ مِن أنْ يُعْتِقَ اللهُ فيه عبدًا مِنَ ‏النَّارِ، مِن يومِ عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثم يُبَاهِي بهمُ الملائكةَ، فيقولُ: ما أراد هؤلاءِ؟”، فأيّ مشهدٍ هذا الذي ‏يذكر فيه الربُّ عبادَه عند ملائكته، وأيّ كرامةٍ أعظم من أن يقف الإنسان على أرضٍ من ترابٍ وقلبه ‏مرفوعٌ في سماء العفو ثم يكون موضع مباهاةٍ في الملأ الأعلى.‏

عرفات من المعرفة أو كأنّ في اسمه بابًا واسعًا إلى المعرفة؛ معرفة الله حين يذوب العبد تحت شمس الوقوف ‏فيرى أنّ الرحمة أوسع من خطاياه، ومعرفة النّفس حين يفتّش الإنسان في داخله فيرى فقره عاريًا من ‏الزينة، ومعرفة الطّريق حين تنكشف الغاية في لحظة صفاء فيعرف القلب أنّ العمر كلّه رحلة إلى الله ‏تعالى، ومعرفة الواقع حين ينظر المؤمن إلى تقلّب الأيام فيقرأها بميزان السنن فيرى وراء الفتن حكمةً ووراء ‏الشدائد تربيةً ووراء الانكسارات أبوابًا إلى اليقين، ومعرفة الأمة حين يحمل الداعي في صدره وجع ‏المكلومين والمظلومين والمجاهدين والمرابطين؛ فيصير دعاؤه أوسع من حاجته الخاصة وأرحم من همّه الفردي ‏وأقرب إلى مقام العبودية الجامعة التي تتسع للناس كلّهم.‏

وهنا يسأل الشاب خارج عرفات: وأين موضعي من هذا الفيض وجسدي بعيدٌ عن تلك البقعة وقدماي ‏تمشيان في مدينةٍ أخرى ويومي يمضي بين بيتٍ وعملٍ وطريق؟

والجواب أنّ الله تعالى جعل للقلب عرفاتٍ حيث صدق، وجعل للصائم بابًا إلى الرحمة حيث أقام، وجعل ‏للذاكر نصيبًا من القرب حيثما جلس، وجعل للداعي مقامًا عنده كلّما ارتفع من صدره الدعاء بحرقةٍ ‏وصدق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيام هذا اليوم: “صيامُ يومِ عَرَفَةَ، إنِّي أحتَسِبُ على ‏اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قبلَه، والسَّنَةَ التي بعدَه”، فمن فاته الوقوف بجسده فليصنع لقلبه وقوفًا، ومن غاب ‏عن صعيد عرفات فليحضر في صعيد التوبة، ومن حالت بينه وبين المشهد المسافات؛ فليقطع إلى الله مسافة ‏الغفلة بصومٍ يطهّر روحه وذكرٍ يلين قلبه ودعاءٍ يرفع إلى مجيب السائلين وعملٍ صالحٍ يجعل يومه شاهدًا ‏عليه عند ربّه.‏

وللشباب في يوم عرفة بابٌ دقيقٌ من أبواب المباهاة المعنوية، وذلك حين يجتمعون على ذكرٍ يصفّي أرواحهم، ‏وعلى دعاءٍ يحمل جراح أمتهم، وعلى علمٍ يقرأ الواقع قراءة المؤمن الواثق بربه، وعلى توبةٍ صادقةٍ تجعل ‏القلب أصفى من الأمس، وعلى خدمةٍ صامتةٍ للناس تقرّبهم من معنى العبودية، فيصبح الشاب خارج ‏عرفات حاجًّا بقلبه إلى الله تعالى؛ واقفًا في داخله على أرض الاعتراف ورافعًا كفّيه في محراب الحاجة ‏وقائلًا بلسان روحه: يا ربّ هذا قلبي جاءك من بعيد وجاءك من تعب وجاءك من انكسار وجاءك من ‏زمنٍ كثير الصّخب قليل السكينة؛ فاجعل لي من هذا اليوم نصيبًا من عفوك ومن رحمتك ومن نور المعرفة ‏بك.‏

في يوم عرفة يتعلّم الشاب أنّ المعرفة مراتب؛ أوّلها أن يعرف ربَّه بأسمائه الحسنى؛ فيرى اللطيف في مواطن ‏الخفاء، والحكيم في مواضع الحيرة، والرحيم في انكسار القلوب، والقوي في لحظات الضعف، ثم يعرف نفسه ‏عبدًا صغيرًا يطلب وجهةً كبيرة، ثم يعرف الدنيا دار عبورٍ تربيه بالأحداث، ثم يعرف الناس بعين الرحمة ‏فيحمل لهم الخير، ثم يعرف أمته فيصير همّها جزءًا من عبادته، ثم يعرف طريقه إلى الله فيجمع بين سجدةٍ ‏خاشعةٍ وفكرةٍ بصيرةٍ وخطوةٍ نافعةٍ وكلمةٍ طيبة.‏

عرفات يوم المعرفة التي تخرج القلب من ضيق ذاته إلى سعة الله الواسع، ومن حيرة الحدث إلى طمأنينة ‏السنن ومن ثقل الذنب إلى رجاء العفو ومن وحشة الطريق إلى أنس الدعاء؛ فخذ فيه قلبك كما يأخذ ‏الحاج زاده، واغسله بالصيام وطيّبه بالذكر وجمّله بالدعاء، وعلّمه أن يبصر الواقع بعينٍ مؤمنةٍ ترى الله تعالى ‏في تدبيره قبل أن ترى الناس في اضطرابهم، وترى الحكمة في مجاري الأيام قبل أن تتيه في صخب الأخبار، ‏وترى أنّ اليقين حين يسكن القلب يجعل الشاب أثبت من العاصفة وأرقّ من النسيم وأقدر على حمل ‏المعنى في زمنٍ خفيف المعاني.‏

وأخيرًا عرفات؛ يومٌ يقف فيه أهل الموقف على الصعيد ويقف فيه أهل الصدق في أعماقهم ويخرج فيه ‏العبد من نفسه إلى ربّه ومن ضيق حاجته إلى رحابة أمته ومن خوفه المتناثر إلى يقينٍ واحدٍ جامع؛ فاللهم ‏اجعل لنا في هذا اليوم قلبًا يقف بعرفات وإن أقام الجسد بعيدًا عنه، ولسانًا يلبّي وإن سكنت الطرقات ‏حوله، وروحًا تعرفك معرفةً تزيدها حبًّا ويقينًا وثباتًا وصدقًا في السير إليك، وأطلق ألسنتنا بالضراعة إليك، ‏وألهمنا من الدّعاء ما تحبّ وما يصلح به شأن أمّتنا وشأن معاشنا ومعادنا.


 

 

اترك تعليقا