وأخيرًا.. عرفات
وأخيرًا عرفات؛ اليوم الذي تصعد فيه الأرض إلى السماء، وتخلع فيه القلوب أثوابها القديمة كما يخلع الحجيج مخيطهم، وتقف الإنسانية في ذلك المشهد الأبيض العجيب كأنّها عادت إلى أوّل الفطرة، وجاءت من أطراف الدنيا تحمل تعب السنين ووجع الطريق وحيرة السؤال ورجاء العفو ثم بسطت يديها بين يدي الله تعالى فأصبح البياض لغةً والدعاء وطنًا والدمع شاهدًا والوقوف عودةً إلى المعنى الأول الذي خُلق الإنسان لأجله عبدًا يعرف ربَّه ويعرف فقره ويعرف طريقه، ويعرف أنّ كلّ دروب الأرض حين تتشعّب تنتهي عند بابٍ واحدٍ هو باب الله تعالى.
في عرفات ترى الروح أعجب مشاهدها؛ أجسادٌ متعبةٌ من سفر طويل، ووجوهٌ لفَحتها الشمس، وأكفٌّ ارتفعت حتى كأنّها تريد أن تمسك بطرف الرحمة، وشفاهٌ تلهج بنداءٍ واحدٍ يذيب الفوارق كلّها، وقلوبٌ خرجت من أسواق الدنيا إلى ساحة الاعتراف؛ فيفيض عليها من لطف الله معنى تضيق عنه كلّ عبارة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا اليوم العظيم: “ما مِن يومٍ أكثرَ مِن أنْ يُعْتِقَ اللهُ فيه عبدًا مِنَ النَّارِ، مِن يومِ عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثم يُبَاهِي بهمُ الملائكةَ، فيقولُ: ما أراد هؤلاءِ؟”، فأيّ مشهدٍ هذا الذي يذكر فيه الربُّ عبادَه عند ملائكته، وأيّ كرامةٍ أعظم من أن يقف الإنسان على أرضٍ من ترابٍ وقلبه مرفوعٌ في سماء العفو ثم يكون موضع مباهاةٍ في الملأ الأعلى.
عرفات من المعرفة أو كأنّ في اسمه بابًا واسعًا إلى المعرفة؛ معرفة الله حين يذوب العبد تحت شمس الوقوف فيرى أنّ الرحمة أوسع من خطاياه، ومعرفة النّفس حين يفتّش الإنسان في داخله فيرى فقره عاريًا من الزينة، ومعرفة الطّريق حين تنكشف الغاية في لحظة صفاء فيعرف القلب أنّ العمر كلّه رحلة إلى الله تعالى، ومعرفة الواقع حين ينظر المؤمن إلى تقلّب الأيام فيقرأها بميزان السنن فيرى وراء الفتن حكمةً ووراء الشدائد تربيةً ووراء الانكسارات أبوابًا إلى اليقين، ومعرفة الأمة حين يحمل الداعي في صدره وجع المكلومين والمظلومين والمجاهدين والمرابطين؛ فيصير دعاؤه أوسع من حاجته الخاصة وأرحم من همّه الفردي وأقرب إلى مقام العبودية الجامعة التي تتسع للناس كلّهم.
وهنا يسأل الشاب خارج عرفات: وأين موضعي من هذا الفيض وجسدي بعيدٌ عن تلك البقعة وقدماي تمشيان في مدينةٍ أخرى ويومي يمضي بين بيتٍ وعملٍ وطريق؟
والجواب أنّ الله تعالى جعل للقلب عرفاتٍ حيث صدق، وجعل للصائم بابًا إلى الرحمة حيث أقام، وجعل للذاكر نصيبًا من القرب حيثما جلس، وجعل للداعي مقامًا عنده كلّما ارتفع من صدره الدعاء بحرقةٍ وصدق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيام هذا اليوم: “صيامُ يومِ عَرَفَةَ، إنِّي أحتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قبلَه، والسَّنَةَ التي بعدَه”، فمن فاته الوقوف بجسده فليصنع لقلبه وقوفًا، ومن غاب عن صعيد عرفات فليحضر في صعيد التوبة، ومن حالت بينه وبين المشهد المسافات؛ فليقطع إلى الله مسافة الغفلة بصومٍ يطهّر روحه وذكرٍ يلين قلبه ودعاءٍ يرفع إلى مجيب السائلين وعملٍ صالحٍ يجعل يومه شاهدًا عليه عند ربّه.
وللشباب في يوم عرفة بابٌ دقيقٌ من أبواب المباهاة المعنوية، وذلك حين يجتمعون على ذكرٍ يصفّي أرواحهم، وعلى دعاءٍ يحمل جراح أمتهم، وعلى علمٍ يقرأ الواقع قراءة المؤمن الواثق بربه، وعلى توبةٍ صادقةٍ تجعل القلب أصفى من الأمس، وعلى خدمةٍ صامتةٍ للناس تقرّبهم من معنى العبودية، فيصبح الشاب خارج عرفات حاجًّا بقلبه إلى الله تعالى؛ واقفًا في داخله على أرض الاعتراف ورافعًا كفّيه في محراب الحاجة وقائلًا بلسان روحه: يا ربّ هذا قلبي جاءك من بعيد وجاءك من تعب وجاءك من انكسار وجاءك من زمنٍ كثير الصّخب قليل السكينة؛ فاجعل لي من هذا اليوم نصيبًا من عفوك ومن رحمتك ومن نور المعرفة بك.
في يوم عرفة يتعلّم الشاب أنّ المعرفة مراتب؛ أوّلها أن يعرف ربَّه بأسمائه الحسنى؛ فيرى اللطيف في مواطن الخفاء، والحكيم في مواضع الحيرة، والرحيم في انكسار القلوب، والقوي في لحظات الضعف، ثم يعرف نفسه عبدًا صغيرًا يطلب وجهةً كبيرة، ثم يعرف الدنيا دار عبورٍ تربيه بالأحداث، ثم يعرف الناس بعين الرحمة فيحمل لهم الخير، ثم يعرف أمته فيصير همّها جزءًا من عبادته، ثم يعرف طريقه إلى الله فيجمع بين سجدةٍ خاشعةٍ وفكرةٍ بصيرةٍ وخطوةٍ نافعةٍ وكلمةٍ طيبة.
عرفات يوم المعرفة التي تخرج القلب من ضيق ذاته إلى سعة الله الواسع، ومن حيرة الحدث إلى طمأنينة السنن ومن ثقل الذنب إلى رجاء العفو ومن وحشة الطريق إلى أنس الدعاء؛ فخذ فيه قلبك كما يأخذ الحاج زاده، واغسله بالصيام وطيّبه بالذكر وجمّله بالدعاء، وعلّمه أن يبصر الواقع بعينٍ مؤمنةٍ ترى الله تعالى في تدبيره قبل أن ترى الناس في اضطرابهم، وترى الحكمة في مجاري الأيام قبل أن تتيه في صخب الأخبار، وترى أنّ اليقين حين يسكن القلب يجعل الشاب أثبت من العاصفة وأرقّ من النسيم وأقدر على حمل المعنى في زمنٍ خفيف المعاني.
وأخيرًا عرفات؛ يومٌ يقف فيه أهل الموقف على الصعيد ويقف فيه أهل الصدق في أعماقهم ويخرج فيه العبد من نفسه إلى ربّه ومن ضيق حاجته إلى رحابة أمته ومن خوفه المتناثر إلى يقينٍ واحدٍ جامع؛ فاللهم اجعل لنا في هذا اليوم قلبًا يقف بعرفات وإن أقام الجسد بعيدًا عنه، ولسانًا يلبّي وإن سكنت الطرقات حوله، وروحًا تعرفك معرفةً تزيدها حبًّا ويقينًا وثباتًا وصدقًا في السير إليك، وأطلق ألسنتنا بالضراعة إليك، وألهمنا من الدّعاء ما تحبّ وما يصلح به شأن أمّتنا وشأن معاشنا ومعادنا.
الرابط المختصر هنا ⬇