العرب في بريطانيا | نختلف في الأوطان... ونجتمع في الفرح (من المغرب،...

نختلف في الأوطان… ونجتمع في الفرح (من المغرب، هنا العروبة كلّها)

نختلف في الأوطان... ونجتمع في الفرح (من المغرب، هنا العروبة كلّها) بقلم: أميرة عليّان تبلو
أميرة عليان تبلو يوليو 5, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في الرّياضة، كما في الحياة، لا تُقاس الانتصارات بعدد الكؤوس وحدها، تُقاس بما تتركه من أثر في القلوب. وحين يخوض منتخب عربي مباراةً على منصّةٍ دولية، لا يكون ممثلاً لوطنه فحسب، وإنّما يحمل معه شيئاً من ذاكرة أمةٍ كاملة، ولغةٍ واحدة، وتاريخٍ طويل، وأحلاماً تتوزع بين المحيط والخليج.

ورغم اختلاف الأعلام، وتنوع اللهجات، وتباين العادات والتقاليد، يبقى هناك خيطٌ خفيّ لا تراه العين، لكنه يسكن القلوب جميعاً. خيطٌ اسمه الانتماء، يجعل فرحة العربي في أقصى الشرق تصل إلى قلب أخيه في أقصى الغرب، وكأن المسافات لم تكن يوماً سوى خطوط على الخرائط.

ولذلك، حين يحقق منتخب عربي انتصاراً، لا يسأل كثيرون من أي بلد جاء اللاعب، ولا لأي مدينة ينتمي، ولكن يكتفون بالقول: “إنه عربي.” وهذه الكلمة، في تلك اللحظة، تختصر شعوراً يصعب وصفه؛ شعوراً بأن النجاح لم يعد فردياً، فقد كان مشتركاً، وأن الفرح وجد طريقه إلى ملايين البيوت في وقتٍ واحد.
فعند فوز المغرب، على الشّاشات يصفّق الجمهور المصريّ، ويبتسم السّوريّون والفلسطينيّون، وتكاد لا تسع الفرحة قلوب الأردنيّين.

وليس في هذا الشعور ما ينتقص من الآخرين أو يقلل من قيمة منافسيهم. فالرياضة خُلقت لتقرب الشعوب، ولتكون لغةً عالمية يفهمها الجميع، مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم. واحترام المنافس جزءٌ من أخلاق الرياضة، والاعتراف بجهده لا يتعارض أبداً مع الفخر بمن يمثل هويتنا وثقافتنا.

إن تشجيع المنتخبات العربية ليس تعصباً، هو امتدادٌ طبيعي لذلك الإحساس الإنساني الذي يدفع الإنسان إلى مؤازرة من يشاركه اللغة، والذاكرة، والثقافة، كما تفعل شعوب العالم كلها. فكما يلتف أبناء القارة الواحدة حول ممثليهم في المحافل الكبرى، يلتف العرب حول بعضهم، لأن بينهم ما هو أعمق من حدود السياسة، وما هو أبقى من نتائج المباريات.

كم من مرةٍ رسم لاعبٌ عربي ابتسامةً على وجوه أطفال لا يعرف أسماءهم، وكم من هدفٍ وحّد ملايين القلوب في لحظة واحدة، حتى بدا وكأن الأمة كلها تهتف بصوتٍ واحد. تلك اللحظات تذكرنا بأن ما يجمعنا لا يزال أكبر مما يفرقنا، وأن الفرح المشترك قادرٌ على ترميم شيءٍ من المسافات التي صنعتها السنوات.

ولعل أجمل ما في الرياضة أنها تمنحنا فرصةً نادرة لنرى أنفسنا بصورةٍ أجمل؛ بعيداً عن الخلافات، وبعيداً عن الانقسامات، حيث تصبح الراية رمزاً للأمل، ويصبح الفوز رسالةً تقول إن العربي قادرٌ على المنافسة والإبداع والوقوف بين الكبار متى امتلك العزيمة والإرادة.

إننا لا نبحث عن انتصارٍ لنثبت أننا أفضل من غيرنا، فالقيمة الحقيقية لأي بطولة لا تكتمل إلا باحترام جميع المنافسين، والإشادة بكل أداءٍ جميل، مهما كان صاحبه. لكننا نفرح حين يكون البطل عربياً، لأن ذلك يمنح أبناء هذه الأمة جرعةً جديدة من الثقة، ويؤكد أن النجاح ليس حكراً على أحد، وأن الإرادة الصادقة تستطيع أن تصنع المجد في أي مكان.

وربما لهذا السبب تبدو دموع الفرح العربية مختلفة؛ لأنها لا تنزل من عين لاعبٍ واحد، تنزل من عيون الملايين الذين رأوا في ذلك الإنجاز صورةً من أحلامهم. فكل انتصار عربي يهمس في آذان الشباب بأن الطريق إلى القمة مفتوح، وأن الأمل لا يزال حياً مهما كثرت التحديات.

ما أجمل أن نختلف في ميولنا الرياضية، وأن نتنافس بشغف، ثم نجتمع عندما يتعلق الأمر باسمٍ عربي يكتب فصلاً جديداً من النجاح. وما أجمل أن تبقى مدرجاتنا مليئة بالحماس، لكن خاليةً من الكراهية، وأن تتحول المنافسة إلى مساحةٍ للاحترام والتقدير، لا إلى سببٍ للخصام.

في النهاية، قد تختلف أسماء الأبطال، وتتغير الكؤوس، وتتبدل البطولات، لكن الروح العربية تبقى هي الثابت الذي لا يتغير. روحٌ تؤمن بأن نجاح الأخ لا ينتقص من نجاح أخيه، ولكن يضيف إليه، وأن الفرح حين يتقاسمه الأشقاء يصبح أكبر، وأصدق، وأبقى.

لذلك، لا يهم أي منتخب عربي يرفع الكأس، ولا أي نشيدٍ عربي يُعزف على منصة التتويج. فما دام المجد قد كُتب بحروفٍ عربية، فإن قلوبنا جميعاً ستصفق، وستفرح، وستشعر أن هذا الانتصار لم يكن لبلدٍ واحد، كان لأمةٍ كاملة ما زالت تؤمن بأن وحدتها تبدأ من المحبة، وتكبر بالاحترام، وتبقى حيةً كلما انتصر أحد أبنائها.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا