من يدفع رواتب نجوم المنتخب الإنجليزي؟ الحقيقة التي يجهلها كثيرون عن فاتورة “الأسود الثلاثة”
كلما اقتربت بطولة كبرى مثل كأس العالم، يتكرّر سؤال بين كثير من المقيمين في بريطانيا: هل تُموَّل رواتب لاعبي المنتخب الإنجليزي ومدربيه من أموال دافعي الضرائب؟
وقد يبدو السؤال منطقياً، خصوصاً عندما يسمع الناس عن عقود بملايين الباوندات ورواتب ضخمة للمدربين، في وقت تواجه فيه بريطانيا ضغوطاً اقتصادية وارتفاعاً في تكاليف المعيشة. لكن المفاجأة أن الصورة تختلف تماماً عما يعتقده كثيرون.
فالمنتخب الإنجليزي لا يعتمد في تمويله على الخزانة العامة، بل يعمل ضمن نموذج اقتصادي مستقل يديره الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم (The Football Association)، الذي يعد واحداً من أقوى الاتحادات الرياضية مالياً في العالم.
مؤسسة رياضية… بإيرادات شركة كبرى
ينظر كثيرون إلى الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم باعتباره مجرد جهة تشرف على المنتخب الوطني والمسابقات المحلية، لكن الواقع أنه مؤسسة تجارية ضخمة تدير منظومة مالية معقدة.
فبحسب أحدث التقارير المالية للاتحاد، تجاوزت الإيرادات السنوية 516 مليون باوند، وهي من أعلى الإيرادات التي حققها الاتحاد في تاريخه. وتأتي هذه الأموال من مصادر متعددة، ما يجعل الاتحاد قادراً على تمويل أنشطته دون الاعتماد على الميزانية الحكومية.
وهذا يعني أن نفقات المنتخب الأول، من رواتب المدربين إلى المعسكرات والسفر والإعداد للمنافسات، تُدار من موارد الاتحاد نفسه، وليس من الضرائب التي يدفعها المواطنون.
من أين تأتي كل هذه الأموال؟
السر لا يكمن في مصدر واحد، بل في نموذج تجاري متكامل.
فالجزء الأكبر من الإيرادات يأتي من عقود الرعاية التجارية مع شركات عالمية، إضافة إلى حقوق البث التلفزيوني لمباريات المنتخب والمسابقات التي يشرف عليها الاتحاد.
كما يشكل ملعب ويمبلي، المملوك للاتحاد الإنجليزي، أحد أهم مصادر الدخل. فالملعب لا يستضيف مباريات المنتخب فقط، بل يحتضن نهائيات البطولات المحلية، والحفلات الموسيقية، والفعاليات الرياضية المختلفة، وهو ما يدر عشرات الملايين من الباوندات سنوياً.
وتضاف إلى ذلك عائدات بيع التذاكر، والضيافة، والمنتجات الرسمية، والرخص التجارية، لتشكل جميعها منظومة تمويل تجعل الاتحاد قادراً على تغطية نفقاته وتحقيق فوائض تشغيلية.
راتب توماس توخيل… رقم كبير لكنه ليس من أموال الضرائب
من أكثر الأرقام التي أثارت الجدل بعد تعيين الألماني توماس توخيل مديراً فنياً للمنتخب الإنجليزي، راتبه السنوي الذي تُقدره تقارير إعلامية بنحو خمسة ملايين باوند سنوياً.
وعند تقسيم هذا الرقم على أيام السنة، يتجاوز دخله 13 ألف باوند يومياً، وهو رقم كفيل بإثارة التساؤلات حول مصدر هذا التمويل.
لكن الواقع أن هذا الراتب يُدفع من ميزانية الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، تماماً كما تدفع الأندية الكبرى رواتب مدربيها من إيراداتها التجارية، وليس من أموال دافعي الضرائب.
ورغم ضخامة الرقم، فإن الاتحاد ينظر إلى المدرب باعتباره جزءاً من استثمار رياضي وتجاري يهدف إلى تحقيق نتائج رياضية تعزز قيمة العلامة التجارية للمنتخب وتزيد من إيراداته المستقبلية.
هل تمول الحكومة كرة القدم؟ نعم… ولكن بطريقة مختلفة
قد يعتقد البعض أن الدولة لا تقدم أي دعم لكرة القدم، لكن الحقيقة أكثر دقة.
فالحكومة البريطانية، عبر هيئات مثل Sport England، تقدم تمويلاً للرياضة، إلا أن هذا الدعم لا يذهب إلى رواتب لاعبي المنتخب الأول أو مدربيه.
بل يُخصص لتطوير الرياضة المجتمعية، وتمويل ملاعب الأحياء، ودعم الأندية المحلية، وتشجيع مشاركة الأطفال والشباب في الأنشطة الرياضية، وتحسين المرافق الرياضية في المدارس والمجتمعات المحلية.
بمعنى آخر، الأموال العامة تُستخدم لتوسيع قاعدة ممارسة الرياضة، وليس لتمويل نجوم المنتخب الوطني.
نجوم المنتخب… يدفعون الضرائب أيضاً
في خضم الجدل حول رواتب اللاعبين، يغيب عن الأذهان جانب آخر من المعادلة.
فلاعبو المنتخب الإنجليزي، الذين يحصل كثير منهم على رواتب مرتفعة في أنديتهم، يدفعون أيضاً ضرائب كبيرة للحكومة البريطانية.
وبحكم وقوع معظمهم ضمن أعلى الشرائح الضريبية، تذهب نسبة كبيرة من دخولهم إلى الخزانة العامة على شكل ضريبة دخل وتأمينات وطنية ورسوم أخرى، ما يجعلهم من بين أكبر المساهمين في الإيرادات الضريبية للدولة.
ولهذا، فإن الصورة ليست أن دافع الضرائب يمول المنتخب، بل إن كثيراً من نجوم المنتخب أنفسهم يساهمون، عبر الضرائب، في تمويل الخدمات العامة التي يستفيد منها المجتمع.
عندما يلعب المنتخب… يتحرك الاقتصاد
لا تقتصر الفوائد الاقتصادية للمنتخب الإنجليزي على الاتحاد وحده.
فخلال البطولات الكبرى، ترتفع مبيعات المطاعم والمقاهي، وتزداد طلبات شركات توصيل الطعام، كما تحقق المتاجر التي تبيع القمصان الرياضية والأجهزة الإلكترونية والأغذية والمشروبات مبيعات أعلى من المعتاد.
وقد أظهرت بطولات كبرى سابقة، مثل كأس العالم وبطولة أوروبا، أن المباريات التي يخوضها المنتخب الإنجليزي تؤدي إلى زيادة ملحوظة في الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما تستفيد منه آلاف الشركات الصغيرة والكبيرة في مختلف أنحاء البلاد.
وبهذا المعنى، لا يمثل المنتخب عبئاً اقتصادياً، بل يتحول إلى محرك للنشاط التجاري في كثير من القطاعات.
كرة القدم… صناعة قائمة بذاتها
تعكس تجربة المنتخب الإنجليزي كيف تحولت كرة القدم الحديثة إلى صناعة اقتصادية متكاملة، تعتمد على الرعاية والإعلام وحقوق البث والعلامات التجارية أكثر من اعتمادها على التمويل الحكومي.
فالنجاح الرياضي لم يعد منفصلاً عن النجاح المالي، والاتحادات الكبرى أصبحت تدار بعقلية المؤسسات الاقتصادية، التي تسعى إلى تنويع مصادر دخلها وتحقيق الاستدامة المالية.
ولهذا، فإن الأرقام الضخمة التي نسمعها عن رواتب المدربين أو قيمة اللاعبين لا تعني بالضرورة أن دافع الضرائب هو من يتحمل تكلفتها، بل تعكس حجم الاقتصاد الذي أصبحت كرة القدم جزءاً منه.
في النهاية، عندما تشاهد المنتخب الإنجليزي في كأس العالم 2026، قد تختلف الآراء حول الأداء أو النتائج، لكن هناك حقيقة اقتصادية واضحة: “الأسود الثلاثة” لا يعيشون على أموال الخزانة العامة، بل على منظومة تجارية تحقق مئات الملايين من الباوندات سنوياً. وربما لهذا السبب، أصبحت كرة القدم في بريطانيا واحدة من أنجح الصناعات الرياضية في العالم، ليس فقط داخل الملعب، بل خارجه أيضاً.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇