هندسة المحو.. إيال وايزمان يفكك استراتيجية “الإبادة” في قطاع غزة
يقول الباحث والأكاديمي البريطاني إيال وايزمان، مدير Forensic Architecture، إن فهم ما يجري في غزة يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من القصف المباشر، نحو البنية التي تُبقي المجتمع حيًا.
الإبادة لا تقتل الأجساد فقط

يوضح وايزمان أن اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية حددت خمسة أفعال تُشكّل الإبادة، من بينها ما يتعلق بالقتل المباشر، وأخرى تستهدف الاستمرارية البيولوجية. لكن البند الأهم، برأيه، هو ذلك الذي يتحدث عن «فرض ظروف معيشية تؤدي إلى التدمير».
ويشير إلى أن هذا المفهوم يتناول أشكالًا غير مباشرة من القتل، حيث لا يتم استهداف الإنسان ذاته، بل البيئة التي يعتمد عليها للبقاء: المباني، المستشفيات، شبكات المياه والكهرباء، والزراعة. ويؤكد أن تدمير هذه البيئة يقود إلى فناء بطيء وأكثر قسوة.
العمارة.. من صناعة الحياة إلى إنتاج الموت
يربط وايزمان هذا المفهوم بجذور العمارة الحديثة، التي نشأت بهدف تحسين شروط الحياة، كما صاغها رافائيل ليمكن في كتابه عام 1944. فقد كانت المدن تُخطط وفق معايير الصحة العامة، والمنازل تُصمم لتوفير الاحتياجات الأساسية للحياة.
لكن هذا الدور، بحسب وايزمان، انقلب في سياقات العنف، حيث تحولت العمارة إلى أداة لإنتاج الموت عبر تدمير شروط العيش بدل تحسينها.
الإبادة البطيئة.. من الاستعمار إلى الحاضر
يشير وايزمان إلى أن فكرة الإبادة عبر «ظروف الحياة» ليست جديدة، بل تعود إلى الممارسات الاستعمارية، حيث جرى تدمير المجتمعات الأصلية عبر اقتلاعها من أراضيها وفصلها عن مصادر رزقها.
ويؤكد أن هذا النموذج يتكرر اليوم، حيث لا يكون القتل دائمًا مباشرًا، بل يحدث عبر تفكيك البيئة التي تضمن بقاء المجتمع.
غزة.. تدمير شامل لأسس الحياة

وذكر وايزمان أنه بعد أكثر من عامين على 7 أكتوبر 2023، تعرضت غزة لعملية تدمير غير مسبوقة شملت المدن، والمخيمات، والمؤسسات التعليمية، والبنية الصحية، والزراعة، وحتى التربة نفسها.
ويلفت إلى الدور الذي لعبته جرافات D9 التابعة لشركة Caterpillar، والتي ساهمت في تجريف الأراضي وتدمير المنازل والبنية التحتية بشكل منهجي.
ويضيف أن هذا التدمير لم يقتصر على المباني، بل طال البيئة نفسها، حيث أدت الأنقاض والذخائر إلى تلويث التربة بمواد سامة ومعادن ثقيلة ستبقى آثارها لعقود.
مناطق “آمنة” بلا حياة
يوضح وايزمان أن السكان دُفعوا إلى مناطق سُميت «إنسانية» أو «آمنة»، لكنها في الواقع تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، مثل منطقة المواصي، التي تعاني من الاكتظاظ وغياب الخدمات والتعرض المستمر للقصف.
ويرى أن هذه المناطق ليست سوى وسيلة لإعادة توزيع السكان في ظروف قاسية تُفاقم معاناتهم.
تدمير الثقافة والمجتمع
يؤكد وايزمان أن «ظروف الحياة» لا تقتصر على الجانب المادي، بل تشمل أيضًا البنية الثقافية والاجتماعية، مثل المدارس ودور العبادة.
ويشير إلى أن استهداف هذه المؤسسات يؤدي إلى تفكيك قدرة المجتمع على التنظيم والتكافل، ما يضاعف آثار الأزمات مثل المجاعة.
التهجير كهدف استراتيجي
يقول وايزمان إن تدمير غزة ترافق مع محاولات لدفع السكان إلى النزوح، سواء نحو الجنوب أو خارج القطاع. ويستند إلى وثائق مسربة تشير إلى خطط لتهجير الفلسطينيين، معتبرًا أن تدمير شروط الحياة يُستخدم كوسيلة لتحقيق هذا الهدف.
“المناطق العازلة”.. أداة للسيطرة

يشير وايزمان إلى أن ما يُعرف بـ«المنطقة العازلة» تحوّل إلى مساحة يُمنع الفلسطينيون من دخولها، مع استخدام القوة المميتة ضد أي اقتراب.
ويؤكد أن هذه المناطق لم تعد وسيلة للفصل العسكري فقط، بل أصبحت أداة للتهجير وإعادة تشكيل الجغرافيا.
إعادة تشكيل غزة بالقوة
وقال وايزمان أن غزة لم تعد مجرد منطقة مدمرة، بل أصبحت «مشروع إعادة تشكيل»، حيث تُستخدم الأنقاض لبناء سواتر وقواعد عسكرية، مع تدمير السجلات والخرائط التي توثق وجود السكان.
ويشير إلى أن هذا أدى إلى فقدان الناس ارتباطهم بالمكان، ما يشكل نوعًا من الصدمة النفسية العميقة.
واقع إنساني متدهور
يصف وايزمان الأوضاع في المناطق المتبقية بأنها شديدة القسوة، حيث يعاني السكان من نقص الغذاء والماء، وانتشار الأمراض، وانهيار النظام الصحي.
ويؤكد أن التحكم في دخول المساعدات يسمح بالتحكم في مستوى الحياة ذاته، ما يجعل البقاء مشروطًا بقرارات خارجية.
إعادة الإعمار.. أداة أخرى للسيطرة
يرى وايزمان أن الخطط المطروحة لإعادة إعمار غزة، سواء من أطراف دولية أو إقليمية، قد تُستخدم كوسيلة لإعادة تشكيل المجتمع بما يخدم مصالح سياسية.
ويشير إلى أن بعض هذه الخطط تتضمن إعادة توطين السكان في بيئات خاضعة للرقابة، أو دفعهم للهجرة.
بين الإبادة وإعادة التصميم
يختتم وايزمان تحليله بالتأكيد على أن ما يحدث يعكس ما وصفه رافائيل ليمكن بأن الإبادة تمر بمرحلتين: تدمير نمط الحياة، ثم فرض نمط جديد.
ويحذر من أن العمارة، التي كانت يومًا أداة لبناء الحياة، يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيلها أو حتى محوها.
المصدر: lrb
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇